سوسيولوجيا الجهاد والعنف في الجزائر: خطابا وممارسة6

يهدف هذا الفصل إلى البحث في مستويين من العنف الحاصل في الجزائر. يعتمد المستوى الأول تحليل الخطاب Discours. أما المستوى الثاني فيتعلق بالحركة Action. مع تبنينا لمقولة أن الخطاب نفسه يمثل في أحد صوره حركة. فالكلمة يمكن أن تكون إرهابا.
يعرف عالم الاجتماع الأمريكي تشارلز تيلي Charles Tilly العنف الجماعي كتفاعل بين أشخاص أو أشياء تحدث فيهم خسارة أو تلف. فهو يعتبر أن “العنصر الرئيسي في محاججته يكمن في تأكيد أن العنف الجماعي ليس، في أغلب الأحيان، نتيجة احتداد المشاعر، أو نتيجة لموقف او فكرة معينة لمجموعة من الأشخاص في لحظة تاريخية دقيقة، ولكنه في الحقيقة هو نتاج تفاعل إستراتيجي بين كثير من المجموعات”. أما دومنيك فيزلار Dominique Wisler فيقول بصدد العنف “يخيل إلينا عادة أن العنف السياسي ينبع من خارج الواقع الاجتماعي المعيش. وعند بروزه المفاجئ الصدامي، نلتجأ إلى وصفه بالقطيعة، باللاعقلانية، ثم نطلب من علم النفس أن يفسره لنا” .
ويلاحظ بيتر سانت جان Petet St. Jean أن المجتمع الجزائري يتميز بثقافة سياسية لا تسمح بالانشقاق، ذلك أنها ثقافة لا تمتلك آليات تمكنها من حل صراعاتها سلميا وتتطور بشكل سليم. إن أي تغيير محكوم عليه أن يمر من خلال العنف.
يرتبط عنف الإسلاميين في الجزائر بنسق فكري عقائدي بشكل وثيق. يتميز هذا النسق بغلبة صفة دينية أسطورية عليه. إنه حسب اعتقادقهم واجب، أو فرض باللغة الدينية، يجب على كل مسلم تأديته. إنه الجهاد.

1- في سوسيولوجيا خطاب الجهاد
حاول الفكر الديني الإسلامي، عبر هذا المفهوم، تقسيم العالم إلى قسمين متقابلين: أي دار الإسلام من جهة ودار الحرب من جهة أخرى. فبالنسبة إلى الأرثودكسيين الإسلاميين ، يعد الجهاد حربا تخاض ضد الآخرين، كما تخاض ضد الأنا. أي أنها ضد العدو الخارجي كما هي في نفس الوقت ضد العدو الداخلي، أي النفس. أي ضد ضعف المسلم وعدم كماله.
بالنسبة إلى “الجهاد” ضد العدو الداخلي المتمثل في النظام القائم، يتمزق الإسلاميون الجزائريون، مثلهم مثل كل الحركات الإسلامية السنية، بين خيارين استراتيجيين متناقضين. الخيار الأول يعتمد على مفهوم الأسلمة من القاعدة في حين يعتمد الخيار الثاني على مفهوم الأسلمة من القمة. هذا التقسيم وقع التفطن إليه والتنظير له من قبل بعض الباحثين الغربيين المهتمين بالحركات الإسلامية. يعتبر جان فرانسوا بايار Jean François Bayart أول من انتبه إلى هذا التقسيم عندما ميز بين العمل السياسي من القمة والعمل السياسي من القاعدة. ثم طبقها فيما بعد على الحركات الإسلامية عالم الاجتماع الفرنسي جيل كيبيل Gilles Képel وزميله المختص في الحركات الإسلامية أوليفياي روا Olivier Roy اللذان ميزا بين أسلمة ثورية من القمة وأسلمة اجتماعية من القاعدة. يرى كيبيل أن تطور الاحتجاج الإسلامي لم يتم في “منهج خطي”. فهو ينبهنا إلى تغيير في إستراتيجية الحركات الإسلامية منذ سنوات الثمانين. منذ هذه السنوات ” فضلت الحركات الإسلامية التى شدت انتباه السلطات ووسائل الإعلام (…) عملية الأسلمة من القمة”.
إن الاتجاه الذي يعتمد على الأسلمة من القاعدة يعكس دائما منهجا سلميا في العمل السياسي. فهو يلفظ صراحة العنف، ويؤمن بالتربية والتعليم الذان لابد أن يشملا كل السكان، كل طبقاتهم حتى ولو تناقضت اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. فهم يهدفون على مدى بعيد إلى امتصاص كل المعارضات التى تواجه مشروعهم الإسلامي. ومن ثمة أسلمة المجتمع كافة، بما فيه مؤسسات الدولة مثل الجيش والشرطة والأحزاب السياسية والنقابات…يعتقد هذا الاتجاه أن الزمن سيلعب في نهاية المطاف لصالحه. يمكننا تلخيص هذه الإسترايجية في الرسم التالي:

