هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 9

الفصل الثاني
هيكل – العهد الناصري:
الموقع السياسي
لم يعرف عن هيكل، طيلة حكم عبد الناصر، أنه تولى منصباً خطيراً في أي من الوزارات المتعاقبة، حيث لم تتجاوز المسألة بضعة أشهر عين فيها وزيراً للإعلام مرة ووزيرا للخارجية مرة أخرى، وكان طوال الفترة مهتماً بموقعه في مؤسسة “الأهرام” مدعماً له، مطوراً لمؤسسته… لكن رغم ما يبدو على السطح من أن الرجل عازف عن العمل السياسي، فإن عمق الأحداث والوقائع يبين أن هيكل كان في قلب العمل السياسي، يؤثر في القرار تارة من بعيد وينفذ القرار أو يتولى مسؤوليته تارة أخرى من قريب… وفي كل الحالات كان له أكثر من دور سياسي.
1 ـ أدوار سياسية
ربما أهم دور قام به هيكل في حياة عبد الناصر السياسية يتمثل في كتابة خطب الرئيس التي يلقيها في المناسبات العامة أو الخاصة.
وحقيقة، تعد دراسة خطب عبد الناصر موضوعاً مستقلاً بحد ذاته، لكن بدون التعمق في هذا المنحى، فإن المميز الأول لها هو ذلك السحر في اللغة والتركيب والأسلوب، في تلك المهارة الفائقة في تصفيف الكلمات، وفي اختيار عبارات شاعت من مصر إلى الوطن العربي، وكان لهيكل الفضل والمسؤولية الأولى في صياغتها.(1) ويعترف عبد الناصر نفسه بهذا الدور فقد قال مرة لضياء الدين داوود “إن هيكل هو أكفأ من ارتبط بي في دقة التعبير عن أفكاري، فهو حين يصوغ أفكاري، يكون قد التزم التزاماً كبيراً وأميناً بها”.(2)
وكان عبد الناصر “يسجل أفكاره كتابة ويناقشها مع هيكل الذي يأخذها بدوره ويكتبها، فيصححها عبد الناصر بخطه وتأخذ صورتها النهائية”.(3)
ويؤكد هذا الرأي سامي شرف، مدير مكتب عبد الناصر للمعلومات، قائلا: “صياغة الخطب كانت تتم على النحو التالي: الرئيس يفكر، ويضع نقاطاً للخطاب، ثم يستدعي هيكل، ويجلسان مع بعض يناقشان فيها، ثم يصيغها هيكل… وهذا شيء طبيعي لأنه لم يوجد رئيس يكتب خطبه دائماً بنفسه”.(4)
وبالتأكيد لم تكن كتابة خطابات الرئيس هي الدور السياسي الوحيد الذي قام به هيكل، ذلك لأنه لعب أدواراً أساسية أخرى مبكراً منذ بداية الثورة، فهو مثلا،ً عندما كان في طريقه إلى الولايات المتحدة لتغطية انتخابات الرئاسة الأمريكية في شهر نوفمبر 1952 بين الجنرال “دوايت إيزنهاور” مرشحاً عن الحزب الجمهوري والمستر “ادلاي ستيفنسون” مرشحاً عن الحزب الديمقراطي… قابل عبد الناصر قبل سفره وقال له: “وأنت في واشنطن أريدك أن تتابع من الناحية السياسية عملية صفقة الأسلحة الموعودة لمصر… إن علي صبري سوف يتولى من الناحية العسكرية وأريدك أن تتابع الناحية السياسية في المسألة.
إنك سوف تقابل كثيرين بحكم عملك الصحفي، كما أن كثيرين سوف يحاولون الاتصال بك بحكم معرفتهم بالصداقة بيننا، ثم إنك تعرف هناك كثيرين من الصحفيين والساسة”.(5)
ولم يكن عبد الناصر وحده الذي يطلب من هيكل أداء بعض المهمات السياسية، وإنما هناك أطراف أخرى تطلب منه بعض المهمات لمعرفتهم بعلاقته الوطيدة مع عبد الناصر. فمثلا “في صباح الثلاثاء 27 سبتمبر 1955، تحديدا في الساعة الواحدة والثلث صباحاً رن جرس هاتف هيكل، وكان المتكلم هو “إيكلبرجر” الوزير المفوض في السفارة الأمريكية.
سأله هيكل لماذا يوقظه في هذه الساعة فماذا حدث؟ فقال له الأمر جد خطير، هل عقدتم صفقة أسلحة مع الاتحاد السوفيتي؟
فقال هيكل: وما يهمه في الأمر، وهو يخص بالدرجة الأولى العسكريين.
