هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 10

الفصل الثالث
هيكل – العهد الساداتي :
التحالــــف
يوم 28 سبتمبر 1970 يرحل الرئيس جمال عبد الناصر عن الدنيا تاركا وراءه دولة في حالة حرب، تمر بأدق مراحل وجودها. وكان أنور السادات يشغل خطة نائب رئيس الجمهورية، وهي تخول له رئاسة الدولة مباشرة بمجرد رحيل رئيسها السابق. وكان على عملية الانتقال هذه أن تمر “بسلام”… ويصف سامي شرف ليلة الوفاة قائلاً:
1 ـ الانحياز إلى السادات
“بعد الوفاة وإقرارها من قبل الأطباء، حصل اجتماع في بيت الرئيس الراحل عبد الناصر، تحديداً في الصالون التحتي، وحضره أنور السادات وحسين الشافعي وعلي صبري وشعراوي جمعه، والفريق محمد فوزي ومحمد حسنين هيكل وأنا. ولا أذكر إن كان أمين هويدي معنا أم لا. وتم نقاش سريع، حيث كنا جميعا في حالة ارتباك. وما وقع تناوله كان مجرد رأس موضوع حول ” ماذا بعد؟” وبدون أي تردد وبدون أي نقاش أحادي أو مزايدة، اتفقنا جميعاً على سيادة الشرعية، حتى يضرب المثل للشعب المصري وللأمة العربية وللعالم، أن هناك مؤسسات تركها عبد الناصر قادرة في غيابه أن تسير الأمور وفق ما كان يريد.
وبعد ذلك اتفق على عقد اجتماع مشترك بين اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي ومجلس الوزراء”.(1)
وتتفق هذه الرواية تقريباً مع ما قاله هيكل، حيث ذكر: “وكنا في غرفة الصالون الصغير مجموعة متباينة المواقف والأهداف، لكن مفاجأة ومأساة الرحيل رفعت الكل ـ إنصافا للتاريخ ـ إلى مستوى يستحق التسجيل.
كان هناك السادة أنور السادات وحسين الشافعي وعلي صبري وشعراوي جمعه وسامي شرف ومحمد أحمد واللواء الليثي ناصف وأنا.
وكانت هناك فترة صمت ثقيل، وأحسست أنني أستطيع أن أتكلم. فقد كنت أمام الكل من أقرب الناس إلى جمال عبد الناصر ثم أنني كنت من أبعد الناس عن صراعات السلطة، فالكل يعرف أنني أحصر طموحي كله في إطار مهنتي… وقلت “إن أهم شيء الآن هو الاستمرار وأن نحاول قدر ما نستطيع ملء الفراغ بعده”. ثم قلت : “لابد أن نختار رئيساً يتولى السلطة ـ ولو مؤقتا ـ على الفور. ولابد في اختيار الرئيس أن نتبع قاعدة موضوعة سلفا. فليس الوقت ملائماً لوضع قواعد جديدة ولا هو وقت فتح الباب لصراعات بين الأفراد.
وإذا اتفقنا على ذلك، فإن القاعدة الوحيدة التي اعتقد أنها تحكم موقفنا هي الاحتكام إلى الدستور، والشيء الآخر الذي أراه ضرورياً بعد أن نتصرف خطوة خطوة حتى لا نفتح الباب لمساومات وصفقات قد تكون خطيرة في أثرها، أن جمال عبد الناصر كان يشغل ثلاث مناصب رئيسية: رئاسة الجمهورية، ورئاسة الاتحاد الاشتراكي، ورئاسة الوزارة. وإذا فتحنا ثلاثة أبواب الآن فقد نجد أنفسنا أمام مآزق متشابكة، ولذلك فإنني اقترح أن تكون هناك “خطوة واحدة في الوقت الواحد” وقلت بالإنجليزية “one step at a time”.
وإذن ننتهي من انتخابات رئيس الجمهورية، ثم يجيء دور اختيار رئيس الوزراء، ثم يختار التنظيم السياسي رئيسه “.(2)
وعن رد فعل السادات، لما قاله، يؤكد هيكل “إن أنور السادات استراح لما قلت، وللإنصاف فإن أحداً لم يعارض، كان الكل على مستوى المسؤولية في تلك اللحظة الحرجة”.(3)
وواصل هيكل كلامه باقتراح أن ينتقلوا إلى مكان آخر وأن يعقدوا اجتماعاً مشتركاً للجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي العربي ولمجلس الوزراء، ومن هنا يعلن نبأ رحيل عبد الناصر على الأمة ثم تتخذ القرارات المطلوبة.
وكان قد أعد بيان إعلان الرحيل، واتصل ـ كوزير للإرشاد ـ بأحد كبار المسئولين معه في وزارة الإرشاد ـ وهو الدكتور عبد الملك عودة ـ وطلب إليه أن يوقف إذاعة البرامج العادية في الراديو والتلفزيون وأن تتحول جميع المحطات إلى إذاعة القرآن الكريم.
وقرأ البيان على المجلس المشترك وأقره من فيه، واقترح أنور السادات أن يتوجه هيكل إلى مبنى التلفزيون لإذاعته… لكن هذا الأخير رد قائلا “إنني اقترح أن يتولى أنور السادات بنفسه إذاعة البيان لكي يعرف الناس أن انتقال السلطة قد تم بسلام”.(4)
ووافق الجميع، وقام الرئيس السادات مع هيكل وتركا الاجتماع مستمراً يناقش قضية هامة طرحت من أجل كفالة الاستمرار وهي: “هل يتولى الرئيس المؤقت سلطته لستين يوماً أم نختاره مرشحاً على الفور ونعرض اسمه للاستفتاء العام؟” وكان واضحاً أن الاتجاه الراجح يميل إلى الرأي الثاني من منطق تأكيد الاستمرار. وربما كانت هناك تصورات أخرى.(5)
ويوم الثالث من أكتوبر 1970 كتب للرئيس السادات استقالته من الوزارة، وبعث بها إليه، وحاول السادات ملحا إقناعه بالعدول عنها، وسهرا ليلة حتى قرب الفجر.
كانت وجهة نظره أنه في حاجة إلى هيكل، ثم من ناحية أخرى قال له: “ماذا يقول الرأي العام إذا عرف أن أقرب الناس إلى جمال عبد الناصر استقال بعد ثلاثة أيام من رئاسة السادات”. وكانت وجهة نظر هيكل، أنه موجود تحت تصرفه، وأنه لا يستقيل إلا من الوزارة ولكنه باق في الأهرام، وهناك في حقيقة الأمر مكانه الطبيعي، وأضاف له: ” إنني ألمح من بعيد صراعات سلطة، فإن الكل بدأ يفيق من الصدمة، وفي الأهرام أستطيع أن أكون بعيداً عن الصراعات، ثم إنني من هناك أستطيع ـ أكثر مما أستطيع في الوزارة ـ أن أشارك في حوار الحوادث والتطورات طليق اليد ومتحررا”(6).
