(2) جان زجلر يتحدث إلى العرب

الحوار الأول

* “يجب الاعتراف أن صدام حسين ليس برئيس تم انتخابه بشكل ديموقراطي وحر. فوضعه ليس مثل وضع عرفات”

* “أنا أقبل بقرار دولي يصدر عن الأمم المتحدة مثل ما حدث ضد ميلوزيفتش الذي قام بمجازر في حق المسلمين للتدخل لإنقاذ شعب ومساعدته ضد دكتاتور. لكن ما أقبله يجب أن يطبق أيضا على فلسطين ولحماية الفلسطينيين”

* “لقد سبق لي أن التقيت شخصيا بصدام حسين. بضعة شهور قبل اندلاع الحرب وذلك بغاية تحرير 18 رهينة سويسريين كانوا محتجزين لديه. ولقد رحب بي بشكل جيد في قصره الرئاسي وتناقشنا نقاشا هاما واعتقد أنني أقنعته بضرورة إطلاق سراح الرهائن الغربيين بصفة عامة. وهو ما حدث فعلا حيث كان صادقا في وعده لي”

* “أنا متخوف فعلا، ولست وحيدا في خوفي وإنما يشاركني كثير من زملائي في الاشتراكية الدولية وفي الأمم المتحدة، من أن الأمريكيين سيقومون فعلا هذه المرة بتفجير الصراع وسيشنون حربا على العراق. واعتقد أن الإسرائيليين يدفعونهم في هذا الاتجاه أيضا لمصلحتهم الإقليمية”

* “عرفات زعيم لا أشك في شجاعته ولا في ذكائه الوقاد. فالحديث معه شيء ممتع جدا. ولكن هذا لا يمنع من ضرورة الانتباه إلى وجود نوع من الفساد الذي سمعت عنه من أفواه أساتذة جامعيين فلسطينيين يدرسون في جامعة بير زيت”

* “الشعب الفلسطيني اختار بشكل حر وواع ياسر عرفات رئيسا له. فلا يحق لأي كان التدخل في اختيار الشعب الفلسطيني. تصور مثلا لو يقول جورج بوش ذات يوم أن سلوك جاك شيراك السياسي لا يعجبه ويطالب بتنحيته عن الحكم”

* “الاتحاد الأوروبي لم يحرك ساكنا على أرض الواقع وهو ما أعده جبنا منه. حيث كان عليه فرض عقوبات على إسرائيل”
* اليمين في فرنسا ليس مثل اليمين التقليدي في بقية البلدان الأوروبية. وذلك بسبب وجود شارل ديغول كرمز ومرجع له”

* “الحزب الاشتراكي الفرنسي يراهن على الناخب اليهودي الفرنسي، ولكنه خان بذلك كل مبادئ الاشتراكية وتخلى عن مصلحة فرنسا”

* “أنا أعرف جيدا صامويل هنتغتون. فهو أستاذ جامعي سبق أن تناقشت معه طويلا. ويجب أن أذكر القارئ العربي بأن هذا الرجل هو الذي اخترع مخطط “فينيكس” في فياتنام”

* “كتاب “صراع الحضارات” يتحدث عن صراع عبثي وهمي. وهو ينتمي إلى نخبة تعمل لحساب الإمبريالية الأمريكية مثله مثل كونداليزا رايس التي توظف العلم والخبرة الجامعية الأكاديمية في اتجاه عنصري استعماري مضاد للشعوب الفقيرة”

* “توجد أسئلة كثيرة حول من فعل 11 أيلول. فهناك من يتساءل عن إمكانية أن يكون للأجهزة السرية الأمريكية دور أو اليمين المتطرف دور آخر”

