صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة 2

الفصل الأول… التـــــوازن
يبحث هذا الفصل في طبيعة العلاقة بين الجناح العسكري والجناح السياسي أثناء الثورة، ثم وصول أحمد بن بلا إلى الحكم وتشكيل أول حكومة في الدولة الجزائر ية المستقلة.
ويبين آلية وأسباب انتقال هذه العلاقة من الغموض والعفوية في مرحلة أولى إلى بداية التأسيس والتأطير في مرحلة ثانية، أين تأصل الصراع بين الطرفين، وتطور في مراحل متناقضة، شهدت محاولة هيمنة السياسي أولا، ثم مقاومة العسكري فانتصاره النسبي بتحالفه تكتيكيا مع شق سياسي ضد شق آخر وهو ما مهد لاحقا إلى هيمنته المطلقة على الجبهة.

لم يكن الفصل بين السياسي والعسكري واضحا، قبل مؤتمر الصمام (20 أغسطس/آب 1956)، فالمقاتلون المنتسبون إلى جيش التحرير الوطني كانوا في نفس الوقت أعضاء في جبهة التحرير الوطني.
وكان لغياب أجهزة تنظيمية تؤطر الثورة، وتحدد المهمات لكل فئة، دور في هذا التشابك وهذا الغموض.
بّرر ذلك الأخضر بن طوبال حينما قال “… كان المخرج الوحيد الممكن أمام الشعب الجزائري هو تسريع التفجير المسلح للثورة، دون انتظار دراسة دقيقة ومحددة يجري اتباعها، ودون انتظار البلورة الكاملة لبرنامج عمل ولتنسيق على كل المستويات، كان ثمة حلان أمام “مجموعة 22″، إما التنظيم أولا ثم التفجير فيما بعد، أو التفجير أولا والتنظيم فيما بعد… كنا مضطرين لاختيار الحل الثاني…”
وحينما اندلعت الثورة في أول نوفمبر/تشرين الثاني 1954، كان قد تم إطلاق تسمية “جبهة التحرير الوطني” على أداة النضال السياسي و”لما كانت تجسيدا للأمة، فقد خولت لنفسها حق التمثيل الوحيد “للإرادة الجزائرية”، لقد كانت الحزب ـ الأمة قبل أن تصبح الدولة ـ الأمة”
واتخذت الأداة العسكرية اسم جيش التحرير الوطني، وخضع هذا الجيش لمبدئين أساسيين في التنظيم:

– اللامركزية: بسبب اتساع الأرض الوطنية، كان يستحيل أن يقود الكفاح أي جسم ممركز، لذا تقرر ترك حرية العمل كاملة لكل ولاية.

-أولوية الداخل على الخارج: ويعنى ذالك أنه لايمكن فعل أي شيء من دون موافقة أولئك الذين يقاتلون على الأرض.
ويقصد بالخارج، البعثة الخارجية المتكونة أساسا من احمد بن بلا ومحمد خيضر وحسين آيت احمد. وتقوم، بمساعدة مصر، بمد شبكات لتزويد مراكز المقاومة بالسلاح وتثمير الصدمة، التى ستخلقها الثورة، في ميداني الدعاية والدبلوماسية .

وفي الواقع، لم يكن الجيش في الشهور الأولى من الثورة، أكثر من مجموعة من العصابات تعمل في كثير من الأحيان على مسؤوليتها وتغير على الجيش الفرنسي للحصول علىمعظم أسلحتها وذخيرتها .
تركز الكفاح منذ بدايته إذن، على تدعيم كل ماهو عسكري على حساب السياسي، وهو اختيار أساسي لمفجري الثورة ومؤسسي جبهة التحرير، الذين قطعوا مع الممارسات السياسيةـالانتخابية وأولوا اهتماما مطلقا للنضال العسكري، مما سبب خلطا بين السياسي والعسكري، ومن ثمة صراعا حاسما داخل الجبهة في مسيرة الثورة، في مرحلة أولى، وتواصل ذلك في مرحلة الاستقلال وبناء الدولة الجزائرية.
وبين محمد حربي، هذا الخلل، مؤكدا: “أن الخطة التـي تـم وضعها انطلاقا من مهمات الحرب ودون إحالة واضحة الى ما سيكون عليه المجتمع المزمع بناؤه، تعطى الجوانب التقنية المتعلقة بانغراس حرب العصابات أولوية على الجوانب السياسية، وتكوين الجهاز العسكري أولوية على بناء الحزب. وفي هذا النوع من النضال مهما يكن اللجوء الى السلاح مهما، ينبغي أن يكون خاضعا للسياسة أي للبرنامج والتنظيم الذي يطبقه”0
وهو ما حاول عبان رمضان تنفيذه في مؤتمر الصمام، حتى يتم له هيمنة السياسي على الجناح العسكري داخل الجبهة.