وقال إيكلبرجر: محمد… الموضوع جد… الموضوع خطير… وهو بالغ الخطورة وهو لا يتصل بالعسكريين كما تقول ولكنه قرار سياسي، وطلب منه أن يتصل فوراً بالرئيس وينصحه بالانتظار لأن هناك رسولاً موفداً من الرئيس الأمريكي”.(6)
وكان عبد الناصر قد استشار هيكل في رأيه بتأميم قناة السويس، فرد هيكل “مسألة كبيرة وخطيرة… كبيرة جداً وخطيرة جداً”.(7)
كذلك، اتصل عبد الناصر بهيكل يوم 30 أكتوبر 1956، وطلب منه أن يتوجه إلى مقابلة السفير الأمريكي “ريموندهير” وينقل إليه على لسان الرئيس أن “طائرة بريطانية من طراز “كانبيرا” حلقت قبل ساعة فوق منطقة بحيرة (البردويل)، ومن الواضح أنها كانت تحاول القيام بعملية استطلاع فوق أرض المعركة، وأن مثل هذا التصرف مثير للشكوك والريب”.(8)
وفيما بعد، سافر الدكتور محمود فوزي (وزير الخارجية) إلى نيويورك، ولحق به هيكل بعد أيام قليلة يتابع عرض قضية قناة السويس على مجلس الأمن. وعاش أيامه ولياليه كلها لأكثر من أسبوعين في أروقة وكواليس وقاعات الأمم المتحدة.(9)
وهذه ليست إلا مجموعة من النماذج التي قام فيها هيكل بأدوار سياسية خاصة بين عبد الناصر والطرف الأمريكي، ورغم بعض الإشارات التي ظهرت هنا وهناك تتساءل عن حقيقة علاقة هيكل بالمصالح الأمريكية، فإن أحد الكتاب يرد على هذه الإشارات بقوله: “كان هيكل مخلصاً لعبد الناصر، وكان ولاءه له لا لأمريكا، لأنه لعب دوره بمهارة وأمانة وأنه نجح في خداع أمريكا وهذا ما ثبت لعبد الناصر…”(10)
كما قام هيكل بوساطة بين اليسار الماركسي والرئيس عبد الناصر. حيث يقول لطفي الخولي: “وكان عبد الناصر قد شرع بالفعل منذ أواخر العام 1960 بالإفراج تباعا عن عدد من الشخصيات الماركسية وفي إطار تجربة (الحوار والتعاون) أنشئت صفحة “الرأي” في جريدة “الأهرام” التي كان يتولى رئاسة تحريرها محمد حسنين هيكل الذي لعب دوراً في مد الجسور بين عبد الناصر واليسار الماركسي”.(11)
وفي مرات قليلة، يتولى هيكل مهمة وزير. فقد قال عبد الناصر ذات مرة لهيكل: “أنت تفلسف هذه المسائل وأنت صحافي خارج الدائرة، امسك الوزارة وفلسفها من الداخل وأنت وزير”. ومن ثمة، أمر عبد الناصر مدير مكتبه سامي شرف بأن يذيع قرار تعيين محمد حسنين هيكل في الوزارة (الإرشاد القومي)، وفوجئ هيكل بالقرار…”(12). كما قام هيكل في يوليو ـ أغسطس 1970 بمهام وزارة الخارجية.(13)
كما يعتقد البعض أن هيكل بذل “جهداً مباشراً في إقناع الرئيس بتسليم أنور السادات منصب نائب الرئيس”.(14) وإذا كان ذلك صحيحا، فإنه يصبح أهم الأدوار السياسية التي قام بها هيكل طيلة فترة حكم عبد الناصر… ورغم هذه الأدوار، فإن ما يتضح هو أن الرجل كان غالباً ما يرفض المنصب التنفيذي المباشر، وفي الآن نفسه يقبل على لعب أدوار سياسية خاصة يكلفه بها عبد الناصر، ولا تلزمه بمسؤولية دائمة. ويؤكد هذا المعنى وزير الإعلام السابق الأستاذ محمد فائق في قوله: “الذي أعرفه أن هيكل كان قاطعاً في هذا الموضوع، فهو لا يريد الموقع التنفيذي. ويعتقد أن تأثيره كصحفي أكبر من تأثيره كسياسي في موقع، وأنا أول من أبلغه بتعينه وزير الإعلام، ولم يكن سعيداً بهذا الخبر… رغم أنه عمل أيام عبد الناصر من أجل أن يكون قريباً منه. ولكن لا أعتقد أن ذلك كان من أجل السلطة”.(15)
وربما يكون هذا الأمر، من أهم الأسباب التي دفعته إلى الصدام مع أجهزة الحكم.

3 ـ العلاقة مع أجهزة الحكم
تميزت علاقة هيكل بأجهزة الحكم في (الجمهورية العربية المتحدة) بالتوتر حيناً والصراع المباشر أحياناً أخرى. وطفح الصراع أكثر من مرة وبقوة على مستوى العلاقة بأجهزة الأمن والمخابرات، والعلاقة مع الاتحاد الاشتراكي (التنظيم السياسي الحاكم) وتنظيمه الطليعي.
لقد “وقع خلاف بين “الأهرام” وهيئة المخابرات العامة عندما صدرت “الأهرام” يوم 13 أكتوبر 1968 وفيها مقال افتتاحي في الصفحة الأولى تحت عنوان (واقعة خطيرة) يتحدث عن اعتقال نيابة أمن الدولة والمخابرات لمدير مركز الدراسات الاجتماعية والاقتصادية بالأهرام نتيجة بلاغ من اللواء جمال عسكر مدير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء الذي اعتبر أن مدير مركز الأهرام قد خالف القانون بتبليغه معلومات محظورة إلى إحدى الشركات اليابانية.
وقد أثارت “الأهرام” اعتراضات شتى على سلطة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء وعلى أسلوب الاعتقال و(زوار الفجر) وعلى عدم وجود حدود مرسومة لجهاز المخابرات، مطالبة بأن يكون الحبس الاحتياطي والاعتقال في أضيق نطاق ومحاط بكافة الضمانات.