وبعد مناقشات امتدت معه ست ساعات طلب منه ـ مادام مصراً على الاستقالة ـ أن يبقى معه حتى يتم الاستفتاء على رئاسته، وهو ما حدث فعلا(7)، حيث بقي في الوزارة إلى ما بعد أيام الاستفتاء على السادات لكي يكون “مشرفاً على إدارة الحملة الانتخابية لرئاسته في وجه تيارات كان لها في ذلك الوقت آراء معاكسة”.(8)
ويعتقد هيكل أنه لعب “دوراً مؤثراً ـ سواء كوزير للإرشاد أو كعضو في مجلس الأمن القومي وقتها، أو كرئيس لتحرير الأهرام ـ في المداولات والمشاورات السياسية التي أدت إلى اختيار السادات رئيساً للجمهورية بعد رحيل جمال عبد الناصر”.(9)
ويعلل هيكل فيما بعد مساندته للرئيس السادات قائلا: “وأظن أيضاً أنني لم أكن غافلاً عن بعض أسباب القصور فيه لكني تصورت أن أعباء المنصب ووقر المسؤولية سوف تقوى كل العناصر الإيجابية في شخصيته، وسوف تساعده في التغلب على جوانب الضعف فيها، كان في ذهني باستمرار نموذج الرئيس الأمريكي هاري ترومان…”.(10)
ثم دفعت هذه المساندة هيكل إلى الانحياز نهائياً إلى صف الرئيس السادات في مواجهة المجموعة ” الاشتراكية ” الأخرى.

2- دوره في أحداث مايو 1971 (11)
لم تكن أحداث مايو 1971 أزمة عادية في تاريخ مصر والوطن العربي، وإنما شكلت منعرجاً حاسماً في تاريخ المنطقة، حيث تحولت مصر من “أقصى اليسار” إلى “أقصى اليمين” ومن معسكر “قوى التحرر والاشتراكية” إلى معسكر “التبعية إلى الولايات المتحدة الأمريكية”.
وحقيقة، يبدو أن لهذه الأحداث جذوراً أكيدة ممتدة في العهد الناصري نفسه، فالصراع بين الكتل تطور بعد رحيل عبد الناصر “صمام الأمان” وانفجر بين خطين أساسيين، الخط الأول يمثله أنور السادات، أما الخط الثاني فتمثله مجموعة “الاشتراكيين” في الحكم.
وفيما يتعلق بحقيقة ما حدث في هذا الشهر (مايو) المصيري، فإن روايات كثيرة تحاول أن تجيب على السؤال، وسنعرض بعضاً منها، مع ضرورة تأكيد ملاحظة جوهرية، وهي أن الشهادات التي جمعناها من رجال عبد الناصر، تمت مؤخرا (أغسطس 1991)، وفي هذا الظرف تصالح هيكل معهم، واقتربوا منه متجاوزين خلافات الماضي، وهو ما سيؤثر بشكل أو بآخر على ما سيقولونه.
يذكر محمد فائق(12): “إن القول بأن أحداث مايو 1971 هي انقسام بين مجموعتين قول خاطئ، لأن هذه المجموعة لم تكن مجموعة واحدة، في حين كان السادات يخطط للابتعاد عن الثورة والانقلاب عليها، وكان يدرك أن هذه المجموعة ستواجهه… وعندما اصطدمت عناصرها به، كانت فرادى، فالبعض معترض على الوحدة مع ليبيا وكانوا ضد توقيتها… إن انقلاب مايو هو انقلاب قصر، فالسادات سجن كل معارضيه، وادعى محاولة انقلابهم، وذلك غير صحيح، لأن الذي حدث، هو أننا عارضنا السادات في توجهاته:
ـ أولا: في الاعتقاد بأن أمريكا في يدها الحل،
ـ ثانيا: في تأجيل المعركة، فالسادات كان يرى بإمكانية تحرير الأرض عن طريق المفاوضات، وكنا نعلم أن هذا أمر مستحيل.
ـ ثالثا: كان يريد حل الاتحاد الاشتراكي، ووضع عناصر جديدة موالية له فيه.
… ويجب أن نلاحظ أن هذه المجموعة لم تكن تعمل في انسجام، أما السادات فهو رجل مناور وقبل أن يقوم بانقلابه حاول كسب بعض الحلفاء مثل محمد حسنين هيكل، الذي أوهمه بأن المجموعة تريد به شراً، وأوهم كل واحد فينا بأن الآخر يتآمر عليه… والمتأكد منه أن هيكل لم يكن يعلم أن السادات سينحرف كل هذا الانحراف، ولا اعتقد أن هيكل كان يتصور إمكانية حدوث ثورة مضادة ضد عبد الناصر والناصرية”.(13)
أما ضياء الدين داوود(14) فيشرح الأحداث كالتالي: “ولما جاءت أحداث مايو 1971، بدأت هذه الخلافات تطفح على السطح، فإذا انتصرت مجموعة مايو وسيطرت على السادات، فذلك كان سيشكل خطراً بالنسبة لهيكل، ومن ثمة كان أقرب إلى السادات، وقال البعض، أو هو قال أنه مهندس هذه الأحداث، تقديراً منه أن هذا قد يفتح له باباً أوسع للتأثير على الرئيس.
