صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة 16

الجزء الثالث

الأزمة وسيناريوهات المستقبل

الفصـل الخامس

الأزمــــة

يختلف الجزء الثالث عن الجزئين السابقين من ناحية المقاربة والنتائج التي يمكن أن يصل إليها البحث. يمكن حصر هذا الاختلاف في مجموعة أسباب بعضها موضوعي وبعضها الآخر ذاتي. من الأسباب الموضوعية يمكننا التنبيه إلى عوائق مثل :
– إن مصادر البحث الموثوق فيها من كتب ودراسات علمية موضوعية تصبح شحيحة أكثر فأكثر كلما ابتعدنا عن سنة 1992 عندما اندلعت الأزمة بشكل صريح، وخاصة منذ 1994، سنة تولي اليمين زروال الحكم على رأس الدولة الجزائرية إلى اليوم، حيث يرأس السيد عبد العزيز بوتفليقة الجمهورية الجزائرية. إن مصادر البحث والمراجع الموثوق فيها التي تعالج هذه الأحداث الدقيقة الخطيرة كل الخطورة لما أفرزته من مجازر دموية تجاوزت كل حدود التفسير وإمكانية الإدراك قليلة جدا. يلزم البحث العلمي بعض الوقت ليبتعد عن الحدث زمنيا حتى يتمكن من استيعابه وفك رموزه وفهم علاقات العناصر الثابتة والمتغيرة التي صنعته.
– إن غموضا كبيرا شاب ما يحدث، حتى أن البعض يتهم أجنحة في السلطة بالمشاركة في إحداث المجازر ونسبها إلى الجماعة الإسلامية المسلحة.
– إننا نتابع في هذا الجزء الثالث تطور الصراعات الداخلية التي تخترق الجيش والدولة الجزائرية في إطار رد فعلها وموقفها من الجبهة الإسلامية للإنقاذ والجماعة الإسلامية المسلحة. إن ردود الأفعال والمواقف هذه متشابكة، متحركة، غير مستقرة وتمليها الظروف المحيطة بالتوازنات داخل الجيش مما يعقد أكثر إمكانية التصنيف. ولنذكر كذلك أن ما يحدث بين الأجنحة في المؤسسة العسكرية أو حتى بين السياسيين المدنيين المسؤولين على إدارة الدولة نادرا ما يطفح على السطح. فالسرية والكتمان ما زالتا تلازمان النخبة الحاكمة في الجزائر.
– إن المنهج الذي تم اتباعه في الجزئين الأولين واعتمد المقاربة التاريخية التحليلية يصبح في هذا الجزء عديم الفائدة، ذلك أننا نواجه أحداثا آنية تتلاحق في وتيرة متسارعة فلا تترك مجالا لعملية التأريخ. وجب إذن استبدال المنهج السابق بجهاز نظري جديد يمكنه تحليل أزمات العنف السياسي الكبيرة. وقع اختيارنا على النموذج النظري لشارلز تيلي Charles Tilly لفهم طبيعة العنف السياسي في الجزائر وأسباب فشله أو نجاحه.
أما في ما يتعلق بالعوائق الذاتية، فيمكن حصرها أساسا في علاقة الباحث بموضوع البحث. إننا نواجها عائقا إبستيمولوجيا كبيرا مفاده كيف يمكننا أن نكون موضوعيين ومحايددين تجاه أحداث عنف رهيبة تعصف ببلد يكن له الباحث مشاعر حب وتقدير خاصة. لقد انقسم مراقبو الملف الجزائري إلى منتصر للنظام أو للجبهة الإسلامية للإنقاذ. تلاشى التركيب وانتفى التقدير النسبي للأحداث. وتحولت الأحكام إلى أحكام قيمية Jugements des valeurs عوض أن تكون أحكام أفعال Jugements des faits . ومن ثمة وجب علينا، أن نحاول أن نقارب، نحلل ونستنتج في يقظة إبستيمولوجية حريصة على دقة البحث العلمي. رغم وعينا التام بإمكانية السقوط في مجال اتخاذ المواقف. وهو أمر في نهاية المطاف من حق الباحث ما دام لم يقدمها كحقائق وإنما كوجهة نظر حتى تكون نسبية، ذاتية وخاصة.
سنقسم هذا الجزء إلىفصلين. يتناول الأول الأزمة، أما الثاني فيتناول عملية استشراف مستقبلي لما يمكن أن يحدث في الجزائر. كما سنطبق في الفصل الأول نموذج تيلي الذي يفصل بين مرحلتين في كل عملية ثورية. سنحاول أن نفهم هل أن ما يحدث في الجزائر ثورة؟ وإن حدث ذلك ففي أي مرحلة هي الآن؟

