صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب ، الجيش، الدولة 1

الــمــقــــدمـــــة

إن دراسة موضوع دقيق كموضوع “الصراعات الداخلية التى عاشتها جبهة التحرير الوطني الجزائرية طيلة أربعين عاما” كحزب وجيش ودولة، ثم اندلاع أزمة عاصفة في الجزائر تحولت إلى ما يشبه حربا أهلية، تعتبر عملية مشروعة علميا من حيث آنية الموضوع وأهميته.
فالموضوع الجزائري بصفة عامة آني، فرض نفسه على وسائل الاعلام عربية كانت أو عالمية، فلا تخلو صفحة من جريدة أو نشرة أنباء إذاعية أو تلفزية من الاخبار عن ما يحدث في هذا البلد، ولا من محاولة التحليل لفهم وتفسير الأحداث، وهو موضوع تجاوز المستوى الصحفي الاخباري، ليلج منطقة البحث العلمي، فتبنته الجامعات، ومراكز الدراسات والأبحاث السياسية، وانشغل به الأساتذة الجامعيون وطلابهم، وكبار الكتاب والمحللون، ورغم الطفرة الاعلامية التى أحاطـت به فـي السنـوات الأخيرة بسبب الأزمـة التـي تعيشـها الجـزائـر، فإن جذوره ممتدة في التاريخ، والاهتمام به كان شديدا منذ أول نوفمبر/تشرين الثاني 1954، عندما احتكرت جبهة التحرير الوطني مشهده السياسي حتى بداية التسعينات. فدراسة الظاهرة السياسية الجزائرية تعني في جزء كبير منها دراسة جبهة التحرير. فهي المسؤولة عن مصير هذا البلد طيلة فترة تمتد على نحو أربعة عقود. وهي اليوم محل اتهام من القوى السياسية الجديدة، ومن بعض قادتها التاريخيين الذين أزيحوا في مرحلة من مراحل ثورتها أو ممارستها للسلطة، ومن الأجيال الشابة التي لم تتعاطف معها وانصرفت إلى غيرها…
لقد مثل هذا الحزب في سنوات الثورة أسطورة حركات التحرير في العالم، فلم يكن مجرد نموذج وطني انحصر في الجزائر أو المنطقة العربية، بل تعدى ذلك ليصبح نموذجا عالميا ارتقى إلى الصف الأول، فلم تنافسه في الاشعاع إلا أعظم الثورات، كالثورة الفياتنامية…
وكانت النتيجة أن غطى الجانب الأسطوري ـ البطولي للجبهة، في مقاومتها للاستعمار وتضحياتها الجسيمة (حوالي مليون ونصف شهيد)، حقيقة ما كان يحدث داخلها ويتفاعل بين أجهزتها. فطغت الكتابة الصحفية، والمذكرات الشخصية للقادة والمسؤولين على الكتابة العميقة الخالية من التعصب، من التحيز ومن اتهام الآخر لتفضيل موقف الأنا.
ويذهب المؤرخ الفرنسي بنجمان ستورا Benjamin Stora إلى “أن التاريخ العلمي النقدي لحرب التحرير لم يبدأ إلا في سنة 1975 و1980، على إثر نشر أعمال المؤرخ الجزائري محمد حربي، حينما خلص جبهة التحرير الوطني من جانبها الاسطوري ـ البطولي، خاصة فـي كتابيه “فـي أصول جبـهة التحـرير”( Aux Origines du FLN)، وجبـهة التحرير الوطني، الأسطورة والواقع” (Le FLN, Mirage et réalité) وكذلك عمل شارل روبار أجرون Charles Robert Ageron في كتابه “تاريخ الجزائر المعاصر”(Histoire de l’Algérie contemporaine) … الذي اتخذ فيه مسافة المؤرخ النقدية” .