وفي رأيي، وقعنا في خطأ مشترك، وهو تصور المدى الذي قد يصل إليه السادات. وطبعاً هيكل رجل ذكي، وبالضرورة كان لديه بعض الملامح من شخصية السادات، لكن لا أعتقد أنه ظن أن السادات سيصل إلى ما وصل إليه في الانقلاب على عبد الناصر ومنجزات الثورة”.(15)
متى وكيف انحاز هيكل إلى السادات في أحداث مايو 1971؟
سامي شرف(16) يشرح هذه النقطة قائلا: “حتى آخر لحظة كان من الصعب أن نحدد موقع محمد حسنين هيكل، لغاية الفترة الممتدة من 20 ابريل إلى 15 مايو 1971، حيث تأكد لي شخصياً ذلك. ففي يوم 19 أو 20 ابريل كنت والراحل شعراوي جمعة (وزير الداخلية) في مكتب هيكل، الذي طرح موضوعاً قال في آخره “أنت رئيس الوزراء القادم يا شعراوي”. أنا فوجئت بهذا الخبر، بينما سعد به شعراوي، وعندما خرجنا من عند هيكل قلت له “إيه الكلام ده يا شعراوي، هو هيكل حيعينك أنت رئيس الوزراء!” لكنه سكت، وفي اليوم الموالي قابلته وقلت له ” لقد فكرت طوال البارحة، واستنتجت أن هناك عملية “تخدير” لك، ذلك أن هيكل رشح الدكتور فوزي لرئاسة الوزارة وأصر على تعيينه بعد وفاة عبد الناصر، علما أن الدكتور فوزي ليس كما قدمه هيكل من خلال كتاباته. كما استخدم هيكل أحد الصحفيين في جريدة “الأهرام” واسمه عبدو مباشر، وكان مراسلاً حربياً ومندوب “الأهرام” في الدوائر العسكرية. وكان له مكتباً في مبنى المخابرات العسكرية، وكانت علاقته بالفريق محمد صادق قوية، حيث كان يقوم له بدعاية صحفية…
ولما انتقل الفريق صادق إلى رئاسة الأركان، انتقل معه عبدو مباشر. ومن خلال هذه العلاقة ربطت الخيوط بين هيكل والفريق صادق، ولم نكن نتابعها، وبعدما دخلنا السجن عرفنا أن علاقة قوية كانت بينهما…
واعتقد، أن أهم دور قام به هيكل في انقلاب مايو 1971 تمثل في تخدير شعراوي جمعه، حيث لم يكن على المسرح سواه، فعلاقته بعلي صبري كانت سيئة، وحسين الشافعي والفريق محمد فوزي كان أمرهما محسوماً كخصوم لهيكل والسادات، وهو يعلم أن شعراوي وسامي قريبان من بعض، وإلى حد وفاته رفض شعراوي الحديث في هذه النقطة الغامضة، ولم أكن أقدر أن أجبره على الكلام…”.(17)
وكان الصراع بين هيكل ومجموعة ” الاشتراكيين ” بدأ منذ كتب مقاليه في الأهرام. الأول “تحية إلى الرجال” والثاني “عبد الناصر ليس أسطورة”. وحول المقال الأول يعتقد سامي شرف أن هيكل كان “في داخله متخوفاً من الحرب، هذا الخوف قاده أن يترجم هذا الإحساس إلى تعبير قدمه للرأي العام. والرجل صحفي يكتب، وكان دائما يحذر وينبه إلى عدم الاستعداد الكامل، وإلى صعوبة المعركة، ونحن كمؤسسة رئاسة ومؤسسة عسكرية قررنا الحرب، ولا يهمنا أن نترك مثل هذا الحديث ينشر، فربما يضلل العدو، لكن ما يهمنا هو أن لا تهتز الروح المعنوية للمقاتل، هنا نقول له: قف، لا تتجاوز حدودك وهذا باختصار ما كان عليه تفكيرنا”.
أما المقال الثاني المتعلق “بعبد الناصر ليس أسطورة “، فاعتقد أن هيكل له حق في جانب من القضية وليس له حق في الجانب الآخر.
له حق عندما يقول أن عبد الناصر ليس أسطورة، بمعنى أنه لم يكن إلآهاً أو شيئاً يعبد، ونحن نسيء إلى عبد الناصر إذا اعتبرناه صنماً معبوداً… فالرجل كان إنسان يخطئ ويصيب… ولكن بعض الأخوة أخذوا الموضوع من زاوية عاطفية فاعتبروا أن هيكل يريد أن “يغير جلده”، وحقيقة لم يكن ذلك صحيحاً، وهذا ليس دفاعاً عن هيكل “.(18)
والمتأكد منه، أن هذين المقالين كانا لهما دور كبير في “فرز قوى الصراع ” ويروي عبد الله إمام(19) ما حدث من ردود أفعال قائلا: “كان هذا المقال “عبد الناصر ليس أسطورة” موضع مناقشة في أول اجتماع للجنة العليا بعد الأربعين عندما أعد الدكتور لبيب شقير مذكرة عرضها على اللجنة برأيه فيما كتبه هيكل وناقشها أعضاء اللجنة ووافقوا على ما جاء فيها… فيما عدا الدكتور محمود فوزي الذي آثر الصمت ولم يبد رأياً لا مع هيكل ولا ضده. وأجل السادات المناقشة إلى جلسة تالية، وهي الجلسة التي حضرها هيكل وواجهه د. لبيب شقير برأي اللجنة وقال هيكل: هل تعني أنني خائن… وقال د. لبيب شقير: لماذا تصل الأمور إلى هذا الحد، لا أحد يتهمك بالخيانة، ولكننا نرى أن في المقال إشارة للبدء في الهجوم على تجربة عبد الناصر في وقت نحتاج فيه إلى تضافر كل الجهود وعدم جذب الناس إلى معارك جانبية… إننا في مجال تحديد المواقف.
وخرج هيكل، وتكلم حسين شافعي (نائب الرئيس) فهاجم هيكل هجوماً شديداً.
وسأل ضياء الدين داوود، هل يعتبر هيكل المتحدث الرسمي باسم الدولة وأن ما يكتبه يعبر عنها…
ورد السادات بأن الأهرام جريدة واسعة الانتشار ويمكن أن نوحي إليها بما نريد، أما ما يكتبه هيكل فهو اجتهاد شخصي…”.(20)
كما كتب مقالاً في مارس 1971 بعنوان “تحية إلى الرجال” وعدد فيه المخاطر التي يمكن أن يواجهها المقاتل المصري أثناء عبور السويس.
ويقول ضياء الدين داوود، “إنني عندما قرأت مقال هيكل وجدته دعوة إلى اليأس في وقت نطلب فيه رفع الروح المعنوية ونحن نستعد للحرب… وذهبت إلى أنور السادات وقلت له رأيي، فقال أنه قرأ المقال ولم يأخذ منه هذا الانطباع، وأنه لذلك سوف يعيد قراءة المقال.
ورأينا أن نرد على المقال في جريدة “الجمهورية” التي كان يشرف عليها فتحي غانم أحد المسئولين في التنظيم الطليعي، وكتب عبد الهادي ناصف عضو اللجنة المركزية ومسئول في التثقيف فيها مقالا تحت عنوان “تحية مردودة من الرجال إلى الأستاذ هيكل”…”(21).
