سقوط صدام حسين: الملفات السرية 5

الهروب إلى سوريا ومصر

هرب صدام إلى سوريا في رحلة يصفها أمير إسكندر بنفس الأسلوب الشاعري البطولي والملحمي… وبعد وصوله إليها، قرر الانتقال إلى القاهرة حيث أمضى فيها 4 سنوات متتالية. وهذه المدة التي أمضاها في مصر تمثل تجربته الوحيدة في الإقامة في بلد آخر غير العراق.
أعطته الحكومة المصرية منحة جامعية مكنته من إكمال دراسته الجامعية في القانون حيث بدأها في سنة 1961 وأنهاها وقد بلغ عمره 24 سنة دون أن يحصل على الليسانس.

وفي مصر تم اعتقاله مرتين: المرة الأولى بسبب تهديده بالقتل لصديق عراقي بسبب اختلافهما في النقاش السياسي، والمرة الثانية بسبب مطاردته في شوارع القاهرة وهو مسلح بسكين لطالب بعثي يعد من أصدقائه. هذا الطالب أصبح لاحقا وزيرا للإعلام في الحكومة الأردنية .

وفي مصر أيضا، تزوج صدام ابنة خاله ساجدة سنة 1963. وفي هذه السنة وقع الانقلاب على عبد الكريم قاسم وقتله من قبل البعثيين والناصريين. سارع صدام بالعودة إلى العراق للالتحاق بالثورة التي اندلعت وليبحث له عن دور فيها.

بعد سقوط بغداد، قام صحافي من جريدة البيان الإماراتية بزيارة الأحياء التي عاش فيها صدام حسين في القاهرة وسأل المصريين الذين اختلطوا به عن رأيهم فيه. ويجمع الصحفي ناصر حجازي مجموعة من الشهادات حول إقامة صدام حسين في القاهرة. فالمجموعة الأولى إيجابية جاءت في صالحه أما المجموعة الثانية فقد انتقدته.
بالنسبة للشهادات الطيبة يعرضها الصحفي كالتالي: “انتقلنا إلى المبنى السابق لرابطة الطلاب العراقيين والذي تحول هو الآخر إلى عيادة طبية، هناك قابلنا سعيد عبد الرحيم (30) سنة أحد الجيران وصاحب سوبر ماركت. قال أن ما يعرفه عن صدام هو روايات وأخبار من أصدقائه القدامى مثل الدكتور لويس نجيب صاحب ومدير صيدلية سميرا ميس، والمرحوم على الذي كان يعمل في الصيدلية.. كانت الحرب هي شاغل سعيد الأول طوال الأيام الماضية ولأنه استمع إلى الكثير من الدكتور لويس عن صدام، سأله.. هل يمكن أن يعقد صدام صفقة مع أمريكا ويغادر العراق؟.. رد د.لويس: من معرفتي بصدام هو لا يفعل ذلك..
اجتر سعيد ذكريات سمعها من «عم علي» العامل بالصيدلية عن صدام، فقال: قال لنا عم علي أن صدام غادر القاهرة فجأة عام 1963 مما أغضب أصدقائه، خاصة وأنه كان مدينا لبعضهم بمبالغ مالية، لكن كما اختفى فجأة ظهر أيضا فجأة سنة 1968 في قمة السلطة في بغداد كأحد أهم كوادر «حزب البعث» العراقي. ويضيف سعيد أن صدام وقتها وصل أصدقائه القدامى وسدد ما عليه من ديون، بل وجعل من شارع الدقي بندا رئيسيا خلال زياراته المتتالية للقاهرة.. ويؤكد سعيد أن «صدام» كان يتابع دوما أخبار أصدقائه في القاهرة، حتى أنه دعاهم جميعا لزيارة العراق أثناء الاحتفال بتحرير شبه جزيرة «الفاو» خلال الحرب العراقية الإيرانية، وهناك تم استقبالهم كرؤساء دول” .
أما مجموعة الشهادات التي تبرز صدام في شكل شاب عنيف متعصب وكثير الشجار فقد جاءت كالتالي: “أرشدنا سعيد إلى مقهى ومطعم «انديانا» الموجود في أول شارع الدقي، حيث كانت جلسة صدام المفضلة مع رفاقه.. مثل الكاتب الصحفي محمود السعدني، والكاتب والروائي ابراهيم الورداني وغيرهما، ولم نجد بالمقهى من عاصر تلك الأحداث.. لكنهم أرشدونا إلى الحاج مرسي منصور.. وهو سمسار عقارات بالمنطقة وأحد شهود العيان على جلسات صدام في مقهى انديانا، والذي قال: لم تخل جلسات صدام حسين من المشاجرات والمشاحنات بسبب تعصبه لأرائه ومبادئه مما جعل الكثيرون يتحاشون التعامل معه، وأنا منهم ـ والكلام مازال للحاج مرسي ـ لكن ذلك لا يمنع القول بأن صدام كان وفيا لاصدقائه، لين الجانب معهم، وعندما سألنا الحاج مرسي عن أصدقاء صدام قال أن المرحوم جلال الحلاق كان صديقا شخصيا لصدام، وكان صالونه مكانا مفضلا لصدام، لكن الصالون تحول الآن الى «مقلة لب» – أي محل لبيع اللب والفول السوداني. وأرشدنا الى ابناء «الاسطى جلال» في مقهى بوسط ميدان الدقي، وإستقبلنا محمد الابن الأكبر.. لكنه أكد انه لم يشاهد صدام حسين أبدا، بالرغم من كونه صديقا شخصيا لأبيه، وأضاف: كان صدام زبونا دائما في «صالون مترو» الذي كان يمتلكه والدي، وسبق أن دعا أبي لزيارة العراق عند تحرير «الفاو» ومن النوادر التي يرويها محمد جلال نقلا عن والده اهتمام صدام حسين الزائد بتهذيب وتصفيف شاربه أكثر من تصفيف شعره” .