أما محفوظ قداش مؤرخ الحركة الوطنية الجزائرية فيقول : “لا يمكننا منع أحد من الكتابة، فقط يجب أن تبقى معايير الانتقاء ذات صبغة علمية” فالكتابة عن هذا البلد حققت تراكما كميا هائلا خاصة من قبل الذين يكتبون باللغة الفرنسية . لكن الكتابة العلمية تبقى محدودة رغم كثرة المحاولات، فحجمها يبدو ضيئلا بالمقارنة مع التناول الصحفي مثلا. ويزداد هذا الفقر العلمي وضوحا حينما نبحث عن ما قدمته الجامعـات العـربية ـ وهـي الأقـرب لغـة، فكـرا وجغرافية للموضوع . ومن هذا المنطلق تعد أية معالجة سياسية علمية لموضوع الجزائر حاجة ملحة للمكتبة العربية، تسد ثغرة بارزة فيها.
أما إذا انتقلنا من العام إلى الخاص، من الجزائر إلى جبهة التحرير الوطني، ومن جبهة التحرير إلى صراعاتها الداخلية، حتى نصل إلى أحداث العنف السائدة اليوم، فإن موضوع كتابنا يصبح جريئا من ناحية ومجازفا من ناحية ثانية.

ـ فهو موضوع جريئ : لأنه يمس صراحة أحد المحرمات في التراث السياسي العربي، سلوكا أو معرفة. ذلك إن تراثنا لا يسمح بالاختلاف ولا يعترف بالصراع، رغم أنه حقيقة واقعة، فيتجاهله عمدا، ويخفيه، رغم استحالة إخفائه، ليثمن في المقابل فكرة إجماع الأمة ويعلى شأنها. فالعقيدة السياسية كانت دائما عقيدة إجماع، تنفي التناقض وتؤكد الوحدة ولا تقبل إلا بمفهوم “البنيان المرصوص”، مقصية إمكانية بروز خطاب تعددي، ومن ثمة غياب أية آلية سلمية ديموقراطية تحل الصراع وتجعله بناءا عوض أن يكون مدمرا.
كانت المفارقة الكبرى مأساوية في تاريخ هذا التراث، فهو من جهة يعتبر “الفتنة أشد من القتل”، فيحقر الصراع ويرفضه، ومن جهة أخرى نجد الوقائع والأحداث غارقة في الدماء، من الفتنة الكبرى إلى ما يحدث اليوم في الجزائر.
إن هذا الكتاب، يحاول أن يكون جريئا، حينما يلج منطقة تعد حراما في تراثنا، فيحتمي بالعلم ويستخدم مناهجه وتقنياته، ساعيا إلى فهم وادراك، ومن ثمة تفسير ظاهرة سياسية ملحة.

ـ وهو موضوع مجازف: لأنه يواجه مجموعة عوائق وصعوبات داخلية مثل:
1 ـ صعوبة أو ربما استحالة معرفة ما حدث بالضبط داخل جبهة التحرير الوطني (سنعالجها كإطار يضم في نفس الوقت الحزب والجيش وبالتالي الدولة)، طيلة الأربعين سنة، من صراعات مزقتها، وبالرغم من كثرة ما نشر في الصحف والمجلات والكتب، فإن أغلبه لا يتجاوز التخمين الصحفي أو مذكرات الفاعلين السياسيين التي لا تعبر في النهاية إلا عن آرائهم الخاصة مع ما يحتمله ذلك من مراوغة وتضليل للباحث العلمي.
وزاد المسألة تعقيدا، ستار السرية والكتمان الذي أسدل على هذا الحزب، وحجب حقيقة ما يقع فيه، حتى أن تقريرا للمخابرات الفرنسية يقول أن إدراك ما يحدث داخل الجبهة-الجيش- الدولة هو من قبيل التكهن بأحوال الطقس .