ويرد هيكل على هذا الاتهام بقوله: “إنني كتبت هذا المقال في أعقاب رحلة إلى أوروبا تكشف لي خلالها معلومات وثيقة عن خطة العدو في مقابلة أي هجوم نقوم به نحن، وكانت هذه الخطة هي موضوع المقال في الواقع. لقد اعتقدت – ومازلت اعتقد – أن نشر هذا المقال كان خدمة وطنية، فأي شيء أنفع لجيش وشعب يقفان على أبواب معركة من أن تكون أمامهما صورة واضحة لأوضاع الطرف الآخر في مواجهة السلاح…
إن الادعاء بأن ما جاء في المقال مثبط للروح المعنوية لا يمكن أن يكون صحيحاً لأن الشعوب المناضلة تحتاج إلى الحقيقة أكثر مما تحتاج إلى شيء آخر لأن معرفتها بالحقيقة هي التي تمكنها من حشد الطاقات اللازمة لمواجهتها”.(22)
أما تفاصيل أحداث مايو 1971، فإن راوية هيكل لها تقول: “لقد تفجر ذلك الصراع على السلطة في جلسة عقدتها اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي العربي يوم 21 ابريل. ويومها شن علي صبري، (نائب رئيس الجمهورية) ـ وهو واحد من أعنف مهاجمي السادات ـ هجوماً عنيفاً على مشروع وحدة مقترح بين مصر وسوريا وليبيا، ولم يكن الخلاف على مشروع الوحدة ـ في الواقع ـ إلا غطاء للخلافات الحقيقية حول السلطة. كان السادات يبدو متحمساً للمشروع، وفي نيته أن تغيير شكل الدولة سوف يعطيه الفرصة لإعادة تكوين مؤسسات السلطة، كاللجنة المركزية ومجلس الأمة.
وكانت الأغلبية الساحقة في هاتين المؤسستين لمجموعة مراكز القوى التي تسيطر على الاتحاد الاشتراكي.
ومن جانبهم، فإنهم استطاعوا استكشاف نواياه الدفينة، وبالتالي فقد عارضوا المشروع، ليس كرهاً في الوحدة، ولكن إبقاءاً على ما هو قائم في مؤسسات الحكم.
وهكذا تفجر الصراع في تلك الجلسة من جلسات اللجنة المركزية، وكانت الأغلبية كلها على الجانب الآخر.
ولقد ارتفعت ثلاثة أيدي فقط عند الاقتراع على المشروع، بينما كان باقي الأعضاء – أكثر من ثلاثمائة يقفون مع الجانب الآخر، وبدا أن انقساماً عميقاً قد وقع، وجاء اقتراح برفع جلسة اللجنة المركزية وعقد اجتماع طارئ وعاجل للجنة التنفيذية العليا لم يسفر هو الآخر عن شيء إلا تكريس الانقسام. وكان معروفاً أن الفريق “محمد فوزي” وزير الحربية يقف مع الجانب الآخر، أي مع المعسكر الذي يضم خصوم السادات”.(23)
ويضيف هيكل: “ولكن الليلة التي كانت حاسمة في الصراع كله هي ليلة 11 مايو 1971. ففي تلك الليلة وصل إلى بيت أنور السادات بعد منتصف الليل ضابط بوليس يعمل في إدارة الرقابة على التليفونات بوزارة الداخلية، وكان يحمل معه مجموعة من الأشرطة المسجلة تكشف بوضوح أن كل تليفونات الرئيس كانت مراقبة… ولم يكن تليفونه هو تحت الرقابة، ولكن الرقابة وضعت تليفونات جميع الذين يتصل بهم بغير استثناء، وبالتالي فقد كان هو تحت الرقابة الكاملة وإن لم يوضع تليفونه هو بالتحديد في كشف المراقبات.
وفي صباح يوم 11 مايو أرسل إلي ابنته الكبرى في بيتي القريب من بيته يستدعيني لأمر هام.
ودهشت أنه لم يستعمل التليفون في دعوتي وأنه أرسل ابنته الكبرى لاستدعائي في هذا الوقت الباكر من الصباح، وذهبت إليه… وسألته مندهشاً عما يجري، وكان رده: “اجلس واسمع” وجلست وسمعت وأحسست بخطورة الموقف، واقترحت عليه أن يشرك معنا في السر الدكتور محمود فوزي رئيس الوزراء في ذلك الوقت…
ولم يكن هناك وقت، فقد كان مقرراً في ذلك اليوم أن يمر الفريق “فوزي” على الرئيس “السادات” لكي يصحبه إلى اجتماع مع قيادة القوات المسلحة… ونصحته بأن يذهب إلى اجتماعه مع الفريق فوزي، وأن يحضر اجتماع قادة القوات المسلحة كما كان مقرراً، كما نصحته أيضا أن ينتهز فرصة يتأكد فيها من موقف الفريق محمد صادق رئيس أركان حرب القوات المسلحة، واتفقنا على لقاء مساء ذلك اليوم نعاود فيه بحث الأمر على أن يشترك معنا في البحث الدكتور فوزي”.(24)
وحول دور القوات المسلحة في أي أحداث قد تقع، ذكر هيكل: “كان واضحاً لي، كما كان واضحاً للكل، أن موقف القوات المسلحة في هذا الصراع سوف يكون هو الموقف الحاسم، وكنت أتصور أنه لو أرادت مجموعة مراكز القوى أن تتحرك ضد رئيس الجمهورية، فليس أمامها إلا القوات المسلحة تستغلها، أما باستعمالها مباشرة أو تحييدها تماماً من الصراع”.(25)
ويضيف: “ولقد أحسست بأول نذير ينبئ بالاحتمالات القادمة حينما همس الفريق محمد صادق في أذني مرة أثناء لقائي معه ” قل لهذا الرجل أن يصحو من نومه وأن يأخذ حذره، وعلى اثر هذه الملاحظة العابرة فإن نصيحتي للرئيس السادات كانت أن يبقي خطوطه مع الفريق صادق مفتوحة وأن يحاول شخصياً أن يتأكد من موقف اللواء الليثي ناصف قائد الحرس الجمهوري… وهكذا فإن اتصالاً مباشراً بين رئيس الجمهورية وقائد الحرس بدا لي ضرورياً وهكذا كانت نصيحتي له، وهكذا فعل “.(26)
“كان أنور السادات – وإلى اللحظة الأخيرة – تحت الانطباع بأن الفريق صادق أقرب إلى مجموعة مراكز القوى منه إليه، وكانت تأكيداتي له تلك الليلة بناء على ما كنت أسمعه من الفريق صادق في عدة لقاءات سابقة، أن الأمر ليس كذلك وفي تلك اللحظات الحرجة مساء يوم 13 مايو، لم يكن للسادات وقت طويل للتردد وهكذا فإنه اتصل بالفريق صادق تلفونياً وسأله عن الموقف وطمأنه الفريق صادق وأخطره السادات بالتلفون بأنه عينه وزيرا للحربية”.(27)
وسبق هذا الإجراء بساعات حدوث استقالة جماعية قدمتها مجموعة مايو (شعراوي جمعة، سامي شرف، ضياء الدين داوود، محمد فائق والفريق أول محمد فوزي)، وتحركت قوات الحرس الجمهوري بقيادة الليثي ناصف والمخابرات العسكرية واعتقلتهم جميعاً وحوكموا.