جان زجلر يشغل اليوم منصب نائب رئيس الأممية الاشتراكية وعضو مكتبها السياسي وهي المنظمة التي تجمع كل الأحزاب الاشتراكية في العالم.. كما عينته الأمم المتحدة وأمينها العام كوفي عنان مقررا لها لحق الغذاء. وإضافة إلى كونه قيادي في الحزب الاشتراكي السويسري، حيث انتخب أربع مرات في البرلمان السويسري ممثلا لمقاطعة ودويلة جنيف، يعتبر زجلر أشهر مفكر في سويسرا. بل يعد من المفكرين الأوائل في أوروبا وفي العالم بسبب ما ينشره من كتب .. وهي عشرات الكتب التي ترجمت لأكثر من 15 لغة بما فيها اللغة العربية. ودرس علم الاجتماع في جامعة جنيف وفي جامعات عالمية أخرى إلى حين تقاعده هذه السنة. ويرتبط بعلاقات صداقة خاصة مع كثيرين من الزعماء والقياديين العرب. فقد فاوض على سبيل المثال سنة 1990 الرئيس صدام حسين من أجل تحرير 18 رهينة سويسرية. كما تربطه بالرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة، الذي كان يدرس عنده من أجل إنجاز رسالة دكتوراه في علم الاجتماع، علاقة متينة وعميقة، إضافة إلى أحمد بن بلا وحسين آيت أحمد وشخصيات سياسية وعلمية جزائرية أخرى. وتربطه علاقة خاصة بالزعيم الليبي معمر القذافي، وبوليد جنبلاط وجورج قرم من لبنان، وبخالد محي الدين من مصر..
يتذكر دائما صديقه شي غيفارا حينما قال له يوما في بداية الستينات، وبعد أن أراد جان الشاب الالتحاق بالأدغال وحمل السلاح ومقاتلة الأنظمة الحليفة للولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية، “مكانك في سويسرا، في قلب العقل العالمي للرأسمالية، هناك يجب أن تناضل” .
في هذا الحوار الشامل يرفض زجلر غزو العراق عسكريا خارج إطار منظمة الأمم المتحدة ويتهم أمريكا بالانفراد بالعالم. كما يعبر عن إعجابه بشخصية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات رغم وجود فساد لدى السلطة الفلسطينية. ويندد بموقف الاتحاد الأوروبي من القضية الفلسطينية ويعتبره موقفا “جبانا”. ويشرح ميزة اليمين الديغولي الفرنسي وينتقد موقف رئيس الحكومة السابق ليونال جوسبان بشكل خاص وقادة الحزب الاشتراكي الفرنسي بشكل عام لارتباطاتهم غير الأخلاقية بإسرائيل. فهو يعتقد أن الحزب الاشتراكي الفرنسي يراهن على الناخب اليهودي الفرنسي، ولكنه خان بذلك كل مبادئ الاشتراكية وتخلى عن مصلحة فرنسا. كما يتهم المثقفين والأكاديميين الأمريكيين وعلى رأسهم صامويل هنتنغتون بالعمل لصالح الهيمنة الأمريكية وتسخير العلم لأهداف غير إنسانية. ويعتبر أن كتاب “صراع الحضارات” يتحدث عن صراع عبثي وهمي…وهذه تفاصيل الحوار:

أبدأ معك بالعراق. لقد انتقلت تصريحات قادة البيت الأبيض الأمريكي من التلميح إلى التأكيد على عزمهم التدخل عسكريا في العراق وإزاحة النظام العراقي وعلى رأسه الرئيس صدام حسين. فكيف تقيم هذا المسعى؟

هذا سؤال صعب. ففي البداية يجب الاعتراف أن صدام حسين ليس برئيس تم انتخابه بشكل ديموقراطي وحر. فوضعه ليس مثل وضع عرفات. لقد وصل إلى السلطة من خلال انقلاب عسكري ويواصل حكمه عن طريق العنف وإشاعة الرعب ضد أغلبية شعبه وبخاصة في الجنوب الشيعي وفي الشمال الكردي. وفي نقطة ثانية، نعرف أنه يوجد قانون دولي يسمح بالتدخل في شؤون الدول لأسباب إنسانية، ولكن ذلك يحدث عندما يقرر مجلس الأمن باسم ميثاق الأمم التدخل العسكري أو غيره في بلد معين. وأنا أقبل بقرار دولي يصدر عن الأمم المتحدة مثل ما حدث ضد ميلوزيفتش الذي قام بمجازر في حق المسلمين للتدخل لإنقاذ شعب ومساعدته ضد دكتاتور. لكن ما أقبله يجب أن يطبق أيضا على فلسطين ولحماية الفلسطينيين…وكذلك يجب أن يطبق هذا المبدأ من قبل المجتمع الدولي وليس من قبل دولة لوحدها وبمفردها كالولايات المتحدة الأمريكية. فهذا مرفوض قطعا. لأن المسألة ستصبح اعتباطية ورهينة عجرفة القوة العظمى. فنعم لحق التدخل ولكن للمجموعة الدولية عبر قرار دولي. وهنا أذكر بأن الحظر المفروض على العراق لا يمكن قبوله بتاتا، حيث يذهب ضحية لهذا الحظر سنويا 5 آلاف طفل.