وربما تكون المخابرات العسكرية الجزائرية ، الجهة الوحيدة التي تمتلك أكثر المعلومات كما ودقة، في حين يفتقد الباحث كل هذه المعلومات لذلك، لن ننشغل على امتداد كتابنا بالبحث في حقيقة ما حـدث، فتلـك ستكـون مهمـة المـؤرخ، الـذي قـد يجـد الظـروف العلمـية مناسبة بعد مدة من الزمن للقيام بدوره، وإنما سنبحث في تحديد عوامل الصراع ومدى تأثيرها في صيرورة الجبهة.

2 ـ صعوبة الحصول على شهادات حية من مسؤولي وقادة جبهة التحرير الوطني، وخاصة العسكريين منهم واستحالة حصولها من قادة الجيش فقد باءت محاولتنا بالفشل في اتصالنا ببعضهم الذي رفض الادلاء بشهادته والحديث في هذا الموضوع، وربما يعود ذلك إلى طبيعة الموضوع وحساسيته، ثم إلى الوضع الذي تعيشه الجزائر، وما يتميز به، خاصة في بداية الأزمة، من تصفيات واغتيالات للصحفيين والمسؤولين السياسيين مما نشر حالة عامة من الحيطة والحذر لدى النخبة السياسية الجزائرية. ففقد الكتاب بالتالي مساهمات هامة، كان من الممكن أن تشارك في إثرائه.

3 ـ صعوبة تقنية تتعلق باتساع الموضوع، وكثرة الفروع التي يتناولها، إضافة إلى المدة الزمنية الطويلة التي يعالجها(حوالي 45 عاما). فكان لا بد من الالتجاء إلى مقاربة تأليفية، تهتم بالخطوط العريضة أكثر من اهتمامها بالتفاصيل، وكان لا بد من الالتجاء إلى عملية انتقاء دقيقة للوقائع والأحداث. واستثمار تلك التي تحمل دلالة تفيد الموضوع، وبالتالي الالقاء بالمعلومات الثانوية جانبا…
إنه في النهاية موضوع جديد. فلئن تمت دراسة بعض جوانبه هنا وهناك، أو دراسة مدة زمنية محدودة منه كما فعل محمد حربي عندما بحث الصراعات الداخلية التي عاشتها جبهة التحرير أثناء الثورة 1954-1962، فإن مـوضوعنا يتميـز بتغطيته لأكثرمن أربعين سنة مـن الصراعات داخل جبهة التحرير الوطني، الجيش والدولة بصفة عامة، متناولا مـرحلة الثورة 1954-1962 ومرحـلة ممارسة السلطة 1962-1989، ثم مرحلة المعارضة 1989-1994. لكن دون السقوط في المنهجية الكرونولوجية التي تعتمد تسلسل الأحداث . ثم يلج منطقة أكثر حساسية حينما يتناول العنف السياسي المنتشر اليوم في الجزائر بعد أن انفجر الوضع واندلعت الأزمة الكبرى التي يعاني منها هذا البلد إلى اليوم.
لئن بينا في هذا الجزء من المقدمة إنية الموضوع وأهميته، وبالتالي مشروعية البحث العلمي فيه، فإن تأطيرا تاريخيا يبين الظروف التي نشأت فيها جبهة التحرير يصبح عملا ضروريا يهيئنا لمعالجة الاشكالية وخطتنا المنهجية في البحث.
تكمن الجذور البعيدة لجبهة التحرير الوطني في بداية القرن العشرين، حيث اتخذت أشكالا متعددة، أهمها “حركة انتصار الحريات الديموقراطية” التي قامت بتأطير نضال الشعب الجزائري، لقد تأسس هذا الحزب سنة 1946 على يد مصالي الحاج الذي سبق له وشكل حزب “نجمة شمال إفريقيا” (1926-1937)، ثم أسس حزب الشعب الجزائري (1937-1939)، ووقع حلهما من قبل الحكومة الفرنسية .
