صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة 18

تواصل النمط الجديد

مثلت الانتخابات التشريعية التى جرت في 5 حزيران/يونية 1997 تواصلا لنتائج الانتخابات الرئاسية السابقة. وهو ما يبينه الجدول التالي:

جدول رقم (16) نتائج الانتخابات التشريعية ل5 حزيران / يونيه 1997
الأحزاب المقاعد
التجمع الوطني الديموقراطي 156
حركة مجتمع السلم (حمس) 69
جبهة التحرير الوطني 62
حركة النهضة 34
جبهة القوى الاشتراكية 20
التجمع من أجل الثقافة والديموقراطية 19
حزب العمال 4
المستقلون 11

عبرت هذه الانتخابات عن تواصل مشروع السلطة الذي تبلور في الانتخابات الرئاسية السابقة. أما النجاح الباهر الذي حققه الحزب الجديد : التجمع الوطني الديموقراطي (تأسس قبيل إجراء الانتخابات ببضعة أشهر)، فهو في حقيقة الأمر انتصار للرئيس اليمين زروال نفسه، أي هو دعم للمشروع الرئاسي الذي مثله. كما عبرت عن قبول السلطة بالتعايش مع ما تسميه بالإسلام المعتدل، فحصلت كل من حركتي حماس والنهضة مجتمعتين على 103 مقعد. كما نجحت السلطة في إكساب الانتخابات مصداقية من خلال مشاركة ثلاثة أطراف ممضين على عقد روما في هذه الانتخابات.

الانتخابات الرئاسية ل14 أبريل/نيسان 1999

إن أهم ملاحظة يمكن من خلالها أن نفرق بين درجة الاختلاف في الأطروحات السياسية تعود إلى مدى القبول بفكرة عودة الجبهة الإسلامية للإنقاذ وإجراء عفو شامل عبر عملية مصالحة وطنية واسعة النطاق. وفي هذه النقطة يمكن رصد الترتيب التالي: أتي الإبراهيمي وجاب الله على رأس الداعين لفتح صفحة جديدة مع الحزب المحظور، تلاهما حسين آيت أحمد ومولود حمروش، ثم أخيرا عبد العزيز بوتفليقة، مقداد سيفي ويوسف الخطيب. تمثل المجموعتان الأولى والثانية أطروحة عقد روما. أما المجموعة الأخيرة فهي تعبر عن تصور السلطة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية لكيفية حل الأزمة. بهذا الشكل، نستخلص أن الاتجاه العام متفق عليه وهو البحث عن مخرج للعنف المستمر منذ حوالي ست سنوات، أما الاختلاف فيعود إلى درجة الانفتاح والحوار وليس إلى المبدأ.

جدول رقم (17) نتائج الانتخابات الرئاسية ( 15 أبريل/نيسان 1999)
المرشح عدد الأصوات النسبة المئوية
عبد العزيز بوتفليقة 7.442.139 73.79
أحمد طالب الإبراهيمي 1.264.094 12.35
سعد عبد الله جاب الله 398.416 3.95
حسين آيت أحمد 319.523 3.17
مولود حمروش 311.908 3.09
مقداد سيفي 266.371 2.24
يوسف الخطيب 122.826 1.22

نجح الرئيس الجديد عبد العزيز بوتفليقة بنسبة 73.79% مع نسبة مشاركة وصلت إلى 60.25% وهو ما يعتبره كافيا لأن يكون رئيسا شرعيا للجزائر. لكن يبدو لنا في نفس الوقت صعوبة تحليل نتيجة هذه الانتخابات لأنها تحولت من انتخابات تعددية إلى مجرد استفتاء لا أكثر حول شخصية السيد عبد العزيز بوتفليقة. غير أنه من الممكن ملاحظة بعض المؤشرات الدالة مثل المرتبة التى احتلها السيد أحمد طالب الإبراهيمي أو السيد عبد الله جاب الله الذي جاء بعده في الترتيب. فرغم مقاطعتهما للانتخابات فإن نسبة هامة توجهت إلى مرشح “الإسلاميين الأول” أحمد طالب الإبراهيمي بفوزه ب12.5 بالمائة من الأصوات.