لكن الولايات المتحدة الأمريكية تهدد صدام حسين منذ عشر سنوات ولم تسعى جديا إلى إزاحته. فهل تعتقد، بصفتك نائب رئيس الاشتراكية الدولية ولك علاقات مع زعماء وسياسيين عالميين متعددين مثل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، أنها عازمة على ذلك هذه المرة؟

لقد سبق لي أن التقيت شخصيا بصدام حسين. بضعة شهور قبل اندلاع الحرب وذلك بغاية تحرير 18 رهينة سويسريين كانوا محتجزين لديه. ولقد رحب بي بشكل جيد في قصره الرئاسي وتناقشنا نقاشا هاما واعتقد أنني أقنعته بضرورة إطلاق سراح الرهائن الغربيين بصفة عامة. وهو ما حدث فعلا حيث كان صادقا في وعده لي.
أما في ما يتعلق بسؤالك فيجب التنديد بالعجرفة الأمريكية ومحاولتها توظيف أجهزة الأمم المتحدة لمصالحها الخاصة دون اعتبار لبقية الشعوب والدول الأخرى. فالأمريكيون لا يحترمون أبدا قوانين الأمم المتحدة وميثاقها.
أنا متخوف فعلا، ولست وحيدا في خوفي وإنما يشاركني كثير من زملائي في الاشتراكية الدولية وفي الأمم المتحدة، من أن الأمريكيين سيقومون فعلا هذه المرة بتفجير الصراع وسيشنون حربا على العراق. واعتقد أن الإسرائيليين يدفعونهم في هذا الاتجاه أيضا لمصلحتهم الإقليمية. فالأمريكيون يريدون الهيمنة كلية على الشرق الأوسط ويعتقدون أن العراق يمثل عقبة في هذا السبيل. أضف إلى ذلك تأثير اللوبي اليهودي الأمريكي وقرب آجال الانتخابات الأمريكية.

أعلن الأمريكيون وفي أكثر من مناسبة على لسان جورج بوش أنهم لم يعودوا يرغبون في بقاء الزعيم والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. فما رأيك في موقفهم هذا ؟

أعرف شخصيا ياسر عرفات والتقيته مرات كثيرة في منفاه في تونس وفي غزة بعد عودته. وهو زعيم لا أشك في شجاعته ولا في ذكائه الوقاد. فالحديث معه شيء ممتع جدا. ولكن هذا لا يمنع من ضرورة الانتباه إلى وجود نوع من الفساد الذي سمعت عنه من أفواه أساتذة جامعيين فلسطينيين يدرسون في جامعة بير زيت. وهي بين قوسين جامعة رائعة تتقدم بشكل جيد رغم الصعوبات الكثيرة التي تواجهها من قبل الاحتلال الإسرائيلي. فهي واحدة من خمس جامعات فلسطينية تتميز باحتوائها على كثير من المثقفين الفلسطينيين الذين عادوا من الشتات وأغلبهم درس في الغرب مثل هارفارد أو أكسفورد..هؤلاء المثقفين الفلسطينيين، وأسمح لي أن لا أذكر أسماءهم، وجدتهم شديدي الانتقاد للفساد الذي مس السلطة الفلسطينية وحتى تجاه ياسر عرفات شخصيا. إضافة إلى قضايا حقوق الإنسان حيث نجد بعض الطلبة الفلسطينيين الذين اعتقلوا في سجون السلطة وتمت معاملتهم بشكل رديء.
في ختام الإجابة على سؤالك هذا، أقول أن عرفات يعجبني كثيرا. فهو رائع ومنفتح..ولكن حينما ينتقد من أناس ذوي مصداقية مثل مثقفي جامعة بير زيت فيجب أخذ ذلك بعين الاعتبار..لكن الأهم في إجابتي هو القول أن المبدأ الأساسي الذي يجب احترامه هو حق الشعوب في تقرير مصيرها. والشعب الفلسطيني اختار بشكل حر وواع ياسر عرفات رئيسا له. فلا يحق لأي كان التدخل في اختيار الشعب الفلسطيني. تصور مثلا لو يقول جورج بوش مثلا ذات يوم أن سلوك جاك شيراك السياسي لا يعجبه ويطالب بتنحيته عن الحكم. في هذه النقطة، اعتقد أن الموقف الأوروبي كان واضحا وإيجابيا. فلا يجب التدخل في اختيار الشعب الفلسطيني.