وكانت هذه أول مقالة تهاجم علنا وصراحة جهاز المخابرات… وهو أمر ما كان يمكن أن يحدث بهذه الصورة قبل الهزيمة”.(16)
وفي مناسبة أخرى، سجلت أجهزة الأمن حديثاً دار في شقة لطفي الخولي، رئيس تحرير “الطليعة” ونوال المحلاوي، السكرتيرة الشخصية لهيكل، وهما يتبادلان مع بعض الأصدقاء حديثاً منسوجاً ببعض السباب… وأصدر عبد الناصر أوامر باعتقال لطفي الخولي وزوجته ونوال المحلاوي… واستمر الاعتقال عدة شهور…
وكان ذلك الإجراء صدمة لهيكل، وإضعافاً لمركزه. فهو لم يستطع أن يفعل شيئاً للمعتقلين وهم من أقرب الناس إليه…”(17)
كذلك كان الصراع عنيفاً بينه وبين قيادة (الاتحاد الاشتراكي) فهيكل “لم يكن مقتنعاً فيما يبدو بالالتزام الحزبي… وربما كان راضياً عن صيغة الاتحاد الاشتراكي دون أن يكون له فيها دور. لم يكن يؤرق هيكل سوى أن يكون بعيداً عن تدخلات الجهاز السياسي… وألا يكون لأفراد من الخارج نفوذ على بعض العاملين فيه حتى ولو كان نفوذاً سياسياً.
ونتيجة لهذا الموقف… فإنه عندما تقرر دمج الفروع التي بدأ بها تنظيم طليعة الاشتراكيين، فإن محمد حسنين هيكل لم يكن في قيادة هذا الجهاز…
هل كان هذا الموقف تعالياً من محمد حسنين هيكل… أم اعتماداً زائداً على الزعيم… أو فقدان ثقة بالتنظيم… أو ضيق وقت للعطاء السياسي… أو رغبة جارفة في أن يظل حراً طليقاً يكتب ما يشاء دون ضغط أو إلزام”.(18)
لقد “كان هناك تنافر ـ أكيد ـ في وجهات النظر بين هيكل وقيادات الاتحاد الاشتراكي. برز ذلك أولاً في فكرة إنشاء (المجلس الأعلى للصحافة) التي اقترحها علي صبري لتكون (جميع) الصحف تابعة لتنظيم خاص يطلق عليه هذا الاسم في الاتحاد الاشتراكي.
اعترض هيكل على ذلك اعتراضاً شديداً فلم يكن يريد للأهرام أن يذوب في تنظيم يضم صحفاً أخرى تكون تابعة للجهاز السياسي… واقترح بدلاً من ذلك أن يكون هناك ما يشبه الاتحاد لمناقشة مشاكل الصحافة الإدارية من ناحية الورق والتوزيع. لم يظهر هذا الخلاف على مسرح الأحداث… بقي موضوع حوار في الكواليس وانتهى الأمر إلى مواجهة في حضور جمال عبد الناصر الذي لمس عناد هيكل وإصرار علي صبري، فاقترح أن تبدأ التجربة في جريدة “الجمهورية”، فإذا نجحت عمت في بقية الصحف الأخرى.
وبدا علي صبري يكتب تعليقات يومية في جريدة “الجمهورية” اعتبرها البعض جانحة لليسار إلى حد بعيد”.(19)
وانتهت “خلافات هيكل مع الاتحاد الاشتراكي إلى قرار تعيين محمود أمين العالم رئيساً لمجلس إدارة أخبار اليوم. وعادت بذلك إلى علي صبري مسؤولية الإشراف على الصحف وتوجيهها بصفته أميناً عاماً للاتحاد الاشتراكي.
وبدأت الخلافات تظهر على خشبة المسرح في هذه الصراعات الفكرية التي ظهرت على صفحات الصحف”.(20)
وأصبح “عدد من السياسيين مثل ضياء الدين داوود والدكتور محمد أنيس وعبد الهادي ناصيف، يكتبون في جريدة “الجمهورية” مقالات مضادة للآراء التي ينشرها هيكل في الأهرام”.
تراشق الآراء كان يعتبر أمراً جديداً في حياة الثورة… ومظهر من مظاهر الانفتاح النسبي الذي فرضته الهزيمة.
كان محمد حسنين هيكل قد أصبح الآن معرضاً لكلمات ومقالات النقد… بل أن لجان الاتحاد الاشتراكي لم تكن تتورع عن مناقشة مقالات هيكل أسبوعياً ومعارضة ما فيها من اتجاهات اعتبرها البعض مؤامرة على صلابة الجبهة الداخلية، ومضعفة للروح المعنوية، وباعثة على ممالأة حكومة الولايات المتحدة تحت شعار (محاولة تحييد أمريكا).
ولم يكن هذا الصراع العلني أمراً يمكن أن يمضي بغير دلالة… فمحمد حسنين هيكل قريب من جمال عبد الناصر إلى الحد الذي لم يكن خافياً على أحد. ومقالاته في مضمونها إن لم تكن معبرة عن عبد الناصر شخصيا فهي بمثابة مجس يتعرف على حقيقة نبض المجتمع وردود الفعل فيه.
ولذا طفا الخلاف بين الاتحاد الاشتراكي ومسئوله القوى علي صبري وبين محمد حسنين هيكل على السطح… وأصبح بينهما مشهداً تتابعه الجماهير المرتبطة بالسياسة وتعلق عليه”.(21)
ويعلق ضياء الدين داوود على هذا الصراع قائلا: “إن المجموعة القريبة من جمال عبد الناصر والتي كانت تتولى تسيير الاتحاد الاشتراكي ومنظمة الشباب والمنظمات السياسية، كانت تسبب لها مقالات هيكل بعض المشاكل فكانوا يختلفون معه.
