صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة 10

أ ـ اشتراكيون/ ليبيراليون: حقيقة الصراع
إن قراءة أولى ظاهرة لهذه الجداول تدفعنا إلى الاستنتاجات التالية:
1 ـ هناك هيمنة واضحة للخط الاشتراكي على رئاسة الدولة، أي أن رئيسين من ثلاثة انتميا إليه. ولم تشهد الرئاسة تحول إلى الليبيرالية إلا مع الشاذلي بن جديد، بداية من 1979.
2 ـ تم كذلك الهيمنة على رئاسة الحكومة من قبل الاشتراكيين وذلك في عهد الرئيس الراحل بومدين ثم انقلبت الهيمنة لصالح الخط الليبيرالي في عهد الشاذلي بن جديد.
3 ـ وزارة الدفاع، تولاها كل من هواري بومدين، الاشتراكي، ثم تولاها بعد وفاته الشاذلي بن جديد الليبيرالي، في إطار العرف الذي أسسه بومدين في الجمع بين رئاسة الدولة ورئاسة الحكومة ووزارة الدفاع وأمانة الحزب.
4 ـ توجد هيمنة نسبية من قبل الاشتراكيين على أمانة أو إدارة الحزب.
ويمكننا تفسير انتصار الرؤية الاشتراكية منذ سنة 1962 بنوعين من الأسباب، بعضها داخلي، وبعضها الآخر خارجي.
ـ الأسباب الداخلية: وهي تتعلق بالأصول الاجتماعية التي تشكلت منها جبهة التحرير الوطني، فالليبيراليون، المنحدرون من طبقات مرفهة، مثل فرحات عباس، سعد دحلب… أخذوا مواقع القيادة في الجهاز السياسي ـ الدبلوماسي للثورة، وتواجدوا في المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وفي الحكومة المؤقتة. ودافعوا على المشروع الليبيرالي، وعلى دور الطبقة البرجوازية في إنجاح الثورة الجزائرية، فقد اعتبر فرحات عباس “أن جيش التحرير الوطني، لم يكن قادرا على القتال والاستمرار فيه دون دعم طبقة الملاك… الذين احتضنوه. إنهم ملاك الأراضي، والفلاحين والتجار وأصحاب المهن الحرة الذين مدوه بالغذاء. وأخفوه بعيدا عن قمع الجيش الفرنسي…” . كما هاجم الاشتراكية واعتبرها “معطى جديدا أضيف إلى بيان واحد نوفمبر، إذ لم يتحدث عنها أحد أثناء الحرب” واتهم بن بلا بأنه “يستخدم الاشتراكية كحجة ضد كل من يستطيع مشاركته في السلطة” وكذلك بومدين الذي قال عنه “لقد اغتال الفلاحة وقتل المجهود الشخصي” .
في مقابل هذه المجموعة، التي لم تكن تمتلك القوة المسلحة على الأرض، كانت المجموعة الاشتراكية منحدرة من الطبقات الفقيرة مثل الفلاحين والعمال، وكانت ميزتها الأساسية في سيطرتها على جيش التحرير الوطني. حيث استهوت فكرة العدالة الاجتماعية الجنود المعدمين واستجابوا لقائدهم الكاريزمي بومدين الذي كان يقول: “لقد اتفقنا إذا ما بقينا أحياءا على مواصلة الطريق، فالمقاتلون لم يقوموا بالثورة حتى يصبحوا “خماسة” لدى الملاك الجزائريين” . وبما أن الجيش قد تبنى الطرح الاشتراكي، فقد انتصرت رؤيته منذ وصوله إلى السلطة مع بن بلا سنة 1962.
ـ الأسباب الخارجية: تأثرت جبهة التحرير الوطني بالمد الاشتراكي العالمي، وبالمضمون الاشتراكي الذي تبنته حركات التحرير الوطني إضافة إلى تلقيها الدعم الكامل والمساعدات المستمرة مادية (أموالا وأسلحة) ودبلوماسية (في الأمم المتحدة)، من الدول الاشتراكية والشيوعية، كمصر عبدالناصر، وصين ماوتسي تونغ وكوبا فيدال كاسترو… كل هذه العوامل أدت إلى تقوية الجناح الاشتراكي داخل الجبهة وفوزه بدون مشقة على الليبيراليين.
واتخذ التطبيق الاشتراكي شعار “التسيير الذاتي” مع بن بلا، ثم “الثورة الزراعية” و”التأميمات الكبرى” التي قام بها بومدين في أواخر الستينيات وفي السبعينيات، لكنه بدأ في التقلص والانكماش، ليترك مكانه إلى التطبيق الليبيرالي مع مجيء بن جديد، الذي بادر بإزاحة الاشتراكيين الراديكاليين أمثال بلعيد عبدالسلام ومحمد صالح اليحياوي، ومن وقع تسميتهم “بالبومدينيين”.