لقد شاركت مؤخرا في اجتماع لجنة حقوق الإنسان، باعتبارك مقرر الأمم المتحدة في حقوق الغذاء، حيث تناول القضية الفلسطينية وبخاصة قضية اعتقال المناضل الفلسطيني مروان البرغوثي ومحاكمته في إسرائيل. فما الذي جرى في هذا الاجتماع؟

لقد دعونا زوجة السيد مروان البرغوثي لزيارة جنيف، لكن السلطات الإسرائيلية منعت سفرها، في حين تمكن محاميه من حضور الاجتماع. وعلمت منه أن الإسرائيليين يعاملونه بشكل سيئ. فهم قد اعتقلوه بشكل غير قانوني في الشارع ولم يكن مسلحا، بل لم يقاوم حتى عملية اعتقاله. وقد قال لي محاميه أنه معتقل في زنزانة ضيقة جدا طولها متر ونصف وعرضها متر واحد. فهو لا يستطيع حتى الاستلقاء. كما تم تعذيبه جسديا ومعنويا وركز الإسرائيليون على منعه من النوم بشكل نسقي ودائم. وهو ما يعد اختراقا كاملا للمعاهدة الدولية لمناهضة التعذيب.

ما الذي فعلتموه لصالح مروان البرغوثي عمليا غير أسلوب الإدانة؟

لقد ركزنا في هذا الاجتماع على سماع محامي البرغوثي. ويمكن للسفارة الإسرائيلية في الأمم المتحدة أن ترد على ما ورد على لسان المحامي. ونحن طالبنا كلجنة بضرورة إطلاق سراح البرغوثي فورا.

باعتبارك قيادي في الحزب الاشتراكي السويسري ونائبا برلمانيا سابقا عن مقاطعة جنيف لمدة تزيد عن 20 سنة، هل أنت راض عن الموقف السويسري من القضية الفلسطينية ؟

لا، فسويسرا تواصل تعاونها العسكري مع إسرائيل. فهي تشتري منها مثلا الذخائر الحربية..لذلك طالب الحزب الاشتراكي السويسري من البرلمان الفدرالي وقف هذا التعاون بعد مجزرة جنين. لكن للأسف هذا التعاون ما زال مستمرا.

وما رأيك في موقف الاتحاد الأوروبي من ما يجري في فلسطين؟

موقفه أخطر من الموقف السويسري. فالاتحاد الأوروبي الذي تربطه بإسرائيل علاقات اقتصادية حيث أن 63 بالمائة من صادرات إسرائيل موجهة إلى الاتحاد الأوروبي. وهذا الأخير يستثمر حوالي 1،1 مليار يورو في فلسطين على امتداد 11 سنة في إطار التعاون التقني (بناء المدارس والبنى التحتية بصفة عامة) بين الطرفين. لكن الذي حدث أن إسرائيل دمرت 90 بالمائة من المنجزات التي بناها الاتحاد الأوروبي للفلسطينيين. والأهم من ذلك أن اتفاق الشراكة ينص على ضرورة اعتبار حقوق الإنسان شرطا لمواصلة التعاون، فالإخلال بحقوق الإنسان يلغي اتفاقيات الشراكة. وإسرائيل أخلت بكل تعهداتها جميعا. وما طلبه الاشتراكيون لدى البرلمان الأوروبي هو وقف أو على الأقل تجميد اتفاق الشراكة الموقع بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي. ورغم كل ما حدث فالاتحاد الأوروبي لم يحرك ساكنا على أرض الواقع وهو ما أعده جبنا منه. حيث كان عليه فرض عقوبات على إسرائيل.