أجهزة الدولة

المجتمع المدني

الجماهير
الأسلمة من القاعدة نحو القمة
نجد لهذا الخيار تجسيدا في حركات الإخوان المسلمين خاصة في مصر والأردن وكذلك في “حمس” في الجزائر أو حتى تيار الجزأرة في الجبهة الإسلامية للإنقاذ المنحلة.
أما الخيار الثاني فيتعلق بالأسلمة من القمة. هذه الإستراتيجية تعتمد على العنف المسلح للوصول إلى السلطة. فهي تعتقد في الجهاد في بعده المادي وليس الروحي. وترى أنه لا بد للحركات الإسلامية من الانقضاض على أجهزة الدولة حتى تؤسلم المجتمع بالعنف، عنف الدولة المنظم على حد تعبير ماكس فايبرMax Weber. إنها ترفض “جاهلية المجتمع” وتهدف إلى إعادة صياغته طبقا لما تعتقده “الشريعة الإسلامية”. يمكن عرض هذا الخيار في الرسم التالي:
الأسلمة من القمة

أجهزة الدولة

المجتمع المدني

الجماهير

تعتقد هذه الإستراتيجية أنه يجب على الحركة الإسلامية، وهي حركة عالمية تهدف إلى تأسيس ما يماثل أممية إسلامية، أن تستخدم العنف حتى تستولي على السلطة متجسدة في أجهزة الدولة وخاصة القوات المسلحة والشرطة للتمكن لاحقا من بناء المجتمع الإسلامي. فالدولة القهرية هي التي يجب أن تبني المجتمع الذي يناسبها وليس العكس. لقد تأثرت هذه النزعة-الإستراتيجية بمفكرين معروفين، هما السيد قطب من مصر وأبو الأعلى المودودي من باكستان. لقد برر الاتجاه المتطرف في كل من الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو لدى الجماعة الإسلامية المسلحة أعمال العنف التى قاموا بها أو مازالوا يقومون بها معتمدين على مثل هذه المراجع السياسية الدينية. ومن ثمة لابد من التطرق لأفكار هذين المفكرين.
يشرح عالم الاجتماع الفرنسي برتران بادي Bertrand Badie في كتابه “الدولتان” Les deux Etats مسألة الجهاد فيكتب “أن واجب المؤمن لم يعد قاصرا على احترام وجوب الأمير والحاجة إليه ، حتى ولو كان غير عادل، ولكنه على العكس، يتعدى ذلك ليصل إلى معركة تحرير الإنسان من عدوه الداخلي كما من عدوه الخارجي. أي من الكافر كما من المؤمن الذي يعمل لصالحه أو ببساطة يقلده”. ويضيف بادي “إن المعركة من أجل الـله تصبح مطلقا حتى أن حجة الفرصة أو الضرورة لا يمكنهما أن يوقفانها: إن هدفها هو الجاهلية، التى لا توجد في أي واقع جغرافي، وإنما تعني فقط كل نقص في نظام الحقيقة. ومن ثمة يصنف في نفس الخانة فرعون الأمس أو فرعون اليوم. الأمير الغربي المشرك أو الأمير الشرقي الكافر. القتل، الطغيان أو الثورة جميعهم مقبولين في هذا المشروع، بما أنها عمليات تساهم في إعادة بناء الأمة وذلك في مواجهة فتنة لا يمكن نسبها إلى الحركات الاجتماعية ولكنها تدرك من أجل أن يحدد فعل الأمير الذي لا يطيع القانون” . فالخطاب القطبي يعتقد أن الجاهلية تمثل الانحراف عن نهج الإسلام ماضيا أو حاضرا. يقول السيد قطب : “فنحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التى عاصرها الإسلام أو أظلم. كل ما حولنا جاهلية…تصورات الناس وعقائدهم، عاداتهم وتقاليدهم، موارد ثقافتهم، فنونهم وآدابهم، شرائعهم وقوانينهم، حتى الكثير مما تحسبه ثقافة إسلامية، ومراجع إسلامية، وفلسفة إسلامية، وتفكيرا إسلاميا…هو كذلك من صنع هذه الجاهلية” .