وكانت تقع اجتماعات للاتحاد الاشتراكي تهاجم مقالات هيكل ومناقشاته… في نهاية الأمر خلق هذا الجو ما يمكن تسميته بالصراع بين هيكل وهذه المجموعة وخاصة المجموعة العسكرية”.(22)
وربما كانت أهم الأسباب لهذا الصراع رفض هيكل الدائم الانضمام إلى التنظيم السياسي الحاكم. فهو يقول: “اعتذرت عن الانضمام إلى التنظيم الطليعي باستمرار، ليس عن عدم إيمان بأهمية التنظيم، وإنما عن اعتقادي بأن أي صحفي أو كاتب لا يستطيع أن يخضع فكره لضوابط تنظيم وإلا فقد استقلالية رأيه إلى أقصى حد ممكن. وقد سبب لي هذا الموقف مشاكل لا حدود لها مع كل مستويات التنظيم في الاتحاد الاشتراكي وقتها”.(23)
ولكن الدكتور إبراهيم سعد الدين يقول: “…وانضممت بعد ذلك لمجموعة التنظيم الطليعي بالأهرام بجوار هيكل مع لطفي الخولي ودكتور إبراهيم الشربيني، ودكتور عبد الرازق حسن ودكتور محمد الخفيف”.(24)
ويوضح احمد حمروش المسألة قائلاً: “ولكنه لم يكن يحتل موقعاً رئيساً في التنظيم السياسي، حيث كانت تدور بعض الأحداث، وتطبخ بعض القرارات.
وكان موقف محمد حسنين هيكل من الاتحاد الاشتراكي معروفاً… لم تكن عنده حرارة الالتزام بالتنظيم السياسي… هكذا لم يكن هيكل عضواً قيادياً في هيئة التحرير أو الاتحاد القومي… ولم يكن كذلك في الاتحاد الاشتراكي رغم أنه هو الذي صاغ الميثاق ولكن هيكل كان أحد الذين بادر جمال عبد الناصر بتكليفهم بتكوين عدد من الخلايا التنظيمية عندما فكر في تشكيل (طليعة الاشتراكيين) بعد عام من صدور الميثاق… كان واحداً من الذين انتقاهم جمال عبد الناصر وكلف كل واحد منهم ممن يثق في إخلاصه لبناء المجتمع الاشتراكي”.(25)
وكانت خلفية نقد هيكل المتواصل لتنظيم “الاتحاد الاشتراكي” تعتمد حسب رأيه على “إيمانه بصيغة التحالف وإلحاح على أن مهمة التنظيم الشعبي هي أن يستولي على السلطة بقوة الجماهير وعملها الديمقراطي، وأن الخطر يجيء حين تقع التنظيمات في الخلط، فإذا هي بدل أن تستولي بالجماهير على السلطة تستولي بالسلطة على الجماهير”.(26)
أيضا “إن الاتحاد الاشتراكي يحاول أن يكون حكومة فوق حكومة أو حكومة إلى جانب حكومة، وهذا يصنع ازدواجية في السلطة “.(27)
كذلك “إن الاتحاد الاشتراكي أغرق نفسه في متاهات فكرية تعبر عن أشخاص ولا تعبر عن فكر جماعي”.(28)
ثم، “إن التنظيم السياسي يتعرض لمخاطر شديدة عندما يولد في أحضان سلطة الدولة ويتصور تلقائياً وفورياً أنه المعبر عن كل جماهير الشعب، وبالتالي فهو قائدها بغير منازع، ومن هناك فهو يقع في خطأ لا يقل خطورة عن خطأ الحق الإلاهي عند الملوك “.(29)
لقد كتب هيكل مقالات كثيرة تمس موضوعات التجربة الديمقراطية وضرورتها وضوابطها وقضايا حرية التعبير الديمقراطي والحراسات والمعتقلات… والدعوة إلى مجتمع مفتوح… والدعوة لإسقاط مراكز القوى.. وشرح لأهمية وضرورة المجتمع المفتوح… وشرح لخطورة تجاوزات التنظيم السياسي ” الاتحاد الاشتراكي “.. وضرورة احترام أحكام القضاء.. وتأكيد حرية البحث العلمي في الجامعات.. وبعض هذه القضايا تناوله منذ سنة 1964(30).
كما حلل هيكل إشكالية الاتحاد الاشتراكي وعلاقته بالجماهير في مقاله بصراحة الذي جاء تحت عنوان (الحديث عن الاتحاد الاشتراكي الآن) ونشره في الأهرام في 1 نوفمبر 1968، وقال فيه: “إلى أي مدى يعبر الاتجاه والقرار عن الجماهير العريضة خارج مباني الاتحاد الاشتراكي … في الحقول والمصانع، في البيوت والمكاتب، في الشوارع والحواري؟ هذه هي المسألة.
تستطيع الشعارات أن تدوي حتى يصل صداها إلى السماء، وتستطيع اللجان أن تواصل طحن الهواء كل ليلة حتى الفجر، وتستطيع الشلل أن تمضى في لعبة الاستغماية إلى ما لا نهاية، ولكن…
إلى أي مدى تعبر محصلة هذا كله عن الجماهير في مواقع عملها وعيشها؟ وبصورة أخرى فليس المهم ما يجري في مباني الاتحاد الاشتراكي نفسها، وإنما الأهم هو تأثير ما يجرى في هذه المباني على الناس خارجها وقدرته على أن يعبر عنها.
