صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة 15

– الصراع الجهوي: شرق/غرب
مثل الصراع الجهوي خطرا دائما على جبهة التحرير الوطني، فقد ساهم في غرس معيار جغرافي تفرز من خلاله القوي وتتشكل عن طريقه تحالفات تثمن الانتماء الجهوي على حساب البرنامج الفكري السياسي.

لقد نبه إلى ذلك أحد قادة الجبهة، محمد البجاوي في كتابه “حقائق عن الثورة الجزائرية” وقال “لقد لاحظنا بروزا قويا للاتجاهات الجهوية إلى حد أنها أصبحت تمثل خطرا جديا لتفتيت الجبهة، وذلك لأن الصراعات صارت تقوم على أساس الأجنحة، والأتباع البيروقراطيين عوض قيامها على أساس اختيارات سياسية فعلية” .
ويعتقد محمد حربي أن السبب الأساسي في هذا الصراع الجهوي يعود إلى “التركيب الاقليمي لجبهة التحرير الوطني في بداية الثورة والذي لم يكن متوازنا، لكنه يعكس تاريخ الحركة الوطنية بصورة أمينة، حيث نلاحظ رجحانا واضحا جدا لكوادر الشرق الجزائري والقبايل في الهيئات المركزية، وهذه احدى نتائج مؤتمر الصمام، وفي جيش الخارج، يميل مركز الثقل نحو الشرق، الذي يقدم غالبية عناصر القوات والضباط…” ويضيف “كانت الشرطة السياسية تحت سيطرة المهاجرين الجزائريين في مراكش، أما مسؤولو فدرالية فرنسا الكبار فيأتون من القبايل والشرق وولاية الجزائر، ليس هناك عنصر واحد من غربي البلاد” .
لقد أدى هذا الخلل في التوازن الجهوي، إلى هيمنة دائمة للشرق، واستبعاد واضح للإطارات السياسية القادمة من الغرب، وهو ما نلاحظه بيسر من خلال الجداول الأربعة.

أ – مظاهر هيمنة الشرق

تبدو هذه الهيمنة من خلال الأرقام التالية:
1 – احتل القادة القادمون من الشرق 17 موقع قيادة من أصل 23 مما يشكل أغلبية تكاد تكون مطلقة على أجهزة الحزب/الدولة.
2 – الاستثناء الوحيد لهذه الهيمنة كان مع الرئيس احمد بن بلا، فهو أول رئيس يحكم الدولة الجزائرية المستقلة. وهو أيضا أول رئيــس قادم من الغرب (مغنية)، وكان وصوله إلى الرئاسة بدعم واضح من الجيش الذي كان بدوره خاضعا لقادته القادمين من الشرق، فكان بالتالي مدعوما من الشرق، من أجل الحد من نفوذ الوسط القبايلي وربما تكون أحد أسباب هزيمته أمام بومدين، غياب دعم جهوي يحميه.
3 – باستثناء بن بلا الذي أزيح مبكرا، نجد قايد احمد، المسؤول الوحيد الآتى من الغرب، يتقلد في عهد بومدين مسؤولية إدارة جبهة التحرير الوطني، بعد أن جعلها هذا الأخير “جسدا بدون روح” لكن سرعان ما اختلف معه وعارضه ثم هرب إلى المغرب وعاش في المنفى إلى أن توفي في الرباط في 6 مارس/آذار 1978 .

ويمكن تفسير هذه الهيمنة على الغرب بالعامل التاريخي، ذلك أنه من بين 33 قائدا لجبهة التحرير الوطني ليلة 1 نوفمبر 1954، لم يشارك من الغرب إلا اثنان، في حين شارك فيها 16 من ولاية قسنطينة (الشرق) و6 من ولاية الجزائر (الوسـط) و9 مـن القبايـل، ويكمن سبب المشاركة الضعيفة للغرب في تفجير الثورة، في هيمنة المصاليين على هذه الجهة فمصالي الحاج مولود بتلمسان ، أهم مدينة في الغرب بعد وهران، وكان له كثير من الأنصار في جهته، رفضوا منذ البداية الالتحاق بجبهة التحرير الوطني، والتزموا بدعم الحركة الوطنية الجزائرية في مواجهتها للجبهة، وهو ما انعكس لاحقا على التوازن الجهوي، فلم تشارك هذه المنطقة جديا في الثورة المسلحة إلا في خريف 1955، بقيادة بن مهيدي، بوصوف، وبومدين .
ب – ردود الفــعــل