1ـ الجناح السياسي: محاولة هيمنة

نص بيان أول نوفمبر 1954 على أن جبهة التحرير الوطني “تتيح الفرصة لجميع المواطنين الجزائريين من جميع الطبقات الاجتماعية، وجميع الأحزاب والحركات الجزائرية لتنضم إلى الكفاح التحريري دون أي اعتبار آخر…” ومن ثمة فقد فتح باب إمكانية إنضمام الأحزاب الأخرى التى تشكل الحركة الوطنية الجزائرية، إلى الجبهة وتدعيم صفوفها.
انطلق عبان رمضان من هذا المبدإ، ليقوم بسلسلة من المفاوضات مع كل من:
– الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري
– جمعية العلماء المسلمين
– المركزيين
– الحزب الشيوعي الجزائري
– الحركة الوطنية الجزائرية (المصاليون)
وذلك بهدف اندماجهم في الجبهة، فكانت النتيجة:
– أولا: أعلن فرحات عباس، زعيم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في القاهرة، في 22 أبريل/نيسان 1956 انضمامه رسميا إلى جبهة التحرير الوطني ومعه بقية مناضلى حزبه .
وعد ذلك تحولا جذريا في موافقه، فقد كان يعتبر الكفاح المسلح “يأسا وفوضى ومغامرة”، وكان ينتظر الكثير من مانديس فرانس Mandès France، لكنه لم يكن يستطيع تجاهل وجود منظور آخر، بفضل جبهة التحـرير الوطـني، فتـوصل أخـيرا إلـى قنـاعة أنـه “إذا استسـلمت”الأوليغاركات المالية”، إذا تكشف عجزها، لن يبقى أمام الجزائريين غير الذهاب إلى السجن أو الالتحاق بالأدغال”0

– ثانيا: ظل موقف جمعية العلماء متحفظا إزاء جبهة التحرير ، وتميز موقف أحد قادتها، الشيخ العربي التبسي، بمساندته للجبهة وفهمه بأن النضال في الاطار القانوني، يعد من الماضي، فتم اغتياله على يد السلطات الفرنسية ، وفي سنة 1956 انضم الكثير من مناضلى الجمعية إلى الجبهة بصفتهم أفرادا، كبقية التنظيمات، مثل محمد شعباني، احمد طالب الابراهيمي، عامر ملاح، ومحمد صالح اليحياوي.
– ثالثا: اعتبر المركزيون العمليات العسكرية في أول نوفمبر مغامرة وتنبؤوا بانتكاسة للحركة الوطنية، لكن سرعان ما غيروا مواقفهم وانضموا إلى الجبهة ووصلوا إلى مواقع قيادية فيها، مثل بن يوسف بن خدة، سعد دحلب، تمام، عيسات يدير…
– رابعا: اعترض الحزب الشيوعي الجزائري على ادعاء جبهة التحرير الوطني التحدث باسم الأمة جمعاء، وذلك باسم تمثيله الطبقة العاملة ، وأسس في مارس/آذار 1956 منظمة عسكرية خاصة به، سميت “مقاتلى التحرير” فشلت، فتـم دمـج مقاتليها أو ما تبقـى منهم في جيش التحرير الوطني في تموز/يوليو 1956، كأفراد وليس كحزب.
-خامسا: أعطى المصاليون في ديسمبر/كانون الأول 1954 تسمية جديدة لمنظمتهم فحلت الحركة الوطنية الجزائرية محل حركة انتصار الحريات الديموقراطية وعلى عكس بقية التنظيمات التي اندمجت في جبهة التحرير الوطني، اختاروا الدخول في حرب دامية ضدها، سقط فيها عشرات الاف القتلى من الجانبين، حتى استقلال الجزائر سنة 1962 .
أدت هذه التطورات السياسية الى تغيير في حجم وتركيبة جبهة التحرير الوطني. فلم تعد منذ سنة 1956، حكرا على مناضلي المنظمة الخاصة، ذوي التكوين العسكري، والمتشيعين للعمل الحربي على حساب أي عمل آخر.
إن توازنا جديدا، أصبح يحل محل هيمنة رجال جيش التحرير الوطني، ومعطيات جديدة بدأت تتفاعل داخل الجبهة، فالنواة الأولى لأول نوفمبر، تشكلت من قيادات الصف الثاني، في الحركة الوطنية الجزائرية، المتميزين بعدم احترافهم السياسي، وبصغر سنهم، وانتمائهم إلى الطبقات الأكثر فقرا في المجتمع الجزائري، في حين اختلف الوضع بعد انضمام سياسيين محترفين، أكثر تجربة في القيادة، منحدرين من طبقات أكثر رفاهية.
استغل عبان رمضان، هذه التطورات الجديدة، لينظم مؤتمرا، يهيكل الثورة، ويخرجها من حالة “الفوضى الثورية” ببناء مؤسسات وتبني برنامج يوضح أهدافها. وكان يراهن على المنضمين الجدد، حتى يهمين السياسي على العسكري، ويصبح جيش التحرير الوطني خاضعا للقيادة السياسية التي يمثل أبرز وجوهها.