لقد تميزت حركة انتصار الحريات الديموقراطية، باستقطابها شبابا متحمسا، كان مستعدا للجوء إلى القوة المسلحة من أجل حصول الجزائر على استقلالها . تبلور هـذا الـوعي الجـديد عـلى إثـر أحداث مايو/أيار 1945 الدموية (حوالي 45 الف ضحية من الجانب الجزائري). وكانت حسب محمد بوضياف “قد قدمت الدليل القاطع بأن هزيمة الاستعمار الفرنسي لا يمكن أن تحدث إلا من خلال الوسائل الثورية” وهي بالنسبة لمناضلي جيله تعد نقطة تحول في تشكل وعيهم وإحداث قطيعة مع أساليب الماضي .
ومن ثمة، شهدت سنتي 1952-1953 أزمة ثقة خطيرة بين الجماهير الشعبية وقيادة الحركة. وعمت هذه الأزمة بقية الأحزاب الأخرى (الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري، الحزب الشيوعي الجزائري، جمعية العلماء المسلمين). وذلك “بسبب غياب مشروع واضح لتحرير الجزائر، حيث كانت الجماهير واعية بطبيعة الوضع، لكنها لم تجد في أي حزب منهم استجابة لتطلعاتها .
أما الاسباب المباشرة التي أدت إلى تأسيس جبهة التحرير، فتكمن في الصراع العنيف الذي شهدته حركة انتصار الحريات الديموقراطية، بين مصالي الحاج الذي طالب بحصوله على سلطات مطلقة مدى الحياة من جهة، واللجنة المركزية للحزب التي اعتبرت مطلبه غير ديموقراطي ورفضته من جهة ثانية .
فقام مصالي الحاج بعقد مؤتمر في بلجيكا في صيف 1954، لم يدع فيه إلا أنصاره، وقرر عن طريقه فصل أعضاء اللجنة المركزية الذين عارضوه، ورد هؤلاء بدورهم الفعل، وعقدوا مؤتمرا وطنيا في الجزائر، قرروا على إثره فصل مصالي من قيادة الحزب، والتأكيد على أنهم يمثلون السلطة السياسية الوحيدة في الحركة .
وأدى هذا الانشاق بدوره إلى ظهور تيار ثالث يتجاوز أطروحة المصاليين والمركزيين على حد السواء، حيث حصر اهتمامه في ضرورة المبادرة بقيام عمل ثوري، عسكري وفوري، حتى يتم استغلال الظروف المناسبة التي أتاحتها فرصة تاريخية ثمينة.
وضم هذا التيار شبابا اكتسب تجربة من العمل السري داخل المنظمة الخاصة شبه العسكرية . وسارع بإنشاء اللجنة الثورية للوحدة والعمل، التي تحولت إلى لجنة 22 ثم لجنة 5، فلجنة 6 وأخيرا لجنة 9، ومن ثمة تأسست جبهة التحرير الوطني.
إن تحليلا أكثر تعمقا لهذه اللجان يساعدنا على فهم آلية الصراعات وتطوراتها لاحقا. لذلك يكون مفيدا عرضها وتبيين خصائصها، بدءا بالمنظمة الخاصة.

1 ـ المنظمة الخاصة: تشكلت المنظمة الخاصة في الفترة ما بين 1947-1948. وستصبح منذ هذا التاريخ بؤرة تنضج فيها فكرة الثورة المسلحة. ففيها اجتمع القادة التاريخيون الذين صنعوا كفاح واحد نوفمبر التحريري. وكان اختيارهم يعتمد على معايير متشددة مثل: العقيدة، الشجاعة الجسدية، السرية، الكتمان …
إنه من الجدير أن نعطي أسماء أهم قادتها، فهم الذين سيشكلون اللجنة الثورية للوحدة والعمل، ثم جبهة التحرير.
لقد قادها أو ناضل فيها كل من:
ـ محمد بلوزداد
ـ أحمد بن بلا
ـ حسين آيت أحمد
ـ محمد بوضياف
ـ كريم بلقاسم
ـ عبان رمضان
ـ رابح بيطاط
لقد تمثلت أول مهامهم قبل نوفمبر 1954 في جمع الأسلحة وتخزينها حتى مجيئ العمل المسلح الذي اعتبروه مصيرهم الحتمي، رغم تردد بعض قادة حركة انتصار الحريات الديموقراطية السياسيين المشرفيين على المنظمة الخاصة .