لقد فاز اليمين الديغولي مؤخرا في الانتخابات الرئاسية والتشريعية في فرنسا. والملفت للانتباه هو أن كثيرا من اليساريين العرب ساندوا جاك شيراك ونفروا من الحزب الاشتراكي بسبب مواقفه المنحازة لإسرائيل، على عكس اليمين الذي أثبت أنه قريب من القضية العربية أكثر من اليسار. فكيف تفسر هذه المعادلة المتناقضة؟

في البداية، يجب أن نوضح أن اليمين في فرنسا ليس مثل اليمين التقليدي في بقية البلدان الأوروبية. وذلك بسبب وجود شارل ديغول كرمز ومرجع له. وكان ديغول وأتباعه دائما من أنصار حق الشعوب في تقرير مصيرها الوطني. فديغول كان وطنيا فرنسيا وبالتالي فهو منحاز لحركات التحرر الوطني. وتربطه علاقات طيبة جدا مع العرب وبخاصة حينما نعلم أن قواته التي شاركت في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي الألماني كانت تضم كثيرا من الجنود وضباط الصف والضباط العرب الآتين من المغرب العربي. وبخاصة قوات الماريشال لوكلارك والماريشال جوان…فاليوم جاك شيراك وزملاؤه يواصلون هذه العلاقة الطيبة مع العرب.

ولكن كيف تفسر، وأنت نائب رئيس الاشتراكية الدولية، انحياز الحزب الاشتراكي الفرنسي إلى إسرائيل على حساب القضية العربية العادلة؟

للأسف، اعتقد أن السبب هو مصلحة انتخابية ضيقة. فالحزب الاشتراكي الفرنسي يراهن على الناخب اليهودي الفرنسي، ولكنه خان بذلك كل مبادئ الاشتراكية وتخلى عن مصلحة فرنسا. رغم أن فرنسا فيها يهود معادون للسياسة الإسرائيلية. فسياسته تابعة لإسرائيل بشكل أعمى غير نقدي وهو ما أدى إلى ظهور الصراع في فرنسا بين العرب وأصدقاء القضية الفلسطينية من جهة وأنصار إسرائيل من جهة أخرى.

هل تحدثت مع ليونال جوزبان في هذا الموضوع؟

نعم، لقد تحدثنا كثيرا في هذا الأمر. كما ناقشت كثيرا القادة الاشتراكيين الفرنسيين في موقفهم من القضية الفلسطينية وانتقدت انحيازهم الأعمى لإسرائيل.

وماذا عن موقف الحزب الاشتراكي السويسري؟

موقف الحزب الاشتراكي السويسري إيجابي وواضح. لقد طالبنا البرلمان الفدرالي بقطع كل علاقة تعاون عسكري مع إسرائيل. ولقد طلبنا أيضا من البرلمان التنديد بإسرائيل باعتبارها تخرق اتفاقيات جنيف وبخاصة المادة الرابعة.

بعد أحداث 11 سبتمبر أيلول 2001، يبدو لنا أن العالم انقسم إلى جبهتين متصارعتين. جبهة الغرب من جهة وجبهة الإسلام من جهة أخرى. فهل تعتقد فعلا بوجود مثل هذا الصراع الذي أكد عليه مفكرون غربيون مشهورون أمثال صامويل هنتغتون، أو من السياسيين مثل سيلفو برلسكوني أو حتى الخرجة الإعلامية الجديدة للكاتبة الإيطالية فالاتشي التي بدت عنصرية أكثر منها مفكرة؟

أنا أعرف جيدا صامويل هنتغتون. فهو أستاذ جامعي سبق أن تناقشت معه طويلا. ويجب أن أذكر القارئ العربي بأن هذا الرجل هو الذي اخترع مخطط “فينيكس” في فياتنام. وهو مخطط يعتمد على إستراتيجية قتل المدنيين الفياتناميين في قراهم لضرب البنى التحتية لأعدائهم الفيتوكنغ حتى يمكن للأمريكيين أن ينتصروا عليهم في الجبهة. وهو رجل شديد الذكاء، لكنه يستخدم هذا الذكاء في غير موضعه الإنساني الحضاري. واعتقد أن كتابه “صراع الحضارات” يتحدث عن صراع عبثي وهمي. وهو ينتمي إلى نخبة تعمل لحساب الإمبريالية الأمريكية مثله مثل كونداليزا رايس التي توظف العلم والخبرة الجامعية الأكاديمية في اتجاه عنصري استعماري مضاد للشعوب الفقيرة. وأرى أن حكام أمريكا اليوم هم من أعضاء اللوبي البترولي الذي يستغل نظرية هنتغتون لبسط توسعهم وسيطرتهم على مصادر الطاقة في كافة أرجاء المعمورة.
أما السيدة فالاتشي أو السيد برلسكوني فهما في نفس الخط ولكن على مستوى فكري وعلمي ضعيف جدا لا يمكن مقارنته مع كتاب صامويل هنتغتون. وهما يسقطان في مجال العنصرية المتعجرفة الواضحة. ولا اعتقد أنه من المفيد أن نتحدث عن أفكارهما. فهي بسيطة وساذجة وليست ذي أية قيمة علمية.

