نحو تفسير ظاهرة الأصول العلمية التقنية لنشطاء الحركات الإسلامية

ثمة وقائع تثبت أن العناصر الأكثر راديكالية في الحركات الإسلامية هي من خريجي العلوم الصحيحة وليست من خريجي العلوم الاجتماعية والإنسانية. إن الشباب الذي قام بالعمليات الانتحارية في 11 سبتمبر 2001 كان قد درس الهندسة والطيران والفيزياء وغيرها، ولا يوجد بينهم واحد درس علم الاجتماع، التاريخ، الفلسفة، علم السياسة أو علم النفس… وحتى أيمن الظواهري، الرجل الثاني في تنظيم القاعدة هو في الأصل طبيب جراح… والأمثلة كثيرة. هذه الظاهرة السوسيولوجية تستحق الدراسة ومحاولة التفسير.
ونفس الظاهرة نجدها متكررة في الجامعات العربية. وهي ظاهرة انتشار التيار الاسلامي الأصولي بكثافة في الأقسام التقنية والعلمية والهندسية، وضعفه حينما يتعلق الأمر بكليات الآداب والعلوم الانسانية والاجتماعية. أحاول في هذا المقال أن أبحث في هذه الاشكالية مستعيناً بآراء بعض علماء الاجتماع الغربيين والعرب. إن هذه الظاهرة عربية عامة يسهل رصد انتشارها. لا بد إذن من بعض التفكير والحفر المعرفيين لمحاولة فهمها؟

ميزة الحركات الإسلامية

تتميز الحركات الإسلامية العربية بكونها تنظيمات شعبوية، أي أنها تنظيمات تخترق كل الطبقات الاجتماعية من دون استثناء. فالنخبة القائدة مثلاً قد تضم تناقضات واضحة بين أفرادها حيث نجد مثقفين اللغة العربية وغيرها من اللغات الأجنبية، المهندسين والتقنيين وبعض خريجي العلوم الانسانية، التجار الصغار والتدجار الكبار والعاطلين عن العمل، الشيوخ والشباب، الرجال والنساء، وكل أولئك الذين لم يجدوا لهم مكاناً داخل النظام. ولكن بعد الاقتراب أكثر تتضح بعض الملاحظات السوسيولوجية وتتبلور بعمق.

سوسيولوجيا القيادة

تعد دراسة النخبة مسألة شديدة الأهمية، فهي التي تخوض المعارك السياسية الكبري وتتخذ القرارات المصيرية. عندما درس عالم السياسة الفرنسي جاك باشلار المتغيرات الاجتماعية التي تصاحب الظواهر الثورية توصل إلى ضرورة التمييز بين ثلاثة فئات اجتماعية: النخبة، الشعب، والرعاع. واعتقد أن كل فئة تتكون بدورها من عدد غير محدود من تجمعات الأفراد الاجتماعيين، ومن بين كل هذه الفئات يعطي للنخبة أهمية خاصة فهي حسب رأيه الوحيدة القادرة على الاستيلاء على السلطة. فالنخبة تجمع كل أولئك الذين يبدون أكفاء في نشاط معين. ومن ثمة تصبح دراسة النخبة القائدة للحركات الإسلامية العربية بالنسبة إلينا مسألة ملحة حتى نحدد دورها في تطور الأحداث ووصولها إلى الأزمة.