صدام حسين والمخابرات الأمريكية
هل تعامل صدام حسين مع المخابرات الأمريكية أثناء إقامته في مصر؟ وهل كانت له اتصالات معها؟ يصعب الإجابة عن هذا السؤال بدقة وجزم.
يعتقد الكاتب سعيد أبو الريش من جهته بوجود اتصالات فعلية بين المخابرات الأمريكية وصدام حسين أثناء إقامته في القاهرة. وهو ما دفع حسب رأيه أجهزة المخابرات المصرية إلى وضعه تحت الرقابة والتجسس عليه . وقد حصل التقارب بين البعثيين والأمريكيين في إطار مواجهة عبد الكريم قاسم عدوهما المشترك الذي تحالف بدوره مع الحزب الشيوعي العراقي محليا وتحالف مع الاتحاد السوفيتي على المستوى الدولي. ويؤكد هذه المسألة الشائكة أبو الريش الذي يطرح وجود أدلة تثبت أن صدام كان يزور السفارة الأمريكية في القاهرة. وكان يحدث ذلك منذ بداية سنة 1961 حيث حدثت اتصالات بين العراقيين المنفيين في القاهرة والأمريكيين بموافقة الشعبة العراقية في أجهزة المخابرات المصرية التي كان يقودها طاهر يحي. وحتى تثبت هذه المعلومات، يشير حسن السعيد إلى وثيقة المخابرات المصرية رقم د/16829 والمؤرخة بـ19 يونيو 1961 .
رغم صعوبة تأكيد أو نفي إمكانية اتصال صدام حسين بالمخابرات المركزية الأمريكية به أو اتصاله هو بها، ورغم أن هذه الشهادات لا يمكنها أن تكون في كل الأحوال حجة أو وثيقة لأنها صادرة عن صديق للرجل، أو عن عدو له… فإنه يمكننا استبعاد فرضية التعامل مع المخابرات الأمريكية على مستوى عال في هذه الفترة أي أثناء تواجده في القاهرة. قد يكون حدث اتصال أو اتصالات كثيرة معها وربما تكون بشكل أكبر أثناء انتقاله لاحقا إلى بغداد، لكنه من المستبعد أن يكون قد أُجريت اتصالات هامة ومصيرية في القاهرة. والسبب الأول والأساسي الذي يدعم هذا الرأي هو قوة المخابرات العامة المصرية في هذه الفترة وصراعها المرير مع الموساد من جهة ومع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية من جهة أخرى. فهي في حالة حرب فعلية ضدهما. وكان من السهل عليها رصد مثل هذه الاتصالات وتقييم مدى خطورتها وأهميتها، وبخاصة أن صدام، رغم تبني الحكومة المصرية له دراسة وإقامة، يبقى هو نفسه مراقبا وتحت المجهر طيلة فترة إقامته في القاهرة… لذلك يُستبعد أن يكون صدام قد عقد صفقة مع الأمريكيين في هذه المرحلة على الأقل. فهو مازال بعد صغيرا في السن، حيث لا يتجاوز عمره 26 عاما. وقد يكون وطد علاقته معهم لاحقا حينما بدأ نجمه السياسي في البروز.

المصدر:الحوار المتمدن