وإذا حصر الاتحاد الاشتراكي نقطة تركيزه داخل مبانيه فهو يعبر عن نفسه. وإذا اتسعت نقطة التركيز ومدت تأثيرها إلى الخارج فهو يعبر عن الجماهير.
ونلخص ذلك كله في عبارة واحدة :
ـ إذا استطاع الاتحاد الاشتراكي ـ أو أي تنظيم سياسي في أي بلد من البلدان ـ أن يعبر… إذن، فهو موجود… وإذن، فهو يقود.
وإذا لم يستطع أن يعبر… إذن، فهو لا يقود… بل هو غير موجود !
وتتفرع من هنا قضية خطيرة، هي قضية: من هي الجماهير؟
هل الجماهير هي مجموعة الناس الذين تتكون منهم لجان الاتحاد الاشتراكي على كل المستويات؟ هل الجماهير هي آلاف الناس الذين تصلهم بطاقات الدعوة إلى حضور اجتماعات الاتحاد الاشتراكي؟ أو هل الجماهير هي الملايين ممن يحملون بطاقة عضوية الاتحاد الاشتراكي ويخرجونها من جيوبهم لأي سائل عنها؟
إن الذين يحضرون اللجان قلة قليلة، والذين تصلهم بطاقات الدعوة عدد محدد، وبطاقات عضوية الاتحاد الاشتراكي في الجيوب ليست دليلاً على الاقتناع الكامل بقدر ما هي استيفاء لورقة، ظن كثيرون أنها مطلوبة للتسهيل أو التشغيل في غمرة الزحام.
وإنما الجماهير محيط أوسع من ذلك وأعرض وأعمق.
ولم يقم في التاريخ كله تنظيم سياسي يضم كل الجماهير في وطنه.
وفي العالم المعاصر أمام عيوننا فليس هناك تنظيم يدعى ـ حتى مجرد ادعاء ـ أنه يفعل ذلك.
…ولقد لمس جمال عبد الناصر قضية “الوسط العريض الصامت” لمساً دقيقاً ونفاذاً في مناقشة اشترك فيها أخيراً في اجتماع اللجنة المركزية.
كان يتحدث عن مسألة التفرغ وقال من بين ما قاله إن هذه المسألة أثارت في تنظيم الاتحاد الاشتراكي في ظروف سابقة حساسيات شديدة كما أنها أثارت أسباباً للنقد ليست بغير أساس.
وكان اتجاه جمال عبد الناصر إلى أنه مهما كانت الحاجة إلى التفرغ لأعمال التنظيم السياسي فإنه لابد من أن يظل مبدأ التفرغ في أضيق الحدود وحيث تكون الحاجة إليه ماسة وفى هذه الحالة فلا يكون للمتفرغ إلا مرتبه العادي من عمله الطبيعي قبل التفرغ.
واستطرد جمال عبد الناصر من هذا المدخل إلى قضية “الوسط العريض الصامت” فقال” :لابد أن تضعوا في اعتباركم دائماً وفي كل الظروف أن هناك طرفاً ثالثاً يرقب كل تصرفاتكم ويستنتج منها ما يشاء. أنتم هنا طرف… وأعداء النظام الاجتماعي والسياسي الذي تمثلونه، والمخالفون له والمتشككون فيه طرف آخر.
وأما الطرف الثالث فهو جبهة عريضة من الجماهير الواسعة.
وأنتم هنا أقلية… والآخرون أقلية، والصراع محتدم بين الأقليتين أيهما يحسن التعبير عن نفسه وأيهما ينجح في عرض وجهة نظره؟
من يحسن وينجح فإن حركة هذه الجماهير تنحاز إليه ومع أنكم الأصدق ولاءً والأخلص خدمة فإن هذه الجماهير قد تتجه إلى غيركم إذا لم تستطع أن تقتنع بكم ومن هنا فواجبكم أن تقنعوها دائماً وأن لا تملوا من محاولة الإقناع مهما كان في ذلك من عنت عليكم. لا يكفي أن تكونوا مؤمنين بما تقولون. وإنما من الضروري أن تنقلوا إلى هذه الجماهير الإحساس بأنكم تؤمنون بما تقولون وتتصرفون وفق ما يقتضيه”.
… وهذه مجموعة أهم المقالات التي انتقد فيها مراكز القوى وضعف الجبهة الداخلية. ونشرت جميعا في صحيفة ” الأهرام”.
1 ـ “علامات – إلى أين من هنا… وإلى أين بعد الآن ؟” بتاريخ 30- 6 – 1967.
2 ـ “علامات في الموقف الداخلي ـ تفويض للتغيير..”، 28 – 7- 1967.
3 ـ “الجبهة الداخلية هي هدف الهجوم الأصلي للعدو، بقية للحديث عما تريده الولايات المتحدة الأمريكية منا الآن…”، 11 – 8 – 1967.
4 ـ “الجبهة الداخلية”، 17 – 11 – 1967.
5 ـ “ليس بالحسم وبالحزم.. ولكن بالعمل السياسي”، 19 – 4 – 1968.
6 ـ “هل تحقق التغيير ؟”، 11 – 10 – 1968.