غياب الإحصاءات وإمكانية الرصد

رغم أننا لا نمتلك إحصاءاً شاملاً للأصول الاجتماعية والعلمية لقادة هذه الحركات وبخاصة بالنسبة إلى مهنهم الأصلية، فإننا يمكن أن نلاحظ طغيان عدد خريجي كليات العلوم الصحيحة على عدد خريجي العلوم الاجتماعية والإنسانية. نرصد أيضاً أن أغلبية هؤلاء الجامعيون هم من التقنيين والمهندسين وليسو من خريجي كليات الحقوق أو الآداب أو العلوم الانسانية أو الاجتماعية. هذه الظاهرة تستحق بعض الدرس والحفر المعرفيين. تتأكد نفس الظاهرة بوضوح من خلال انتخابات المجالس العلمية في الجامعات العربية، إذ كثيراً ما نرصد أن قائمات الاسلاميين تفوز فوزاً ساحقاً في الكليات العلمية والتقنية في حين تواجه صعوبات في الفوز حينما يتعلق الأمر بكليات الآداب والعلوم الانسانية. إن دراسة أمبيريقية لهذه الظاهرة تعتمد على جداول إحصائية تعد مسألة ملحة وذات فائدة كبيرة لعلماء الاجتماع والسياسة في الوطن العربي. بل الأكثر من ذلك، تشمل هذه الظاهرة كل بلدان الوطن العربي تقريباً، وأكد عليها كثير من الباحثين، فكيف يمكن تفسيرها؟

اتفاق علماء السياسة والاجتماع

يعتقد في نفس الاتجاه عالم السياسة الفرنسي برينو إتيان الذي يؤكد على وجود حجج كثيرة توضح حقيقة أن الإسلاميين الذين يشكلون المعادلة التالية : “دكتوراه + لحية = شباب حيوي ومتعلم كثيرون على أرض الميدان”. ويستنتج أن الحركة الاسلامية المعاصرة هي إفراز لعملية التعليم الجماهيري المكثف التي حدثت في فترة ما بعد الاستقلال. ويضيف أن الاسلاميين يمثلون تجمعاً كبيراً للفئات الاجتماعية ــ المهنية، والأكثر من ذلك نجد أن قيادتهم يقع استقطابها بشكل متزايد في الأوساط الجامعية العلمية. كما توصل عالم الاجتماع الفرنسي جيل كيبل إلى نفس الملاحظة بعد أن قام بدراسته على الحالة المصرية، وشاركهما أوليفياي روا في نفس الاستنتاج بعد أن درس حالة افغانستان. ويؤكدها أيضاً الباحث عبد القادر الزغل الذي يشرح الظاهرة كالتالي: “إن المدهش في الأمر بالنسبة إلى المثقفين الوضعيين أو الوضعيين الجدد هو أن المحرك الأساسي لهذه الحركة، التي تعود إلى المقدس في العالم الإسلامي، لم يتشكل كما يمكن أن نعتقد من طلبة كليات اللاهوت والعلوم الدينية المهددين بالبطالة، ولكن على العكس فهو يتكون في أغلبه من طلبة الكليات العلمية ومعاهد التقنية” .

موقف الجابري

المفكر المغربي، الدكتور محمد عابد الجابري حاول تحليل هذه الظاهرة، فوضع موضع اتهام النظام التعليمي في الوطن العربي. شرح أن طبيعة التعليم المهيمن اليوم في الوطن العربي هو إما تعليم تقني مقطوع كلية عن أي تفكير في المعني لهذه التكنولوجيا، لأنه يصنع أناساً بشكل آلي ودوغمائي. أو هو تعليم يركز على الأساطير ويلبد الأذهان. إن هذين النوعين من التعليم يشتركان في جذع واحد وهو غياب التساؤل النقدي: إن سؤالاً ماذا أو كيف لم يطرحا أبداً . يتهم الجابري العقل التكنولوجي بأنه عقل مستعد دائماً لتلقي العقائد بنفس السهولة التي يتلقي بها القوانين العلمية. لذلك ليس من المدهش أن نرصد أن معاهد وكليات العلوم تمثل معقلاً من المعاقل الهامة التي يقع فيها استقطاب النشطين الإسلاميين .