على عكس ماحدث في الصراعات الأخرى، حيث كانت ردود الفعل فورية وحازمة، عندما قاوم الليبيرالي الاشتراكي، وعندما عمل اللائيكي على ضرب الجبهة بتحالفه مع الجيش، أو حينما تكتل القبايل في مواجهتهم لهيمنة التحالف الشاوي العربي، وأسسوا حزب معارضة يواجهون به جبهة التحرير الوطني… فإن سياسي الغرب لم تكن لهم ردود فعل جادة، فلم يتكتلوا ولم يعلنوا صراحة رفضهم هيمنة الشرق، ربما يكون الاستثناء الوحيد في الحزب الذي أسسه أحمد بن بلا وسماه “الحركة من أجل الديموقراطية بالجزائر”. وتمركز أغلب أنصاره في الغرب الجزائري. إلا أن هذا الحزب أثبت مدى ضعفه في الانتخابات التى وقعت قبل تدخل الجيش وإجباره لبن جديد على الاستقالة، فلم يفز بنسبة جادة. وكان يبدو ضعيفا بالمقارنة مع حزب حسين آيت أحمد الذي وجد دعما كبيرا في منطقته بالقبايل. وهو ما يدفع إلى السؤال حول مدى وجود عصبية جهوية لدى سكان وسياسي الغرب تعمل فعلا على مواجهة سيطرة الشرق.
لم يكن هذا العامل حاسما في انحطاط الجبهة، لكنه ساهم بدوره في احداث خلل في توازنها الجهوي، وبالتالى أضاف لها عبئا آخر شارك في فقدانها لإشعاعها التاريخي.
إن تدقيق الباحث العلمي يدفعنا، حتى نقترب أقصى مايمكن من الموضوعية، إلى التنبيه والتذكير بأن جبهة التحرير كمشروع ثورة أو مشروع دولة، غير مسؤولة كلية عن العاملين الإثني أو الجهوي. فهما عاملان موروثان، من طبيعة المشهد الاجتماعي-السياسي الجزائري. ربما يكون للاستعمار الفرنسي أكبر دور في غرسهما وتنميتهما. ولكنها (جبهة التحرير) مسؤولة بالكامل في عجزها عن التخلص منهما أو ربما غياب إرادة سياسية جماعية في تصفية هذا الارث، الذي يمزق النشاط السياسي، يكون المسؤول الأول عن هذا الفشل. فهي لم تحارب جديا هذا الموروث، بل على العكس، تأثرت به وجعلته فاعلا في حيويتها، محركا في آلية عملها اليومي.