وعندما أراد السادات أن يقدم خطاباً للمواطنين يشرح فيها ظروف الأحداث وطبيعتها، قال له هيكل: “إنني أتصور أن القضية المركزية فيما يتعلق بهذا الصراع هي قضية الديمقراطية، فهي القضية التي تهم الناس مباشرة في هذه الظروف، إن الناس يريدون أن يسمعوه وهو يؤكد لهم ضمانات حرياتهم. لقد افلتوا بالكاد من شبح دكتاتورية كان يمكن أن تصل في تجاوزاتها إلى بعيد”.(28)
ويرى أحمد حمروش، أن “هيكل كان في الصدام المنتظر بين أنور السادات ومجموعة مايو يزن الأمور بميزان خاص… فهو لم يكن يعلم ـ عن يقين ـ من الذي سينتصر في الصراع… ولم يكن واثقاً أي من الطرفين يمكن أن يكون أكثر تعبيراً عن أفكاره… وكانت حركته ـ فيما فهمت ـ مرتبطة بأمنه وحريته وقدرته على التعبير، ويخطئ من يتصور أن العلاقة بين هيكل وأفراد هذه المجموعة كانت سيئة إلى حد الصدام… شعراوي جمعة وزير الداخلية وأمين التنظيم كان يتصل به كل صباح.
وكان أفراد المجموعة يريدون أن يكون هيكل أكثر ارتباطاً بهم.
يقول محمد حسنين هيكل: “إنه بعد الاجتماع الذي عقد في الليلة السابقة لتشييع جنازة جمال عبد الناصر لما يمكن أن يحدثه ذلك من ردود فعل عنيفة حول السعي من أجل السلطة… وانفعل وقتها سامي شرف وقال محتجاً على رغبة هيكل في الاستقالة ” أما أن نبقى جميعاً أو نخرج جميعاً “…
فلم تكن مجموعة مايو ـ إن صحت التسمية ـ على عداء مع هيكل في ذلك الوقت”.(29)
ويستنتج سامي شرف من أحداث مايو 1971، “أن محمد حسنين هيكل كان يخاف من الرجال الأقوياء القريبين من عبد الناصر مثل علي صبري وشعراوي جمعة وسامي شرف، فحاول أن يبرز آخرين، شخصياتهم باهتة من نوع الدكتور محمود فوزي”.(30)
ورغم ذلك “لا اعتقد أنه مهندس أحداث مايو 1971 كما أعلن”(31).
بعد الاطلاع على هذه الروايات المختلفة، بما فيها رواية هيكل لأحداث مايو 1971 يمكن أن نصل إلى بعض الاستنتاجات :
أولاً : لم يكن هيكل في قطيعة حادة مع رجال مايو، وإنما كان أمنه الشخصي من الدوافع التي جعلته لا يتحالف معها، خاصة وقد وصلته مؤشرات ـ وهو رجل معلومات متقدم ـ تقول أنهم في خانة الخسارة.
ثانياً: اقترب وتحالف مع السادات، لأن المجموعة الأخرى كانت له خلافات معها ترجع إلى عهد عبد الناصر نفسه.
ثالثاً: تعود هيكل طيلة ثمانية عشر عاماً أن يكون في موقع القريب من الرئيس، بدون وزارة، وهو اليوم لا يستطيع إلا أن يكون كذلك.
رابعاً: دوره في أحداث مايو تمثل في “تخدير” شعراوي جمعة حسب رواية سامي شرف.
خامساً: وتمثل أيضاً في ربط علاقة مع الفريق محمد صادق رئيس أركان حرب القوات المسلحة، وهي رواية هيكل نفسه وكذلك رواية سامي شرف.
سادساً: كان له دور في إعطاء فلسفة خاصة للأحداث، وهي الدفاع عن الديمقراطية ضد دكتاتورية “مجموعة مايو”.

3- تغطية أحداث مايو صحفياً
بعد أن أدى هيكل أدواره التي حددها لنفسه في أحداث مايو 1971. شن حملة صحفية دعائية ضد مجموعة مايو لصالح الرئيس “المنتصر” أنور السادات، قال فيها ومنذ الأسبوع الأول من الأحداث:
“والغريب أنني كنت آخر واحد يحق له أن يفاجأ، ذلك أنني تعرضت، منذ 28 سبتمبر الماضي، و حتى 15 مايو الأخير، إلى تجربة عنيفة، أرد نفسي عن الكلام في تفاصيلها الآن.
كانت المحاولة معي، تستهدف إلى خنق صوتي، وإلى تشويه ما أقول، وإلى حصاري، ثم أسري بعد ذلك، أو ما هو أشد من الأسر.
كانت الظروف قد أتاحت لي أن أعرف قسطاً أكبر من الحقيقة. وكانت الحقيقة هي المستهدفة… والحق بعدها.
ولقد حاولت كل جهدي أن أقف، وأن لا ألتفت ورائي، رغم أنني كنت أعرف ـ وذلك أكدته الأدلة فيما بعد ـ أن كل شيء من حولي كان مراقباً… تليفوني، وبيتي، ومكتبي ومقابلاتي، وتحركاني.
والغريب أنني كنت أحاول، مع ذلك كله، أن أقوم بدوري في المسئولية الوطنية، في ظرف يجعل من كل وطني… مسئولاً مهما قلت حيلته وزاد عذابه”.
ثم أضاف “ولقد عشت لحظة التفجير… ومن حسن الحظ أن التدمير لم يقع، وتلك شهادة تاريخية لأنور السادات، وشجاعته الأدبية والمادية، في لحظات بالغة الصعوبة والخطر، كما أنها شهادة حضارية لشعب مصر الذي استوعب كل ما جرى وسار عليه، وانتصر بغير طلقة رصاص واحدة وبغير نقطة دم واحدة. وفي غير مصر، فإن ما حدث، كان يمكن له أن يتحول إلى حريق، وإلى حمام دم! ولقد كنت أول من دعاه الرئيس أنور السادات إلى بيته صباح يوم الأربعاء 12 مايو.
ولم يستدعني الرئيس بالتليفون، كما تعود أن يفعل ولكنه بعث إلى بكريمته تدق باب بيتي في الصباح الباكر، وتقول أن والدها يريدني للقائه فوراً. لم يكن رئيس الجمهورية واثقاً أنه يستطيع الحديث بأمان في التليفون مع صديق يدعوه إلى بيته.