7 ـ “واقعة خطيرة”، 13 – 10 – 1968.
8 ـ “المجتمع المفتوح”، 18 – 10 – 1968.
9 ـ “كيف تنشأ مراكز القوة ؟”، 25 – 10 – 1968.
10 ـ “حديث عن الاتحاد الاشتراكي الآن”، 1 – 12 – 1968.
11 ـ “قضايا للتفكير والمناقشة حول عمل الاتحاد الاشتراكي في هذه المرحلة، المعنى الحقيقي لكل ما تكشف بعد النكسة”، 8 – 11 – 1968.
12 ـ ” قضايا للتفكير والمناقشة حول عمل الاتحاد الاشتراكي عن التجربة… عن الديمقراطية في زماننا “، 15 – 11 – 1968.
13 ـ “الثورة… والثورة المضادة “، 20 – 12 – 1968.
14 ـ “أزمة الشك في الصحافة المصرية”، 20–12– 1968(31).

3 ـ الموقع من خريطة “التكتلات”
شهد الحكم “الناصري” في مصر، طيلة الستينات، استقطاباً بين “كتل سياسية” مختلفة، خاضت فيما بينها صراعاً خفياً تارة وعلنياً تارة أخرى. وهو صراع يؤكد حقيقة أساسية في علم السياسة، وهي أن أي مؤسسة سياسية ـ والدولة أقوى هذه المؤسسات ـ تعيش صراعاً مزدوجاً، صراعاً خارجياً مع خصوم تحددهم، وصراعاً داخلياً فيما بينها، وشهد التاريخ تجارب عديدة تؤكد هذا الرأي، مثل صراع ستالين ـ تروتسكي، صراع ماوتسي تونغ ـ دنغ كسياو بنغ… بل حتى صراع علي بن أبي طالب من جهة ومعاوية بن أبي سفيان من جهة ثانية.
وعلى حد تعبير أستاذ علم السياسة موريس دوفرجيه: “يجري الكفاح (الصراع) السياسي على مستويين: يجري من جهة بين أفراد وطبقات تتصارع للحصول على السلطة أو للمشاركة فيها أو التأثير عليها، ويجري من جهة أخرى بين السلطة التي تحكم والمواطنين الذين يقاومونها.
إن السلطة، في جميع الجماعات الإنسانية وحتى في المجتمعات الحيوانية، تهيئ للذين يملكونها منافع وامتيازات، أمجاداً وسمعة وفوائد ومتعا، لذلك تدور حولها معارك حامية.
وهذه المعارك تدور أولاً بين أفراد يصارعون من أجل مقعد…”.(32)
كذلك “كثير من الناس يرون أن الصراع والتكامل ليسا وجهتين متعارضتين، بل هما عملية كلية واحدة، فالصراع يؤدي بطبيعته إلى التكامل، والتعارضات تتجه بتطورها نفسه إلى زوالها وإلى قيام “المدينة” التي يتحقق فيها الانسجام”.(33)
إن مصر ـ عبد الناصر، طيلة الستينات، شهدت مثل هذا الصراع بين “الكتل”، وكان محمد حسنين هيكل، يتموقع في إحدى هذه الكتل، رغم محاولاته الدائمة ليكون خارج دوائر الصراع. ولتحديد موقعه، توجد مجموعة من الرؤى المختلفة ـ المتباينة.
فالدكتور فؤاد زكريا، أحد منتقدي هيكل بشدة، يقول: “هناك شواهد كثيرة وقوية على أن حكم عبد الناصر كان يضم، في سنواته الأخيرة على الأقل، “أجنحة” متنافسة ومتعارضة.
كان هناك الجناح العسكري الممسك بقوة الجيش، والملتصق بالمشير عامر (شمس بدران وقادة الأسلحة المختلفة قبل 1967).
وكان هناك الجناح التنفيذي الملتصق بعبد الناصر في عملية الحكم (سامي شرف، شعراوي جمعة، محمد فايق..). وكان يقود هذا الجناح علي صبري.
وكان هناك الجناح الهادئ، المتربص، الذي يحتفظ بعلاقاته بعبد الناصر بحذر شديد، دون التورط في ممارسات تثير المتاعب، أنور السادات، محمود فوزي، سيد مرعي، حافظ بدوي.