أفهم من حديثك أنك تنفي وجود صراع بين العالم الإسلامي والغرب؟

بالطبع هذا الصراع خاطئ ووهمي ولا وجود له. يجب أن أذكرك أن ثلاثة أرباع الأنتلجنسيا العربية تقدميون. فنجدهم ماركسيين أو ناصريين أو قوميون عرب أو وطنيين أو بعثيين أو ليبيراليين. وهم يرفضون حكم الإسلاميين الأصوليين الرجعي. أما بالنسبة للغرب فهو حتما ليس بأمريكا. وحتى أمريكا ليست بالضرورة البيت الأبيض. لقد قال هنري كيسنجر “يجب أن يوجد طريق واحد هو الطريق الإمبريالي، ويجب أن توجد قوة واحدة وهي قوة الولايات المتحدة الأمريكية”. يجب إذن مقاومة هذه الهيمنة. لكن هذا لا يمنع أن أدين العمل الإرهابي الذي حدث في 11 أيلول. فالضحايا كانوا أبرياء ومن جنسيات مختلفة وفيهم مسلمون. لقد كانت تراجيديا إنسانية مرعبة. وفي المقابل اعتقد أن التحقيق القانوني الدقيق لم يتم إلى حد الآن. فملف زكريا موسوي مثلا الذي تعتمد عليه المحكمة الأمريكية فارغ من أي حجج حقيقية. بل توجد أسئلة كثيرة حول من فعل 11 أيلول. فهناك من يتساءل عن إمكانية أن يكون للأجهزة السرية الأمريكية دور أو اليمين المتطرف دور آخر. ولقد استغل جورج بوش الحدث المأساوي ليرسخ شرعية كان يبحث عنها داخليا في أمريكا وعالميا على المستوى الدولي. وأطلق نظريته أو شعاره البسيط في تعريف مفهوم الإرهاب وقال “من معي فهو جيد ومن هو ضدي فهو إرهابي”. ومن ثمة انقض على أفغانستان ليقترب من بترول آسيا الوسطى. فبوش يستغل المأساة من أجل المصالح العسكرية والاقتصادية الأمريكية. ختاما، يجب الكفاح ضد الإرهاب ولكن من خلال القانون الدولي.

أعرف أنك كنت ذات يوم أستاذ الرئيس الجزائري الحالي عبد العزيز بوتفليقة. وكان له معك مشروع إعداد رسالة دكتوراه في علم الاجتماع السياسي عن اتحاد المغرب العربي. كما أعرف أنك تزوره وتلتقيه باستمرار في الجزائر وأن علاقاتكما ما زالت وثيقة. ما رأيك في تجربته في الوئام المدني لإحداث مصالحة وطنية؟

اعتبر أن تجربة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة هامة جدا وتستحق التشجيع والدعم. فأنا اعتقد أن أسلوبه في مواجهة الإرهاب هو الأفضل. إنه يسامح من لم تتلطخ أيديه بدماء الجزائريين ويعفو عنه، لكنه يكافح ضد الإرهابيين المجرمين. واعتقد أن مشروع الوئام المدني هو مثال جيد في مقاومة الإرهاب. وأحيي فيه شجاعته السياسية وإلمامه الثقافي. كذلك اعتقد أن الحكومة الجزائرية يقودها اليوم محام سابق ومناضل في سبيل حقوق الإنسان هو الأستاذ علي بن فليس. وهو رجل أعرفه جيدا ويستحق الدعم والتشجيع.

أجرى اللقاء في جنيف
في يوم 1 أغسطس 2002

المصدر:الحوار المتمدن