ومن هنا يصبح خطاب الإسلاميين خطاب جهاد. يرى السيد قطب أن الجهاد لا يجب أن يكون مقتصرا على دار الحرب بل لا بد أن يتعداه إلى دار الإسلام عندما نجد أن الحاكم أو السلطان لا يطبق قوانين الـله.
أما أبو الأعلى المودودي فهو يميز بصرامة بين “الجمهورية الإسلامية” و”الجمهورية الغربية”. ففي هذه الأخيرة تأتي السلطة من الجماهير: “إن صلاحيات الحكم وتنفيذ الأوامر (…) هي من احتكار الجماهير التى تمسك بدواليب السلطة، تشرع الجماهير، وتطبق كل التشريعات التي تعرضها. النتيجة، “أن هدف مثل هذه الحكومات سينحصر في أفضل الحالات في البحث عن تعاطف جموع المواطنين الذين يشكلون السلطة” أما في الإسلام فإن السلطة ملك للـه وحده. وأخيرا يعتقد “أن الجماهير مجبرة في الإسلام على التشبث وتطبيق القوانين الشرعية المقدسة التى جاء بها الرسول. ومن جهة أخرى فإن اختيار الأمير يجب أن يمر عبر معايير محددة سلفا بدقة مثل “تقواه”، “معرفته الكاملة بالإسلام” و”قدراته على تصريف شؤون الحكم” . ويفسر عبد الغني عماد رأي المودودي بتأثره الشديد ببيئته. ويقول إن السبب يمكن في “مناخ الحصار حيث يعيش المودودي عقدة الاضطهاد الاستعماري وقهر الأغلبية الهندوسية التى ترفع شعار : السيادة للأمة، والدولة الديموقراطية، وهذه الشعارات إذا ما طبقت فسوف تحول الأقليات الإسلامية إلى جاليات مقهورة ومغلوبة. في ظل هذا المتاخ بدأ استخدام مفهوم الجاهلية الجديدة” و”الحاكمية للـه” بكثافة من قبل المودودي” .
لا بد من التنبيه مرة أخرى أن قسما كبيرا من الإسلاميين الجزائريين، خاصة المنتمين إلى حركتي “حمس” أو “النهضة”، وحتى في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، بقوا حذرين تجاه هذا الفكر “الثوري”. ويعود ذلك إلى تأثير فكر الإخوان المسلمين المصري بقيادة مأمون الهضيبي وبدعم وتمويل المملكة العربية السعودية التى تحاول دائما أن تربط الإسلام “المعتدل” بنفوذها. أما النزعة المتطرفة الجهادية فهي تتجسد عمليا في الجماعة الإسلامية المسلحة، ونظريا في الفكر السلفي لعلي بن حاج الذي لم يتورع في خطبه أو رسائله عن الدعوة إلى الجهاد. فهو يقول: “إن موقفي الآن هو نفسه موقف ذلك المجاهد الذي يقاتل في سبيل الـله والذي يعتقد في نفس الوقت أن الإسلام هو دين الكرم والتسامح ودين القوة، دين الجهاد والصوت ضد كل متكبر عنيد. إنه دين يجمع بين الكتاب الصحيح والسيف الغازي” . ويعتقد الإسلاميون الجزائريون أن مفهوم الجهاد ليس جديدا بل هو مفهوما راسخا لدى الشعب الجزائري وفي ثقافته الثورية التى واجه بها الاستعمار الفرنسي.

المصدر:الحوار المتمدن