وأحسست بأن شيئاً وقع…. أو هو على وشك أن يقع، خصوصاً، وقد كنت على وعي بأن العاصفة تتجمع، وأنها على وشك الهبوب كرياح الخماسين المقبضة والخانقة والمظلمة.
وذهبت إلى بيت أنور السادات في تلك الساعة من الصباح الباكر، وإذا بي أسمع القصة المذهلة لزائره المجهول في الليل، حامل الأشرطة، من غرفة التسجيلات في وزارة الداخلية. واستمعت، واستمعت، واستمعــت، حتى أصبت بالغثيان !
كان يجب أن لا أفاجأ… ومع ذلك فوجئت. ليس إلى هذه الدرجة….. وليس بهذا الثمن!
تلك كلها في الأعماق كانت صرخات أسى، لكنها الآن بلا فائدة، لا تدفع شراً، ولا تقي من خطر.
ولم يهتز أنور السادات كقائد، ولكنه كان متأثراً كإنسان، وكان قوله في تلك اللحظات، وهو بعد على مقعده الذي استمع فيه إلى القصة المذهلة، التي تتحدث بها الشرائط المسجلة، التي جاءته بالصدفة المحضة، وبوازع الضمير وحده، في قلب إنسان وطني، أحس في موقعه أنه مسئول.
كان في مقعده لم يبرحه منذ ساعات… مضى الليل، وطلع الفجر، وظهر الصبح، وهو جالس يتأمل و يفكر.
وكان قوله وأنا جالس أمامه:
– “إنك تعرف كل ما فعلت معهم.
لقد أعطيتهم ثقتي، ولم أسمع فيهم أحداً، وتركت لهم الفرصة كاملـة، وكنت أحاول تقديمهم للصدارة، في إطار الشرعية، لكي يكبروا بطريقة طبيعية.
لقد جاء البعض ولامني لأني تركت في يدهم كل مفاتيح القوة. وزارة الحربية، وزارة الداخلية، وزارة شئون رياسة الجمهورية، وزارة الإعلام، المخابرات العامة، التنظيم السياسي. كل شيء كان في يدهم. لقد قلت للذين لاموني: إنني لا أبدأ بتخوين أحد…. وأنا أعطي ثقتي كاملة، أو أسحبها كاملة.
كانوا في خدمة جمال عبد الناصر، وكان ذلك يكفيني، رغم علمي برأيه في بعض تصرفاتهم، لكنه كان دائماً يضعهم في حجم معين لا يتجاوزونه. كانوا في خدمة جمال عبد الناصر، وأردتهم للاستمرار على طريقه.
وكانوا في حياته مجرد أدوات و إن كانوا في فترة انشغاله بالمعركة، وفى ظروف مرضه، قد تجاوزوا دور مجرد الأدوات.
قلت ليكن… سوف أفتح صفحة جديدة، وسوف أعطيهم الثقة والفرصة، لكي يتقدموا، ويثبتوا أنفسهم أمام الناس.
واستطرد الرئيس السادات، وأنا جالس أمامه صامت بالكلمات، ممزق بالانفعالات:
” ـ أنت كنت تتابع ما يجري، و أنت حضرت موضوع الاتحاد بين مصر وليبيا وسوريا منذ بدايته مع جمال عبد الناصر، ولقد جئت بوثائقك معك في اجتماع اللجنة التنفيذية العليا، وحاولت أن تشرح أمامهم وقائع التاريخ، ولكنهم لم يسمعوك.
إن الموضوع لم يكن موضوع الاتحاد.
إن الاتحاد كان مجرد فرصة أرادوا انتهازها لصراع السلطة ولفرض الوصاية، وللاستبداد بمصير الوطن.
جاءوا إلى اللجنة المركزية بربطة الرفض أولاً… ثم جاءوا بعد ذلك بربطة القبول بغير مناقشة، وكان الهدف مجرد استعراض قوة.
لماذا ؟.. ومن أجل ماذا ؟
قلت لهم إنني سأذهب إلى الشعب مباشرة وأحتكم إليه، وهذه الأشرطة أمامنا، تروى كيف حوصرت الإذاعة، وكيف رتبت أمورها من الخارج والداخل، لمنعي من الوصول إلى حيث أستطيع أن أتحدث إلى الشعب”.
واستطرد الرئيس السادات:
– “تذكر أنك جئتني مرة وأنا في القناطر، وسألتني متحيراً :على أي شيء أقيم حساباتي في الموقف المبدئي الذي قررته لنفسي.
قلت لي يومها: إن بينهم وزير الحربية، وبينهم وزير الداخلية، وبينهم وزير شئون رياسة الجمهورية، وبينهم وزير الإرشاد، وبينهم مدير المخابرات العامة، وبينهم القائمون على شئون التنظيم..
يومها سألتني :
– “من معك أنت، وعلى أي أساس تجرى حساباتك فيما يدفعون إليه من مواجهة”. يومها قلت لك :
– “معي الله، ومعي الشعب”.
إنني أحسست يومها أنك نظرت إلى بدهشة، مع أنك حاولت أن تخفيها، و لعلك لولا الحياء، كنت على وشك أن تسألني :
– “أليس هناك شيء آخر؟”. إنني أحسست بدهشتك، لعلك تذكر أنني قلت لك :
– “ليس معي شيء آخر… وما معي يكفي، وكنت أدعو من قلبي أن تعود العقول إلى الرؤوس”.(32)
ثم دافع عن السادات مستنجدا بذكرى عبد الناصر في هجومه على رجال مايو قائلا : ” واستطرد الرئيس أنور السادات :
“هل تذكر مرة أخرى تحدثت إليك بالتليفون في بيتك، وأنا أعلم أن تليفونك وتليفوني تحت الرقابة، وقلت لك وقصدت أن يسمعوا وأن يعرفوا وأن يتدبروا :
ـ إن آخر وصية تركها لي جمال عبد الناصر هي قوله مرة قبل رحيله بأسابيع قليلة وكان قوله مفاجأة لم أتوقعها:
“أنور… كل ما أخشاه أن يجيء بعدي من يذل هذا الشعب، إن هناك تركيزاً في السلطة فرضته ظروف الحرب ظروف التطور، و كان أملي بعد بيان 30 مارس أن تتغير الأوضاع ولكن الأحوال يومها لم تهيأ لي ما كنت أتمنى.. كنا خارجين من أزمة سلطة في أعقاب حرب سنة 1967 وما كشفت بعدها من مخبآت ولم يكن في وسعي أن أمشى الشوط كله وإلا لأحدثت في البلد هزة كبيرة في أيام عصيبة وعلى أي حال، فإنني قلت لنفسي بعد الحرب لابد من ثورة ثقافية عميقة في مصر وقد لا أعيش حتى أرى هذا اليوم ولكن وصيتي لك أن لا تجعل أحداً يذل هذا البلد”. يومها قلت لجمال عبد الناصر :
ـ كيف تقول لي هذا الكلام… إنك سوف تعيش بإذن الله بعدي وسوف تضعني بيدك في قبري وترعى أولادي بعدي وأنا لهذا مطمئن مستريح … ثم إنك سوف تفعل كل ما تشعر أنه واجب عليك أن تفعله”.