وفي سنة 1950، اكتشفت الشرطة الفرنسية وجودها، فقامت بتفكيكها وتدمير هياكلها وإيقاف مائات من مناضليها… ومن ناحية أخرى، قرر مصالي الحاج ومكتبه السياسي حلها رسميا، وإعادة دمج أعضائها، الذين لم يقبض عليهم، داخل الحزب ليمارسوا نشاطا سياسيا عاديا… لكن فكرة الاعداد للكفاح المسلح لم تفارقهم حتى وجدوا الفرصة سانحة عندما حدث الصراع بين “المصاليين” و”المركزيين”. فبادروا بتشكيل اللجنة الثورية للوحدة والعمل.

2 ـ اللجنة الثورية للوحدة والعمل: تأسس هذا الهيكل الجديد في 23 مارس/آذار 1954. ونشر صحيفة خاصة به سماها “الوطني” Le Patriote، واشتبك في صراع مع “المصاليين” وجذر مواقفه “الثورية” الداعية إلى الكفـاح المسـلح، وقـام بالاتصـال مـع قــادة المنظـمة الخـاصة السـابقين والفارين مثل رابح بيطاط، مصطفى بن بولعيد، عبدالحفيظ بوصوف، العربي بن مهيدي… كما اتصل بأعضاء البعثة الخارجية للحزب والمستقرة في القاهرة: أحمد بن بلا، حسين آيت أحمد ومحمد خيضر . ثم تطورت اللجنة الثورية للوحدة والعمل لتتجسد في مجموعة لجان متلاحقة.

3 ـ لجان 22، 5، 6، 9: اجتمع في النصف الثاني من شهر حزيران/يونيه 1954 اثنان وعشرون شخصية سياسية، جميعهم كانوا مناضلين قدامى في المنظمة الخاصة. وبحثوا إمكانية الشروع في الكفاح المسلح. ثم برزت منها لجنة أخرى متشكلة من خمسة أعضاء قامت بإعداد مذكرة توجهها إلى المصاليين والمركزيين تضم ثلاثة أسئلة محددة:
ـ هل أنتم موافقون على الشروع في العمل المسلح؟.
ـ إذا كنتم مستعدين، ما الذي يمكن أن تقدموه؟.
ـ وفي حالة ما إذا تم هذا العمل بدونكم، فكيف سيكون موقفكم؟ .
وكانت الاجابة بالرفض، فأعيد تشكيل لجنة جديدة من ستة أعضاء ثم اتسعت لتصبح تسعة، ثم تحولت في 1 نوفبمر 1954 إلى جبهة التحرير الوطني، وأسست في نفس الوقت جيشها، واطلقت عليه اسم جيش التحرير الوطني.
وكانت فكرتهم الأساسية واضحة على حد تعبير محمد حربي: “لن يفرض الاستقلال إلا بالحرب، لا يمكن تحقيق أي تقدم داخل الاطار الاستعماري، حتى فكرة تحسينه كانت تصدمهم، وقد أدانوا، دون تمييز فرحات عباس و”العلماء” والحزب الشيوعي الجزائري، وفيما بعد المركزيين والمصاليين، لا لأن هؤلاء كانوا معادين للاستقلال، بل لأنهم اعتقدوا بتحقيقه على مراحل متعاقبة… وكانت بالتالي نهاية الاستعمار تهمهم أكثر من ممارسة الحريات والديموقراطية في ما بينهم” .