وبعد إزاحة جبهة التحرير من الحكم، لم يعد الطرح الاشتراكي ملحا، وذلك نظرا لعوامل داخلية، مثل تحول المجتمع الجزائري إلى اقتصاد السوق، وعوامل خارجية، مثل انهيار النماذج / الدول الاشتراكية في العالم.
غير أن قراءة أعمق للجداول، ولحقيقة الصراع، تدفع الباحث الموضوعي إلى طرح مجموعة من الأسئلة المشروعة، يكون دورها مجديا في تبيان مدى مساهمة هذا الصراع في تآكل الجبهة التاريخي وضعفها من الداخل.
– أولا: حينما وقع الانشقاق في مؤتمر طرابلس، وانتج مجموعتين متقابلتين ومتصارعتين، “مجموعة تيزي وزو” في مواجهة “مجموعة تلمسان”، كيف يمكننا تفسير أن كل مجموعة تضم داخلها اشتراكيين وليبيراليين على حد سواء؟ وبعبارة أكثر دقـة، ما الــذي يجمع فرحـات عباس ومحمد خيضر الليبيراليان مع أحمد بن بلا وهواري بومدين الاشتراكيين في تحالفهم ضد كريم بلقاسم ومحمد بوضياف الاشتراكيين المتحالفين بدورهما مع سعد دحلب وبعض زملائه من الحكومة المؤقتة الليبيراليين؟.
ـ ثانيا: كيف نفهم أن الصراع الذي حدث سنة 1962، من أجل ممارسة السلطة، لم يكن في أساسه صراعا بين ليبيراليين واشتراكيين، وإنما كان صراعا شرسا بين مجموعة من القادة، كل منهم كان ينادي باشتراكية خاصة به. فحسين آيت أحمد رفض اشتراكية أحمد بن بلا، وأسس حزبا معارضا سماه “جبهة القوى الاشتراكية”. بعد أن أعلن رأيه في “إن التخطيط الاشتراكي يعتمد على العمل الجماعي في الاعداد والتوجيه، مستخدما مفاهيما علمية، وليس على الاجتهاد والارتجال الشخصيين” . واتهم اشتراكية بن بلا بكونها ليست إلا “ترقيعات ديماغوجية”، و”إن بعض الاجراءات التي اتخذها تبدو وكأنها محاولة من اليمين لإفراغ الاشتراكية من مصداقيتها” .
أما محمد بوضياف، فقد انشق وأسس “حزب الثورة الاشتراكية”، الذي أعلن في أول نداء له “أن جبهة التحرير الوطني، أصبحت من هنا فصاعدا عاجزة على حشد وتنظيم وتوجيه الجماهير الشعبية إلى طريق الاشتراكية… لذلك قررنا تأسيس حزب طليعي بهـدف تحـريك الطاقات الثورية حول برنامج اشتراكي” .
ويؤكد بن بلا على اشتراكيته قائلا “لقد أعددنا، أثناء سجننا في “أولنوي” Aulnoy برنامجا، تميزت كل اختياراته في أن الجزائر يجب أن تعتمد على الاشتراكية…” .
كما نفذ هواري بومدين انقلابه في 19 حزيران/يونيه 1965 باسم إنقاذ الاشتراكية من الفوضى والحكم الشخصي لبن بلا.
إن هذا الصراع بين “اشتراكيات القادة”، دفع بجان لوكا Jean Leca وجان كلود فاتان Jean Claude Vatin إلى التعليق “بأن كل واحد منهم كان يدعي أنه أكثر يسارية من زميله، فهناك يسار بوضياف، يسار آيت أحمد، يسار بومعزة، يسار كريم… فكل واحد يعمل على استقطاب الجميع وحشدهم تحت قيادته الشخصية” .
ـ ثالثا: لماذا يعين بومدين شريف بلقاسم ثم قايد أحمد الليبيراليين مسؤولين على جبهة التحرير الوطني، في حين يتبنى أطروحة اشتراكية متشددة؟ وكيف يصل بن جديد الليبيرالي إلى رئاسة الدولة، ويخلف بومدين، في حين أن الجبهة/ الدولة أغرقت الجزائر بشعاراتها الاشتراكية؟ ثم كيف يتعـايش بـن جديـد مـع رئيـس حكومـته قاصـدي مربـاح الاشتراكي أو أمين عام الجبهة محمد الشريف مساعدية الاشتراكي؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تدفعنا إلى الاقرار بأن الصراع الايديولوجي لم يكن دائما صراع أفكار ومبادئ، بل كثيرا ما كان صراع أشخاص. أفراد يبحثـون عــن تحــالفات ظـرفية مع خصـومـهـم الإيديولوجيين، ليزيحوا من يتفق معهم في الفكر ولكن يزاحمهم في السلطة. ومن ثمة يمكننا استنتاج أن الصراع الاشتراكي/ الليبيرالي لم يكن حاسما في مسيرة الجبهة على عكس عوامل الصراع الأخرى.