تطبيق على الحركات الإسلامية

تطبق هذه الملاحظة المجمع عليها تقريبا على كل الحركات الإسلامية بشكل كامل، طبعا مع وجود استثناءات هنا وهناك. فالتعليم المكثف منذ الاستقلال في البلدان العربية أدى إلى وجود فئة اجتماعية مهنية، عادة ما تكون علمية، مزاحة من مراكز القرار. فالجيل الجديد الشاب وجد نفسه في مواجهة احتكار الجيل القديم، جيل حركات التحرر الوطني الذي ناضل في الخمسينات والستينات من القرن الماضي. حيث احتكرت المناصب ومواقع المسؤولية وتغلبت الشرعية الثورية التاريخية (شرعية الذين قاتلوا ضد الاستعمار) على شرعية الكفاءة والمقدرة والتكوين العلميين. هذه الأخيرة وجدت نفسها مبعدة من مراكز القرر رغم تفوقها العلمي والتعليمي على غريمتها الأولى، فبحثت عن شكل ناجع من الاحتجاج، فوجدت الحركة الاسلامية الأقوى على الاستقطاب والتعبئة والأقدر على منافسة السلطة… فانضمت إليها. من الضروري طبعاً التأكيد على أن هذا العامل ليس الوحيد في انضمام هذه الشريحة من المجتمع إلى الحركات الإسلامية، ولكن اعتقد أنه الأهم إلى جانب عوامل أخرى موضوعية وذاتية. لكن الغريب في الأمر أن هؤلاء الشبان المتعلمين غير معترف بهم حتى من قبل الشيوخ التقليديين والمفتيين الرسميين وغير الرسميين . فالراحل محفوظ نحناح قائد حركة مجتمع السلم الجزائرية يحتج على تأسيس الجبهة الإسلامية للإنقاذ (وكثير من إطارتها هم شباب ذو أصول علمية تقنية وعلى رأسهم الراحل حشاني) ويعلن معادته لها ويقول بتهكم: ” الحزب الاسلامي يجب أن تقوده نخبة من علماء الدين وليس مجموعة أطفال” .

كثرة العلماء المسلمين!

يمكن للحركات الإسلامية أن تفتخر بكم هائل من مناضليها الحائزين علي درجة الدكتوراه أو الجامعيين بصفة عامة في الهندسة، الفيزياء، الكيمياء، الطب وغيرها. إن قضية هذه الفئة الاجتماعية المهنية في البلدان العربية تكمن في أنها مهمشة بشكل غريب، خاصة حينما تختار معارضة النظام أو الاستقلال عنه، يصل الأمر دائماً إلى مستوى أن أجر استاذ جامعي في كثير من البلدان العربية يقل بكثير عن أجر راقصة مبتدئة! الأول أمضى سنوات عمره في تحصيل العلم والبحث في المكتبات والمختبرات، والثانية، رغم أنها أمية أو شبه أمية، وجدت نفسها أفضل اجتماعياً (مالياً)، وزادت الرأسمالية العشوائية من تفاقم هذه الظاهرة لصالح الطبقات الطفيلية الجديدة في حين تم تفقير الكوادر والنخب المثقفة. كما أن عدداً كبيرا من هؤلاء الجامعيين مزاح من فرص صناعة القرار رغم تفوقه العلمي. فالقرار يحتكره الجيل القديم مستنداً الي الشرعية التاريخية وليس إلى الكفاءة العلمية. سخر الشارع العربي كثيراً من القادة السياسيين والعسكريين الذين لم يكن لهم تحصيل علمي جيد. وأطلق كثيراً من النكات الساخرة على هذه الشخصيات… لقد بحث هؤلاء الجامعيون عن حل لوضعهم المهني المادي في حركة الاحتجاج التي شكلتها الأحزاب الإسلامية بقوة منذ سنوات السبعين ، ولأسباب عديدة انظم جزء كبير منهم إلى هذه الحركات رغم أنه كان من الممكن أن يستقطبهم اليسار لو كان أكثر نشاطا وعملا في مجال التعبئة.

المصدر:الحوار المتمدن