فكان هدفهم الأول، كما جاء في بيانهم، يتمثل في توحيد كل القوى الوطنية، بقطع النظر عن أصولها الاجتماعية أو اتجاهاتها الفكرية، من أجل غاية واحدة هي تحرير الجزائر. وكان إيمانهم قاطعا بأن جبهة التحرير الوطني هي الممثل الوحيد لنضال الشعب الجزائري، لأنها اكتشفت طريق خلاصه في الثورة المسلحة، فلم تسمح بتواجد التنظيمات الأخـرى ما لـم تندمـج وتذوب فيـها. فدخـلت فـي صراعـات متعددة، صراع ضد الاستعمار، وصراع ضد الحركة المصالية التي اصطدمت معها منذ البداية، وفي النهاية دخلت بدورها مرحلة الصراعات الداخلية، وبرزت تناقضاتها واشتدت منذ شروعها في التهيكل والتنظم في أجهزة ومؤسسات.

لقد ولدت جبهة التحرير الوطني نتيجة لصراع حصل في حزبها الأم، فجاءت لتوحد الجميع في سبيل حرب التحرير، ولكنها، في الآن نفسه وهي توحد، غرست بذور الصراع داخلها، فتحولت إلى إطار صارت القوة فيه وسيلة وحيدة لتحديد العلاقات بين أطرافه .
ومن الطبيعي أن يشتد الصراع الداخلي، حينما يضعف الصراع الخارجي مع الاستعمار أو الحركة المصالية، وبلغ ذروته مع قرب استقلال الجزائر، وقد تنبأ فرحات عباس بذلك قائلا: “حينما نصبح مستقلين وأحرارا ، ستحدث لنا أشياءا رهيبة، فسننسى آلام شعبنا، لنتصارع من أجل السلطة” .
وبرر ذلك الأخضر بن طوبال ـ أحد القادة الكبار للثورة ـ بقوله “حدثت تباينات… في السياسة التي يجب اتباعها، وكان ذلك كله يحدث رغما عن إرادتنا… كانت الظروف هي التي قادتنا إلى حيث وصلنا، والظروف هي التي أرغمت المسؤولين على مواجهة الأخطار…”
لقد تسببت هذه الصراعات داخل جبهة التحرير الوطني الجزائرية على امتداد أربعين سنة في انحطاطها وضعفها الشديد، فخسرت السلطة، كما خسرت قواعدها الجماهيرية .
ومن ثمة يعالج كتابنا الاشكالية التالية:

ما هي عوامل الصراع التي أدت إلى انحطاط جبهة التحرير الوطني من الداخل ومن ثمة انفجار الوضع السياسي في البلاد واندلاع شبه حرب أهلية؟
وتتقدم ثلاث فرضيات لتحاول أن تجيب على هذا الاشكال:
ـ الفرضية الأولى:
كانت العلاقة بين الجناح السياسي والجناح العسكري وطبيعة الصراع بينهما حاسمتين في انحطاط الجبهة.
ـ الفرضية الثانية:
ساهمت عوامل الصراع الايديولوجي، الثقافي، الاثني والجهوي في إضعاف الجبهة وانحطاطها.
– الفرضية الثالثة :
أدى انقسام النخبة الحاكمة إلى الحرب الطاحنة التي يعيشها البلد اليوم وتطور الأزمة إلى حد يشبه الحرب الأهلية.
وحتى نحلل، ونستنتج لنثبت أو ننفي هاته الفرضيات، فإننا سنختار إستراتيجية نظرية تعتمد البحث من خلال المحاور، أي أننا سنحصر المواضيع التي كانت دافعا، عاملا في الصراع في محاور، يعالج كل محور منها موضوعا خاصا.
وهو ما يمكننا من تجنب الانزلاق في مهمة المؤرخ ـ التي تقترب كثيرا من موضوع كتابنا ـ ذلك أننا، سوف لن نقسمها إلى تسلسل زمني متواصل Chronologie، يتعرض إلى الأحداث سنة بسنة من 1954 إلى 1999. فمثل هذا العمل يبتعد عن حقل العلوم السياسية التي تعتني أكثر ـ فيما يتعلق بموضوعنا ـ بدراسة عوامل الصراع وآلية ومدى تأثيرها على الأحداث ـ من اعتنائها بالاجابة عن سؤال ما الذي حدث بالضبط، فليس التدقيق التاريخي بمهمتها الأولى، وإنما البحث السوسيولوجي السياسي يشكل موضوعها الأساسي.