لم تفقد الجبهة الإسلامية فقط أنصارها “المسالمين” وإنما فقدت أكثر قواها تطرفا والتزاما بضرورة الحركة العنيفة في سبيل تحقيق ما سمته بالدولة الإسلامية. لقد خرج عنها مناضلوها المتطرفون حينما شكوا في أسلوبها السلمي عندما اختارت الوصول إلى الحكم من خلال الانتخابات. فحينما وقع حلها خرجوا عليها وأعلنوا تأسيسهم للجماعة الإسلامية المسلحة GIA وحاربوها بعد أن كفروها ورموها بالخيانة…وكثيرا ما قاموا بعمليات قتل وحشي ضد أنصارها وفي المقابل لم يتمكن الجيش الإسلامي للإنقاذ، الجناح العسكري للجبهة، من بسط نفوذه والتصدي للجماعة الإسلامية المسلحة واكتفى بإعلان الهدنة من جانب واحد سنة 1998 مع الجيش الجزائري…وربما يكون أراد التفرغ لمحاربة الجماعة التي يتهمها بالخروج عن الشرع.
انتصر النظام الجزائري ونجح في تفتيت المعارضة الإسلامية المسلحة، تمكن من تحييد جيش جبهة الإنقاذ أو حتى التعاون معه من جهة ومن اختراق وتفتيت الجماعة الإسلامية المسلحة من جهة ثانية…لكن هذه النجاحات الميدانية التي بدأت تتكاثر منذ سنة 1995 لا يمكنها إخفاء حقيقة أن الجيش الجزائري يبدو عاجزا حتى اليوم عن القضاء نهائيا على الإسلام المسلح.

ج-عجز السلطة في القضاء على المعارضة المسلحة

يتمثل العامل الثالث حتى تحدث “وضعية ثورية” مواتية، حسب شارلز تيلي، في عجز السلطة عن وضع حد للمعارضة التى تود الانقضاض على الحكم بالقوة، وفي عجزها عن فصل هذه المعارضة فصلا كليا عن الدعم اللوجيستيكي الذي يأتيها من قبل قسم من المواطنين أو حتى من قبل دعم أجنبي يأتي من خارج البلاد.
إن توفر هذا العامل أثبتته الأحداث كما أشرنا إلى ذلك في الفقرة السابقة. والسؤال المطروح على السلط الجزائرية هو كم يلزمها من الوقت حتى تنهي ظاهرة الإسلام المعارض المسلح؟ يبدو من خلال الأحداث أن إجابة تقنية على هذا السؤال مسألة صعبة إن لم تكن مستحيلة. فما هي الأسباب التي جعلت من جيش قوي كالجيش الجزائري، يتمتع بإمكانات مادية وبشرية هائلة، يعجز عن القضاء على بضعة آلاف من المقاتلين غير المنظمين؟

يتشكل الجيش الجزائري من حوالي 165 ألف رجل: يمثل القوات البرية 120 ألف، ويشكل 35 الف منه قوات الدرك الوطني، و16 ألف قوات الشرطة، وألف واحدة تمثل الحرس الجمهوري. إضافة إلى المخابرات الجزائرية التي تمثلها إدارة الأمن والاستعلامات، أي ما كان يعرف سابقا بالأمن العسكري. عجزت في الواقع كل هذه القوى مجتمعة ورغم امتلاكها لقوة جوية ضارية وعتاد حربي ثقيل متنوع ومتطور، عن إنهاء العنف المسلح المعارض للدولة. ورغم مضي حوالي 7 سنوات من القتال فإنها لم تحسم بعد الحرب لصالحها. لا بد من إيجاد تفسير تقني واجتماعي لهذا العجز.
إذا حاولنا تفسير هذا العجز من زاوية تقنية بحتة وليس من ناحية سياسية سوسيولوجية، فإنه يمكننا تقديم العامليين التاليين:

أولا: إن الجيش الوطني الشعبي الجزائري الذي بناه هواري بومدين تغيرت عقيدته العسكرية وتحولت من جيش مدرب على خوض حرب العصابات، حينما كانت مهمته تحرير البلاد، إلى جيش تقليدي ثقيل يقوم على العقيدة العسكرية الروسية التي تعتمد على إستراتيجية الهجوم الجبهوي المدرع مع مساندة جوية مكثفة تقوم بها الطائرات. كما أن العدو العقيدي للجيش الجزائري تمثل دائما في الجيش الملكي المغربي حيث اشتبكا في حرب صغيرة سنة 1963 عرفت بحرب الصحراء(La guerre de sable). واستمرت الاشتباكات الحدودية في أكثر من مرة، وتكثفت مع دعم الجيش الجزائري لجبهة البوليزاريو. إن قادة الجيش الجزائري لم يتوقعوا يوما أن يطلب منهم مقاتلة أشباح يفرون ويكرون ويختبئون في الجبال والغابات والأدغال الكثيفة متسلحين بسلاح خفيف. كان لابد للجيش الجزائري الكثير من الوقت حتى يتكيف مع حرب العصابات الجديدة ويعيد تدريب ضباطه وجنوده على أساليب هذه الحرب. والأكثر من ذلك خلق قيادة مشتركة تنسق بين مختلف الأسلحة وتعمل في سرعة فائقة حتى يمكنها تحقيق انتصارات على أرض الميدان. حدث تطور كبير منذ سنة 1995 في كافة هذه المجالات، ولم يعد الجيش يسقط بسهولة في كمائن الجماعة الإسلامية المسلحة، كما لم يعد بطيئ الحركة. وتفطن إلى أهمية استخدام الحوامات بشكل كثيف. كما درب جنوده وضباطه على هذه الحرب فحقق انتصارات كثيرة أهمها انتصاره في معركة عين دفلى سنة 1995.

ثانيا: يمكن تفسير عجز الجيش الجزائري أيضا بنظرية التضاريس. فالجزائر بلد شاسع ذو مساحة كبيرة جدا تصل إلى أكثر من مليونين وربع كلمتر مربع (تحديدا: 2.381.741 كلم2) وبالتالي، لا يمكن لقوى الأمن والجيش أن تراقب كل الحدود وكل شبر من أراضيها في الداخل. إن عدد أفراد قوات الأمن والجيش مشتركة يعد قليلا إذا ما قورن بالمساحة الهائلة لهذا البلد. لكن هذه الحجة لا تكفي لوحدها، لا بد من إضافة عائق آخر يواجه الجيش الجزائر وهو طبيعة الأرض التي يقاتل عليها. هذه الأرض تتميز بجبالها الكثيفة الوعرة التي تمتد في الشمال من الحدود التونسية شرقا إلى الحدود المغربية غربا. أما الجنوب الصحراوي الذي يمثل حوالي ثلثي مساحة البلاد فهو خال من أي نوع من المعارك. ومعروف أن الصحاري لا يمكن أن تقدم أي خدمة لمقاتلي حرب العصابات. هي مرتع خصب للمدرعات وخاصة القوات الجوية التي يمكنها مسحها مسحا في زمن قصير وبسرعة فائقة وتبيد كل كائن حي يتحرك فيها. إن هزيمة 5 حزيران /يونية 1967 التي منيت بها القوات المصرية في صحراء سيناء دليل واضح على أن الصحراء تنهزم بسرعة أمام التفوق التكنولوجي . بقيت إذن أدغال وجبال الشمال الوعرة التى قدمت عونا حاسما للإسلام المسلح حتى يصمد طيلة هذا الوقت ويهدد الدولة التي خرج عليها من حين لآخر. إن أحراش الجزائر وجبال الأوراس والقبايل والغرب كلها مناطق مثالية لحرب العصابات. لقد عجزت فرنسا أثناء حرب التحرير عن إبادة ثوار جبهة التحرير الوطني الذين لم يتجاوزوا بضعة آلاف في الداخل سيئي التسليح رغم استخدامها لكافة قواتها الثقيلة، ولعدد ضخم من الضباط والجنود تجاوز نصف مليون، واستخدام كبير للطائرات وقصف مكثف ودائم بالنابالم. لم تقدر على القضاء على الثوار المختبئين في الجبال. هذه الجبال هي نفسها التي حمت الجماعة الإسلامية المسلحة ومقاتلي جيش الإنقاذ. إن نفس العامل يمكنه تفسير أسباب انتصار الثوار الفياتنامين ضد القوات الأمريكية، أو الأفغانيين تجاه الاحتلال السوفياتي…وفي المقابل يفسر نفس العامل عجز الحركات الإسلامية عن العمل المسلح في بعض البلدان العربية مثل تونس أو دول الخليج العربي، أو الأردن…وفي مصر تتخفى الجماعات الإسلامية المسلحة في مزارع قصب السكر في الصعيد حتى تتمكن من الاستمرار. وتجد السلطات المصرية نفسها مضطرة لإزالة هذه المزارع حتى تتمكن من استئصال العنف المسلح نهائيا…