وأكاد أجزم بأن هيكل كان ينتمي إلى الجناح الأخير، فالشواهد قوية على أن هيكل كان من مجموعة أنور السادات قبل أن يتولى هذا الأخير الحكم بوقت غير قصير”.(34)
ثم يضيف الدكتور فؤاد زكريا: “ويكفي، كمثال واحد للتدليل على ذلك، أن استشهد بما قاله هيكل نفسه في مقاله “ما أكثر الشجاعة هذه الأيام على الغائبين” فهو في هذا المقال يروي قصة اعتقال عبد الناصر لأحد المثقفين المرتبطين بهيكل في جريدة “الأهرام” وكيف غضب هيكل ولازم بيته أياماً دون أن يفاتح عبد الناصر في الموضوع، والذي يهمنا في هذا أن أنور السادات كان هو الذي اتصل به قائلاً “ما هذا الذي تفعله؟ أنك تترك الجو هنا لكل من يريد أن يستثير ويحرض” ثم قال: “اتصل به (عبد الناصر) فوراً وتحدث معه بنفسك ولا تترك المجال مكشوفا لآخرين “. وبعد يومين عاود الاتصال به قائلاً: “يبدو أنك جننت، لماذا تترك الأمر بينك وبينه لكل من يريد أن يتبرع بكلمة؟”. وهنا يظهر بوضوح أنه كانت هناك مجموعتان، واحدة يمكن أن تحرض عبد الناصر ضد هيكل، وأخرى حريصة على سلامة هيكل ضد المجموعة الأخرى وفيها أنور السادات. ولا شك أن تطوع السادات بكل هذه النصائح إلى هيكل يدل على أنهما كانا ينتميان إلى معسكر أو جناح واحد”.(35)
وتختلف رؤية الأستاذ لطفي الخولي ـ أحد تلامذة هيكل ـ لخريطة التكتلات والتحالفات، ويقدم في كتابه “مدرسة السادات السياسية… واليسار المصري”، تحليلاً آخر يقول فيه ” في مقدمة هذه المحاور المتصارعة في الأعماق، كان هناك ما سمي بـ”اللجنة الاستشارية الرئاسية”، وهي اللجنة التي كان الرئيس قد شكلها بعد هزيمة 1967 وبعد إحباط المحاولة الانقلابية التي تزعمها المشير عبد الحكيم عامر، واعتمد عبد الناصر على هذه اللجنة في إدارة شؤون البلاد الداخلية، والإشراف على أعمال مجلس الوزراء الذي كان يتولى رئاسته…
وكانت هذه اللجنة، التي أحيط أمرها بالكتمان، تتكون من شعراوي جمعة وزير الداخلية، وأمين هويدي الذي تولى وزارة الحربية ورئاسة المخابرات العامة ووزارة الدولة، ومحمد فائق وزير الدولة للشؤون الخارجية وسامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات ووزير الدولة، وكان عبد الناصر يفاجئ اللجنة، بين آن وآخر، بطلب اشتراك محمد حسنين هيكل وزير الإعلام ورئيس تحرير “الأهرام” في أعمالها”.(36)
ويضيف لطفي الخولي، أن “ثمة محوراً آخر كان يتبلور في قيادة الاتحاد الاشتراكي (6 ملايين عضو مسجل) وتنظيماته الرئيسية والمساعدة … بزعامة علي صبري، واستمد هذا المحور أهميته من قوته الحاكمة فعليا في كل من اللجنة العليا واللجنة المركزية. وكان من بين الأعضاء البارزين فيه : شعراوي جمعه (الذي كان يشارك في اللجنة التنفيذية العليا بصفة استثنائية على الرغم من عدم تمتعه بعضويتها)، عبد المحسن أبو النور، ود. لبيب شقير، وضياء الدين داوود، عبد المجيد فريد، وحافظ بدوي. وكان هذا المحور يكرس قدراته من خلال تسييره “التظاهرات الجماهيرية تحت الشعارات التي يحددها واستصداره “القرارات المطلوبة” من دون عناء كبير، من الهيئات القيادية للتنظيم السياسي على مختلف المستويات.
وبالتوازي مع محور قيادة الاتحاد الاشتراكي، تكون محور آخر، ضم قيادة ما سمي بـ”التنظيم الطليعي” وكان أقرب ما يكون إلى صيغة الحزب الاشتراكي ذي الخلايا السرية عهد إليه بالعمل على توجيه قيادة الاتحاد الاشتراكي من داخله بواسطة “كادر اشتراكي مدرب “…
وظل عبد الناصر يشرف بنفسه على تكوين وإدارة التنظيم الطليعي بحماسته، يعاونه في ذلك كل من علي صبري واحمد فؤاد ومحمد حسنين هيكل…
وعند وفاة عبد الناصر، كان كل من علي صبري واحمد فؤاد ومحمد حسنين هيكل قد أقصوا أو تباعدوا عن قيادة التنظيم الطليعي، التي ركزت في أمانة مركزية أمسك بزمامها، أساسا، شعراوي جمعه، وسامي شرف ومحمد فائق وحلمي السعيد المستشار الاقتصادي لرئاسة الجمهورية، يعاونهم عنصران أو ثلاثة من الماركسيين مثل احمد حمروش ومحمود أمين العالم “.(37)
أما أخطر المحاور ـ لصبغته العسكرية ـ فكان “يتجسد في “اللجنة العسكرية الخاصة بإعادة بناء القوات المسلحة وإعدادها على المدى القصير الذي لا يتجاوز العام 1972… وكان عبد الناصر يركز طاقاته في هذه اللجنة، يعاونه الفريق محمد فوزي وزير الحربية، واللواء محمد صادق، بالإضافة إلى عدد محدود من قيادات القوات المسلحة.