وذلك لا يمنعنا على أية حال من استخدام المنهج التاريخي في معالجتنا في الجزئين الأولين من هذا الكتاب. فالعلوم الاجتماعية تستفيد وتتبادل مناهجها في محاولة لتجاوز ذلك الفصل التاريخي بينها، رغم دراستها لنفس الظواهر وإن كان ذلك من زوايا مختلفة.
ويعود اختيارنا لهذا المنهج لنحلل به الجزئين الأولين إلى ما يقدمه لنا من فوائد، أهمها:
1 ـ إنه المنهج الأقرب إلى موضوعنا، فرغم أن كتابنا ينتمي إلى حقل العلوم السياسية، فإنه يعالج موضوعا يطغي عليه جانب كبير من التاريخ، فهو في النهاية يحصره في مدة زمنية محددة تمتد من سنة 1954 الى اليوم.
2 ـ إنه يدعم تحليلنا واستنتاجاتنا بالوقائع والأحداث فيثبتها أو ينفيها، وبالتالي يكون أداة ممتازة في عمليات الفهم والتفسير والاستنتاج.
3 ـ إنه يؤطر الموضوع، ويضعه في سياقه التاريخي، فييسر عملية قراءته، وفهم جوانبه لقارئ آخر دون الباحث الذي تخصص فيه.
سيقع اختيارنا على النخبة السياسية، فلم نهتم بالتالي بالقواعد ومواقفها، وهي في النهاية تابعة وخاضعة لهذه النخبة القائدة.
وحينما نركز عـلى هـذه المواقع الأربعـة:
– رئيس الدولة
-رئيس الوزراء
-وزير الدفاع
– أمين عام جبهة التحرير الوطني
فذلك يعـني أننـا سنختاردراسة جبهة التحرير في مفهومها الواسع وليس في مفهومها الضيق.
إننا نعني بمفهومها الواسع، ذلك الحزب، الكبير الذي هيمن على الساحة السياسية الجزائرية، فكان الحزب /الجيش/الثورة، وكان الحزب/الجيش/الدولة، وجمع في صلبه الجميع، من رئيس الدولة إلى رئيس الحكومة إلى وزير الدفاع وكبار الضباط في الجيش…
يستخدم الجزء الثالث نموذجا نظريا جديدا لعالم السياسة الأمريكي تشارلز تيلي Charles Tilly. هذا النموذج النظري Modèle théorique يختص في تحليل العنف السياسي من زاوية آليات وقوع ثورة، فشلها أو نجاحها. القوانين والعوامل التي يجب أن تتوفر حتى يسقط نظام وينشأ آخر ليعوضه.
أما في ما يتعلق بتقسيم عناصر الكتاب، فإننا اعتمدنا تجزئته إلى ثلاثة أجزاء. يعالج الجزء الأول مسألة الصراع بين العسكريين والسياسيين، واعتبرناه صراعا حاسما محددا في صيرورة انحطاط الجبهة، لذلك احتل ثلث مساحة البحث، ووظفناه كمؤطر تاريخي، حيث أدرجنا فيه أهم الاحداث التاريخية التي أدت طيلة أربعين سنة إلى ضعف الجبهة وتفتتها. وهو ما سيساعدنا على تناول الجزء الثاني.
يتميز الجزء الثاني بافتراضه أن عوامل الصراع الإيديولوجية، أو الثقافية أو الإثنية أو الجهوية، تعد عوامل مساهمة في انحطاط الجبهة، شاركت في وصولها إلى حالة الضعف التي تعيشها اليوم، لكنها لم تكن حاسمة مثل عامل الصراع السياسي العسكري.
أما الجزء الثالث فيعالج طبيعة الأزمة الراهنة، أسبابها، مظاهرها، آلياتها وسيناريوهات المستقبل.