والغريب بعد ذلك أن جمال عبد الناصر لم يسكت وإنما عاد يقول :
– لا أريد لأحد أن يذل هذا البلد من بعدي… هذا ما يؤرقني”. واستطرد أنور السادات وهو يتنهد من أعماق الأعماق :
“قلت لك في التليفون يومها بعد أن رويت لك حديث عبد الناصر أو قصته إنهم برغم كل ما أعطيت وتركت لهم ما يريدون أن يكونوا ولاة يتصرفون في كل الأقدار وهذا ما لن أسمح به “.(33)
كذلك كتب هيكل مضيفاً: “وعاد أنور السادات من المواقع الأمامية. ولقيته بعد عودته ثم ظللت على اتصال به حتى رأيته خلال الساعة الحاسمة في تاريخ مصر الحديث، ما بين الحادية عشرة من مساء يوم الخميس إلى الساعة الثانية عشرة، وبعدها إلى الصباح.
كانت الاستقالات الجماعية قد أعلنت في الإذاعة قبل أن تصل إليه بهدف إحداث انهيار دستوري وكانت الأوامر قد صدرت إلى بعض عناصر التنظيم السري أن تخرج إلى الشارع، وكان تصور وزير الحربية السابق أنه في هذه الحالة يستطيع أن يتذرع بانفجار في الجبهة الداخلية.
كان أنور السادات في هذه الساعة الحاسمة من التاريخ هائلاً بأكثر مما يستطيع أن يتصور أو يصف أحد. كانت قراراته لمواجهة التطورات المفاجئة… مزيجاً مدهشاً من الهدوء والحسم “.(34)
وختم مقاله الشهير هذا بانتقاد حاد لرفاق عبد الناصر الذين يعتقدون أنهم سيكتسبون شرعية فقط من خلال ذكراه أو علاقتهم به ذات يوم : “إن جمال عبد الناصر ليس له خلفاء ولا صحابة، يتقدمون باسمه أو يفسرون نيابة عنه. لقد كان له زملاء وأصدقاء، وقيمة ما تعلموه عنه، مرهونة بما يظهر من تصرفاتهم على أن تكون محسوبة عليهم، دون أن يرتد حسابهم عليه.
إن خلفاء جمال عبد الناصر وصحابته الحقيقيين هم كل الشعب، وليسوا بعض الأفراد وهم كل قوى التطور والتقدم، وليسوا بعض المجموعات، وهم كل المستعدين لأن يعطوا باسم عبد الناصر، وليسوا كل الذين يمكن أن يأخذوا باسمه.
وأكاد أقول أن تأثير جمال عبد الناصر فيمن لا يعرفهم شخصياً، أعمق منه فيمن عرفهم شخصياً، ذلك لأن الذين لم يعرفهم كان استيعابهم لفكره خالصاً، وأما الذين عرفهم، فإن استيعابهم لفكره ربما كان مشوباً ـ في بعض الأوقات وفى بعض الظروف ـ بمطامعهم الذاتية، وهذا مفهوم، لأن الطبيعة البشرية لها أحوالها ونزعاتها.
ولقد يستطيع زملاء وأصدقاء جمال عبد الناصر إن يرووا عنه، ولكن ذلك كله يدخل من باب التاريخ، دون أن يكون جوازاً إلى باب المستقبل.
وأريد أن أكون واضحاً.
إنني مع الذين يؤمنون بأن علم التاريخ هو علم فهم المستقبل، باعتبار أن التاريخ هو وعاء التجربة الإنسانية.
ولكن هناك فارقاً كبيراً بين حالتين :
حالة التاريخ كعلم لفهم المستقبل.
وحالة التاريخ كفن للتحكم في المستقبل !
الحالة الأولى مقبولة، بل ومطلوبة، على أن لا تكون امتيازاً لأحد، وإنما يشارك فيها كل الذين رأوا منه وسمعوا عنه، حتى ولو كان لقاؤهم معه دقائق و ثواني.
والحالة الثانية غير مقبولة، بل وهي مرفوضة لأنها تحمل شبهة تحويل ذكرى جمال عبد الناصر إلى كهنوت، والكهنوت له كهنة، والكهنة لهم حجاب، والحجاب لهم حراس، والحراس وراء أسوار، والشعب خارج الأسوار ينتظر الوحي… وهذا كله أبعد الأشياء عن جمال عبد الناصر وشخصيته وطبيعته ثم هو أكثر ما يكون تصادماً مع معتقداته الأساسية”.(35)
وبعد أسبوع آخر، كتب مقالا جديدا تحت عنوان (السؤال الأول والسؤال الأكبر) كرر فيه نفس أطروحته من أحداث مايو وقال فيه: “كيف نستطيع أن نخلق الظروف التي يمكن أن تحول دون تكرار الكابوس المخيف الذي رزح على كاهل مصر طوال الشهور الأخيرة الماضية، حتى استفاق منه شعبها وقلبه يدق بعنف وأنور السادات يهزه برفق ليقول له:
ـ لقد سقط سلاطين الظلام، وتبددت أشباح الخوف، ونحن الآن على الطريق، وعلى المسيرة، وأمامنا المعركة، والبناء الاجتماعي والاقتصادي، والأمل، والنصر”. هذا هو السؤال !”.(36)
ثم كتب أيضاً: “وكان أنور السادات يتصرف على سجيته… سجية مصري أصيل مفتوح القلب والعقل معاً ولم يكن ـ للإنصاف ـ يشعر بالتراكمات التي تحدثها تصرفاته على السجية.
كان مطلوباً وضعه تحت الوصاية.
ولم يكن الرجل مستعداً لذلك… بل أغرب من ذلك أنه لم يشعر من جانبه بأية حساسية وكان لا يزال يعطي ثقته لم يسحب منها شيئاً.