ج- وجهة نظر مخالفة

إن الاتجاه الذي أخذه هذا التحليل لا يجد عادة صدى إيجابيا أو موافقة عليه من أغلب النخبة السياسية في الجزائر. فمحي الدين عميمور مثلا، وهو كاتب وسياسي جزائري عمل مستشارا للرئيس الراحل هواري بومدين، كتب في صحيفة “الحياة” اللندنية ردا قويا على مقال لمحمد خليفة، يرفض فيه مسألة الصراع الإثني والجهوي في الجزائر. ومما جاء فيه قوله: “كان الرئيس بومدين ينتمي الى منطقة الشمال القسنطيني، والتناقض الأول الذي وقع المقال ان الرئيس ليس من الشاوية(…) وكان أقوى قادة الجيش هو العقيد قاصدي مرباح الذي كان قائدا للأمن العسكري، ومرباح من منطقة القبايل وليس من منطقة الشاوية. وكان المسؤول الأول عن التوجيه المعنوي للجيش (المحافظة السياسية) العقيد الهاشمي هجرس وهو أيضا من منطقة القبايل، وليس من الشاوية. وكان قائد سلاح الطيران هو العقيد سعيد ايت مسعودان، وهو ايضا من منطقة القبايل، كمسؤول للخدمات الاجتماعية للجيش (التعاونية) وهو العقيد عبد المجيد أوشيش. وكان قائد البحرية من الغرب الجزائري، وهو العقيد محمد بن موسى، وكذلك كان القائد الذي تلاه وهو العقيد (الجنرال في ما بعد) رشيد بن يلس، وكذلك مدير عام الصحة العسكرية العقيد طبيب محمد امير، بينما كان مسؤول الخدمات الطبية للبحرية الجزائرية من الشرق الجزائري (محي الدين عميمور).
وكان قائد سلاح المدرعات من الوسط، وهو العقيد سليمان هوفمان، وتلاه العقيد سليم سعدي، وهو من منطقة القبايل. وكان قائد النقل العقيد محمد بوزادة من الغرب، أما قائد الهندسة العسكرية الرائد رشيد ميدون فكان من منطقة القبايل، وتلاه العقيد عباس بن غزيل وهو من الشرق الجزائري. وكان قائد الكلية الحربية (شرشال) العقيد عباس وهو من الغرب الجزائري، وتلاه العقيد محمد صالح اليحياوي، وهو من الشرق الجزائري وكان قائد الناحية العسكرية الاولى (البليدة) العقيد سعيد عبيد، من الشرق الجزائري، وكذلك خلفه العقيد عبد الله بلهوشات، وكان قائد الناحية الثانية (وهران) والثالثة (بشار) من الشرق، وهما العقيد الشاذلي بن جديد والعقيد صالح سوفي.”
ويضيف محي الدين عميمور “ولعلي لاستكمال الصورة، استعرض قائمة أهم المناصب الحكومية في أول حكومات الرئيس بومدين. كان وزير الخارجية هو عبد العزيز بوتفليقة من الغرب الجزائري، وكذلك وزير الداخلية احمد مدغري، الذي تلاه محمد بن احمد عبد الغني.
وكان وزير الزراعة الطبيي العربي، وهو من الغرب، ووزير التجارة العياشي ياكر من منطقة القبايل، وتولى وزارة الصحة الدكتور تيجاني هدام (عضو مجلس الدولة فيما بعد) وتلاه الدكتور عمر بوجلاب، وكلاهما من الغرب، وتلاهما سعيد ايت مسعودان.
وكان وزير المالية اسماعيل محروق من منطقة القبايل، وكان مسيحيا، رغم العدد المحدود جدا من المسيحيين في الجزائر، وتلاه المرحوم عبد الملك تمام وهو من الوسط وكان وزير المجاهدين محمود قنز من الشرق وتلاه بوعلام بن حمودة (الامين العام لجبهة التحرير الوطني اليوم) من الوسط والذي شغل أيضا وزارات العدل والأشغال العمومية. وكان وزير الشؤون الدينية العربي سعدوني، وكذلك الوزير الذي تلاه وهو مولود قاسم من منطقة القبايل. وكان وزير التربية والتعليم عبد الكريم بن محمود من منطقة الوسط، وتلاه مصطفى لشرف، ولست أعرف منبته. وكان القائد العام للدرك الوطني أحمد بن شريف من الغرب الجزائري، بينما كان مدير الأمن الوطني أحمد درايا من الشرق الجزائري. وفي السبعينات نجد ان مؤسسة الرئاسة كانت تضم مناضلين من كل جهات الوطن، فكان بجانب الأمين العام الدكتور محمد أمير، ومحمد عميمور (مستشارا) والمستشارون إسماعيل حمداني (القبايل الصغرى)، احمد حوحات (القبايل)، ادريس جزائري (الغرب)، عبد المجيد بن قدادرة (الغرب). وكان هناك عبد العزيز بالخادم (رئيس المجلس الوطني فيما بعد) وابوبكر بلقايد (وزير الداخلية ثم الإعلام فيما بعد) وكلاهما من الغرب، ، وعبد المجيد أعلاهم، مدير التشريفات (الشرق)، وعبد الملك كركب، مدير الأمن الرئاسي من الغرب وتازير باشا، مدير الإدارة (الوسط) والمستشارون التقنيون علي زغدود ومحمد الهادي (الشرق).”
مناقشة الدكتور عميمور