انشغل كثير من الباحثين بظاهرة الثورة، خصوصا علماء التاريخ الذين ركزوا على المقاربات التاريخية فاستخدموا المنهج التاريخي التحليلي المقارن في دراساتهم للثورات الكبرى التى شهدها التاريخ بدءا من الثورة الفرنسية ومرورا بالثورة البلشفية، فالصينية، فبقية الثورات المعاصرة. وكثيرا ما يدمجون النظريات المنبثقة من علم الاجتماع في دراساتهم.
يعد تشارلز تيلي Charles Tilly أحد أهم هؤلاء المفكرين. يعرف الثورة على أنها انتقال السلطة من فريق إلى آخر. فالثورة هي “…بالضرورة انتقال للسلطة على مستوى الدولة، حيث يتصارع فريقان” . ويحاول تيلي أن يقدم نموذجا نظريا يفسر به عملية الثورة مستخدما مناهج علم التاريخ ونظريات علم الاجتماع معا. يقسم عملية الثورة إلى مرحلتين. سمى الأولى “الوضعية الثورية” (Revolutionnary Situation) في حين أطلق على المرحلة الثانية صفة “النتيجة الثورية” (Revolutionnary Result). وحدد لكل مرحلة عوامل محددة لاندلاعها. “الوضعية الثورية” عادة ما تأتي على إثر الأزمات السياسية الكبرى، كنهاية الحرب بهزيمة، أو تفكك إمبراطورية وتتسبب فيها ثلاثة عوامل مباشرة يحددها في:
1- بروز مرشحين أو تحالفات مرشحين يطالبون بالسلطة والسيطرة على كل الدولة أو على أحد مكوناتها.
2-التزام مجموعة هامة من المواطنين بهذه المطالب وانضمامها إلى هذا التحالف.
3-عجز الماسكين بالسلطة عن القضاء على التحالف المعارض أو حتى غياب إرادة ردعه .
إن توفر هذه العوامل الثلاثة معا، يعني توفر “حالة ثورية” يمكنها بدورها أن تؤدي إلى “النتيجة الثورية” التي تحدث حينما تنتقل السلطة من يد الماسكين بها في الماضي إلى أيد تحالف جديد يمكنه أن يشمل بعض أعضاء السلطة القديمة. ويساعد على نجاحها مجموعة العوامل التالية:
1-انقسام النخبة الحاكمة وتفككها لصالح التحالف الجديد الذي يستقطب بعض أعضائها. إن هذا العامل ينسجم كلية مع موضوع كتابنا الأساسي. إنها الثغرة الحاسمة التي تنجح من خلالها أية ثورة. فكلما تفككت النخب الحاكمة أكثر إلا ونجحت المعارضة في تحقيق أهدافها. والعكس صحيح أيضا، فكلما اتحدت النخب الماسكة بالسلطة في وجه خصومها، إلا وازدادت حظوظها في القضاء على المعارضة الثورية.
2-استخدام التحالف الثوري للقوة المسلحة بشكل هام ومكثف. وهو ما توفر في الحالة التي نحن بصدد دارستها من خلال بروز تنظيمي “الجيش الإسلامي للإنقاذ” و”الجماعة الإسلامية المسلحة”.
3- خيانة أو حياد الجيش الذي يحمي النظام. وهو ما لم يحدث في الحالة الجزائرية.
4-الوصول إلى الحكم والاستيلاء على أجهزة الدولة . “…وحينما تحدث كل هذه العوامل بسرعة، فإن ثورة في الحكم تتم”.
ويعترف شارلز تيلي أن الوضعيات الثورية التي تفرز نتائج ثورية عددها قليل، إذ كثيرا ما ينجح أصحاب السلطة في محافظتهم عليها وانتصارهم على المعارضة التى سبق وأن تحدتهم . لكنه يرى أن تمييزنا بين الوضعية الثورية والنتيجة الثورية يتيح لنا إدراكا أحسن للعلاقات التي تربط كثيرا بين أشكال الأعمال السياسية ذات المكونات الثورية.