أما إذا تناولنا عجز السلطات من زاوية سياسية غير تقنية، فإن مجموعة من الملاحظات تفرض نفسها وتتقدم بدورها لتفسر هذا العجز.
إن أول ملاحظة تتمثل في وجود مساندة فعلية لبعض شرائح المجتمع الجزائري للعنف المسلح المضاد للدولة. لكن الواضح أيضا أن هذه المساندة في تناقص شديد منذ سنة 1995. ويعود سبب تناقصها إلى إدراك المساندين لحقيقة جديدة وهي استحالة انتصار العنف الإسلامي عسكريا على الدولة الجزائرية وبالتالي استيلائه على السلطة. وتكون النتيجة عادة أن ينقلب جزء كبير من هؤلاء المساندين على مواقفهم السابقة نحو الحياد أو حتى الانضمام إلى النظام القائم نفسه والمنتصر في المعركة. إن المعارك السياسية الكبرى كثيرا ما تتحول إلى حسابات ربح/خسارة لدى المناضلين فيغيرون مواقفهم تبعا لاتجاه مصالحهم.
إن أهم نتيجة من هذا التحليل تنحصر في وجود هذه المساندة سياسية (الانتخابات) أو حتى عسكرية (الدعم اللوجيستيكي) بشكل قوي وفعال بين سنوات 1989 و1995. لكنها بدأت في التراجع والتقلص الشديد لصالح السلط الحاكمة. من الممكن أيضا الاستنتاج أن الفئات الاجتماعية الأكثر حرمانا، الأكثر فقرا هي التي صمدت مع الإسلام المسلح وواضبت على تغذيته بالطاقة البشرية . تفطنت السلطات الجزائرية إلى ضرورة قطع هذا الدعم وذلك من خلال تعبئة جماهير الفلاحين لصالحها حتى تراقب وتستعيد السيطرة على الريف بعد أن نجحت في السيطرة على المدن. فقامت بتنظيم “جماعات الدفاع الذاتي” و”الوطنيين” ليعملوا لحسابها في مواجهة الحركات الإسلامية المسلحة، وتجاوز عدد أفراد هذه الميليشيات 200 ألف عنصر، أي أن عددها يبلغ ضعف عدد أفراد الجيش الجزائري نفسه. وهي أيضا تفوق عدد مقاتلي الجيش وكافة قوى الأمن الجزائري مجتمعة. اتهمت المعارضة السياسية النظام الجزائري ب”خصخصة الحرب” لأنه أثبت عجزا على الميدان في مواجهة المعارضة المسلحة وبالتالي وضعت شرعيته محل تساؤل. فالعنف المسلح هو من احتكار الدولة على تعبير ماكس فيبر Max Weber.

المصدر:الحوار المتمدن