إن هذا الرد يستدعي منا التعليقات التالية:
1- رد الدكتور عميمور تضمن معلومات قيمة ودقيقة، لكنها لا تغير كثيرا من الاتجاه العام للتحليل الذي قمنا به، وأردناه ان يكون علميا موضوعيا ومحايدا. ذلك أننا استنتاجنا تركز على أن أهم موقعي سلطة في الجزائر هما رئاسة الدولة ووزارة الدفاع. فهل أن الامر صدفة حينما نلاحظ احتكارا كليا من قبل العرب والشاوية لهما واستبعاد كامل للقبايل والموزابيين والطوارق. أما القول بأن بومدين ليس شاويا، فهي مسألة تستحق الدرس، لأن السؤال المطروح لماذا لم يشر أحد قبل ذلك لهذه المعلومة.
2- نتفهم طبيعة رد الفعل العصبي للمثقفين والسياسيين الجزائريين عندما يتناول النقاش قضية الصراع الإثني والجهوي في الجزائر. فالمسألة شديدة الحساسية، ولكن لا بد لهم من معرفة أن البحث العلمي لا يعرف محرمات. ومن حق الباحث ان يجتهد، وحينما يفعل لا يعد ذلك تدخلا في شؤون بلد او تامرا عليه. فهذه التهم يمكن ان توجه الى الدول وأجهزتها وليس للباحثين العلميين وهم على أية حال أول من يعترف بنسبية ما يصلون اليه. إننا حينما نكتب عن ما يحدث في الجزائر، يكون دافعنا عادة الحب والتقدير العاليين لهذا البلد ولثورته الخالدة.
3-إن القول بهيمنة العرب والشاوية على السلطة الحقيقية في الجزائر، لا ينفي تواجد الفئات الاخرى. فالدولة الجزائرية في نهاية المطاف ليست دولة طائفية. بل على العكس هي من اكثر الدول العربية عصرية وحداثة والأمل معقود عليها في أن تخرج من محنتها لتقدم نموذجا جديدا يحتذى به.
4- إن الحديث عن هيمنة إثنية أو جهوية ليست قضية خاصة بالجزائر. وغنما هي ثغرة تمس كل الانظمة العربية وغيرها في العالم الثالث. إنها مسألة متعلقة أصلا بإشكالية تشكل الدولة بعد خروج الاستعمار. والوضع في الجزائر قد يكون الأفضل من غيره في الدول العربية. ومن ثمة لاداعي للاحتجاج، فالسياسة في نهاية الامر هي جدل بين الصراعات الداخلية والصراعات الخارجية.
بقي ان نقول في نهاية هذا الفصل إن تدقيق الباحث العلمي يدفعنا، حتى نقترب أقصى مايمكن من الموضوعية، إلى التنبيه والتذكير بأن جبهة التحرير كمشروع ثورة أو مشروع دولة، غير مسؤولة كلية عن العاملين الإثني أو الجهوي، فهما عاملان موروثان، من طبيعة المشهد الاجتماعي-السياسي الجزائري، ربما يكون للاستعمار الفرنسي أكبر دور في غرسهما وتنميتهما. ولكنها (جبهة التحرير) مسؤولة بالكامل في عجزها عن التخلص منهما أو ربما غياب إرادة سياسية جماعية في تصفية هذا الارث الذي يمزق النشاط السياسي، يكون المسؤول الأول عن هذا الفشل، فهي لم تحارب جديا هذا الموروث، بل على العكس، تأثرت به وجعلته فاعلا في حيويتها، محركا في آلية عملها اليومي.
أدى هذا الفشل الشامل لجبهة التحرير الوطني علىكل الأصعدة إلى اندلاع أزمة عاصفة هزت الجزائر منذ أحداث أكتوبر/ تشرين الأول 1988 إلى اليوم.

المصدر:الحوار المتمدن