ومع بداية سنة 1971 دخلت المسائل في طور كان محققاً أن يؤدي إلى كارثة. بدأت عناصر في الاتحاد الاشتراكي تعبئ ضده، وكان ذلك سهلاً بسبب سرية التنظيم الطليعي الذي أقيم في قلب الاتحاد الاشتراكي وبسبب الشلل التي تكومت في وسط السرية. كانت السرية تسمح لثلاثة أو أربعة على قمة التنظيم بأن يوجهوا على النحو الذي يريدون. كانت “الشلل” المكومة والمسربلة بغموض السرية تحدث خلطاً بين الحركة العامة للتنظيم السياسي وبين المخطط المقصود والمدبر والمتناقض في الحقيقة مع أهداف هذا التنظيم السياسي”.(37)
كذلك ختم مقاله بالحديث عن معجزة: “ولقد حدثت المعجزة في المرة الثانية التي استفقنا الآن من هولها بسبب أن مواطناً تحرك ضميره فذهب بأشرطته في الليل إلى رئيس الجمهورية يضع الحقيقة تحت تصرفه. ثم كانت بعد ذلك شجاعة رجل في موقع المسئولية الأولى تصرف بجرأة نادرة في لحظات خطر محيق. ليكن… وليكن أن مصر هي كنانة الله يحميها من كل سوء. ولكن السؤال :
ـ كيف نستطيع نحن أيضاً أن نحمي مصر؟.. كيف تستطيع جماهير مصر أن تحمي مصر باعتبارها صاحبة مصر؟
هذا هو السؤال. ولقد أجاب عليه أنور السادات بإشارات هامة إلى: بناء الدولة الحديثة، بمؤسساتها السياسية والدستورية والعلمية والفكرية، بسلطة تحالف قوى الشعب العامل، بالحوار المفتوح على أساس كل القيم العظيمة التي تتمثل في وثائق الثورة الأساسية. وهى ميثاق سنة 1962 وبيان 30 مارس 1968، وبجهد كل الرجال والنساء والشباب وحتى الأطفال في هذا الوطن الذي يقف اليوم على الخط الأول لجبهة أمته العربية في مشهد من المشاهد الحاسمة في التاريخ. هذا هو التحدي… بعد السؤال‏”.(38)
وبعد مدة من الزمن عاد وكتب مقاله (الخطوة الضرورية) حيث جاء فيه: “ثم جاءت بعد ذلك ولاية أنور السادات التي مرت خلال أربعة عشر شهراً بثلاث مراحل:
ـ مرحلة انتقال في موقع السلطة بين 28 سبتمبر 1970 و14 مايو 1971 وكان أنور السادات فيها رئيساً شرعياً.
ـ ومرحلة تأكيد لموضع السلطة بين 14 مايو 1971 و11 نوفمبر الأخير حين ألقى خطابه في افتتاح مجلس الشعب الجديد وكان أنور السادات فيها رئيساً شرعياً وفعلياً.
ـ ثم بدأت المرحلة الثالثة بقرار الحسم وبكل السلطة والمسئولية معاً، وهذه المرحلة هي التي ستجعل من أنور السادات ـ بإذن الله ـ قائداً تاريخياً لشعبه وأمته…
لأن القيادة التاريخية مرتبة أعلى بكثير من الرئاسة مهما كان وصفها. الأمة والرجل إذن أمام التحدي الأكبر والأخطر معاً. الأمة بكل المخزون من طاقتها… والرجل بكل سلطة ومسئولية اتخاذ القرار…”.(39)
وعاد مرة أخرى، وكتب “إن قيادة أنور السادات، على طريق جمال عبد الناصر، هي الممثل الشرعي لحركة الثورة الوطنية والقومية في المرحلة الراهنة، وظني أن هذه القيادة، وتأييدها إلى آخر المدى هو العاصم الحقيقي في هذه الظروف من جاهلية اليمين المتخلف وجهل اليسار المغامر”.(40)
وأضاف: “وعندما يكون هناك اتساق بين السلطة والجماهير… أي عندما تكون السلطة تعبيراً عن الجماهير وتكون الجماهير واثقة في السلطة فإن الجبهة الداخلية تصبح أقوى مما تكون وأكثر استعداداً.
والتعبير والثقة كلاهما ينشأ عن الحوار. والحوار بدوره هو الذي يمهد الأرض للمشاركة وهي جوهر الديمقراطية. وتستطيع أي سلطة أن تقمع وأن تضرب، لكنها حين تفعل ذلك تكون قد عزلت نفسها عن قاعدتها، وتصبح معلقة في الهواء، ذروة ليس تحتها هرم، قمة ليس تحتها جبل.
ولقد أثبت أنور السادات ذلك عملياً في معركته ضد مراكز القوى.
كان أمامها أعزل من أي سلاح، ليس في يده ـ كما قلت مرة ـ غير عصا من فرع شجرة جميز يتوكأ عليها أحياناً. وكانوا أمامه ومعهم كل أدوات السلطة في مصر. وكنسهم من فوق الأرض كنساً لأن الجماهير كانت معه”.(41)
واستمرت العلاقة قوية بين هيكل والسادات حتى حرب 6 أكتوبر 1973 عندما أعلمه الأخير بالموعد التقريبي للمعركة، وبأنه يريد منه أن يشارك في بعض نواحيها السياسية والإعلامية.
وأنه يفكر في أن يتفرغ لهذا العمل بجانبه في رئاسة الجمهورية ويترك عمله الصحفي في “الأهرام” وقال له هيكل أنه يستطيع أن يؤدي ما يطلبه منه وفي نفس الوقت يواصل عمله الصحفي… ودخلا في تفاصيل الإعداد للعملية العسكرية على جبهة القتال.(42) وكلفه يوم 27 سبتمبر 1973 بأن يكتب توجيهه الإستراتيجي إلى القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول احمد إسماعيل علي، لتحديد الأهداف الإستراتيجية للحرب.(43)
وأثناء الحرب كان ضيفاً شبه مقيم في “قصر الطاهرة” الذي اتخذه الرئيس مقر القيادة في أيام الحرب… كان هناك ليلاً ونهاراً في كل ما يطلبه الرئيس منه في تلك الظروف، وأهداه الرئيس مرة علماً إسرائيلياً ممزقاً كان مرفوعاً على مقر القيادة الإسرائيلية لخط بارليف إلى جانب لفائف مخطوطة من التوارة من سفر الخروج كانت موجودة في هذه القيادة… وقال له ضاحكاً: إني أعرف غرامك بجميع مثل هذه الشظايا التاريخية.(44)
ومع انتهاء الحرب، وبداية المفاوضات بين السادات والولايات المتحدة الأمريكية و”إسرائيل”، بدأ الخلاف يدب شيئاً فشيئاً بين هيكل والرئيس حتى وصل حد القطيعة.