وإلى جانب هذا المحور، قام محور “الحرس الجمهوري ” الذي تدعمت قواته إلى حد القدرة على الهجوم القتالي متجاوزا خط الدفاع للحراسة التقليدية، وتولى عبد الناصر الإشراف على هذا المحور من خلال سامي شرف سكرتير الرئيس للمعلومات ووزير الدولة، واللواء الليثي ناصف قائد الحرس “.(38)
“ويمكن القول أن ثمة محورين آخرين، دار كل منهما، في الأساس، حول شخصية متميزة اكتسبت وزناً خاصاً نتيجة ما اتسمت به من ملكات خاصة وظفتها بذكاء، أو احتلالها لمواقع هامة داخل دائرة الثقة الضيقة لجمال عبد الناصر، وبالتالي أمكنها التعرف إلى أسرار النظام ومشاركتها الجزئية أو الكلية في صنع القرارات السياسية. الشخصية الأولى تمثلت في “أنور السادات” الذي اصطفاه عبد الناصر من دون أعضاء مجلس قيادة الثورة نائباً وحيداً له في 20 ديسمبر 1969 وذلك بقرار غير متوقع كان له وقع الصاعقة على الجميع…
وهكذا انتقل السادات فجأة قبل أقل من عام من وفاة عبد الناصر من المواقع الخلفية المظلمة في النظام إلى مواقع الصدارة”.(39)
“أما الشخصية الثانية فهي محمد حسنين هيكل الصحفي أو “الجرنالجي” كما يحب أن يصف نفسه دائماً، لكن جميع الذين اتصلوا اتصالاً وثيقاً بنظام عبد الناصر من المراقبين والسياسيين المصريين والعرب والأجانب، كانوا يجمعون على وصفه بأنه “الرجل الثاني في النظام” الذي لا يتولى مسؤوليات رسمية ولا يسعى إليها حتى لا يدخل طرفاً في دائرة الصراع، ويقلص حجمه على مقاس المنصب الرسمي الذي تولاه، وتتضارب الآراء والمواقف بنشأة محمد حسنين هيكل، بيد أن خصومه يتفقون مع أصدقائه على أنه ” الأقدر والألمع” في حقل الصحافة المصرية والعربية وإذا كان استفاد من قربه لعبد الناصر، فإن عبد الناصر قد استفاد في المقابل من حرفية وذكاء هيكل الصحفي… ولم يعد هيكل أقرب المستشارين لجمال عبد الناصر وموضع سره وحسب، وإنما “المحاور اليومي” المقبول منه دون أي كلفة أو حساسية.
والمعادلة التي حكمت حركة هيكل وقبلها عبد الناصر، هي الالتزام بمساندة جمال عبد الناصر على نحو مطلق مع ممارسة الحرية النسبية في نقد النظام ومؤسساته وقياداته.
ولقد رسبت ممارسة هذه المعادلة انطباعاً لدى كل القوى السياسية المحلية والعربية والدولية، أن محمد حسنين هيكل يمثل فعلاً مركز “الرجل الثاني” في النظام، من دون أن يتورط في تولي مسؤولية رسمية مكشوفة، ولعل هذا ما دفع عبد الناصر في بداية العام 1970 ـ وفقاً لكثير مما يروجه المراقبون ـ إلى تعيينه وزيراً مسئولاً عن الإعلام ـ على الرغم من اعتراضه ـ مع احتفاظه برئاسة تحرير “الأهرام”.(40)
أما سامي شرف، فيعتقد “أن الصورة السياسية في الستينيات كانت تتميز بوجود جمال عبد الناصر بطلاً كاريزمياً، من جهة وعبد الحكيم عامر وصلاح نصر كتلة تعمل في الجيش والمخابرات من جهة ثانية، ومجموعة الاشتراكيين المتشددين متكونة من الراحل علي صبري والراحل شعراوي جمعه، وسامي شرف، وضياء الدين داوود… من جهة ثالثة، ومحمد حسنين هيكل الذي يعتبر على علاقة شخصية مع عبد الناصر أكثر منها علاقة عامة من جهة رابعة… فهيكل يبدو غريباً في هذه الصورة بدون علاقته مع الرئيس الراحل”.(41)
إننا نستنتج من هذه الرؤى المختلفة أن هيكل كان يحافظ على خصوصية تميزه، حيث كان يشكل ما يمكن تسميته بـ”كتلة ـ فرد” فهو بمفرده يمثل جناحاً بأكمله. اعتمد على صداقة عبد الناصر الشخصية ليستطيع أن يعمل داخل النظام بدون أن يضرب من قبل الآخرين. وإذا استبعدنا موقف الدكتور فؤاد زكريا ـ الناقد بشدة ـ لهيكل وقلصنا من رؤية لطفي الخولي، وهو أحد تلاميذ هيكل، في محاولة الإيحاء بأن هيكل هو الرجل الثاني(42)، فإن رؤية سامي شرف ـ رغم خلافه الكبير مع هيكل الذي أنحاز إلى السادات في مايو 1971 ـ تصبح الأقرب إلى رسم صورة حقيقية لموقع الصحفي داخل منظومة الدولة.
لقد كان هيكل، يمثل قطباً بمفرده، أو ربما بمؤسسة الإعلام الضخمة التي قادها، وكانت علاقته رأسا بعبد الناصر هي مصدر قوته.
بقي أن نلاحظ مع محمد فائق الذي قال: “إن الجميع كانوا وطنيين مخلصين لبلدهم، فلا مجال للقول أن زكريا محي الدين مثلا هو رجل أمريكا، أو كذلك هيكل، أو أن علي صبري هو رجل السوفيات… جميعهم كانوا وطنيين. فقط أن عبد الناصر كان يعطي بعض الأدوار لبعض الأفراد…”.(43)
وأخيراً، يلخص أحمد حمروش الصورة قائلا: “ومهما بلغ الضيق والتوتر والخلاف بين هؤلاء الأعوان، فإن وجود عبد الناصر كان كفيلاً بتهدئة الأمور ولجوء الجميع إليه… وهو زعيم يجيد لعبة التوازن…”.(44)
كان عبد الناصر يمثل صمام الأمان وبرحيله عن الدنيا، يكون صمام الأمان قد رحل معه. ويصبح انفجار الصراع وشيكاً.