سقوط صدام حسين: الملفات السرية 10

أسباب التحول
يذكر سمير الخليل ثلاثة أسباب يفسر بها التحول الذي حدث في العراق عبر تفوق مؤسسة الحزب، ولأول مرة في تاريخها، على مؤسسة الجيش.
السبب الأول يعود إلى عمليات التطهير الواسعة التي تعرضت لها قيادة الجيش من ضباط سامين وضباط نافذين من قبل قيادة الحزب. فالتطهير الأول شمل الضباط الكبار الذين لا ينتموا إلى الحزب حيث تم استبعادهم من الجيش ومن أبرز ممثليهم الضباط: نايف، داود، أنصاري، عقيلي. لقد لعب هؤلاء الضباط دورا هاما في الانقلاب على عبد الرحمان عارف وبالتالي إيصال الحزب إلى السلطة. وصدقوا بكل بساطة وعود الحزب لهم. ولم تكن إزاححتهم مفاجأة بل كانت مسألة طبيعية لحزب شمولي لا يقبل من يشاطره الحكم .
وفي مرحلة ثانية تم تطهير الجيش من الضباط البعثيين الذين وصلوا إلى مراتب قيادية في الحزب بفضل تواجدهم في القوات المسلحة. أي أن الضابط كان نافذا في الحزب فقط لكونه ضابطا في الجيش. وتمثلت مجموعة الضباط هذه في كل من: حردان التكريتي، عماش، نقيب، نصرت… ويُعد حردان التكريتي أهم رجل في هذه المجموعة حيث شغل منصب قائد القوات الجوية تحت الحكم البعثي وأصبح وزيرا للدفاع سنة 1968. ولم ينفعه انتماؤه إلى مدينة تكريت مثل صدام حسين وأحمد حسن البكر من الإزاحة بأسلوب درامي. فأثناء زيارة قام بها إلى خارج العراق تمت عملية إبعاده من وزارة الدفاع وتعيينه سفيرا. لكنه رفض هذا المنصب الجديد باحتقار. وبعد زمن قصير تعرض إلى عملية اغتيال توفي على إثرها وذلك على يد أربعة منفذين لم يحدث اعتقالهم أبدا .
كما أحدث حزب البعث نظاما جديدا مكنه من السيطرة كليا على القوات المسلحة. فهذا النظام الجديد يعطي الصلاحية للضباط البعثيين في رفض أوامر الضباط غير البعثيين لكنهم الأعلى منهم درجة عندما تكون هذه الأوامر محل شك. فالتوجيهات واضحة وتقول لهم لا تنفذوا أي أوامر خطيرة وهامة دون العودة إلى قيادة الحزب .
إن تنظيم البعث أصبح يمنع على الضباط أن يعتبروا أنفسهم ممثلي الهوية القومية والمدافعين عنها. وأنشأ الحزب مدرسة عسكرية لا يدخلها إلا البعثيون . فظهر جيل جديد هو جيل “الضابط الحزبي” وهو ما سيؤثر بالضرورة على كفاءة القوات المسلحة التي تحتاج إلى كل أبنائها وليس إلى فئة واحدة منهم. ذلك أن صدام سينتهج سياسة إزاحة الضباط “اللامعين الناجحين” وتعويضهم بضباط أقل كفاءة ولكن يعتمدون في ارتقائهم على الولاء الحزبي وليس على احترافيتهم. ستصبح الكفاءة العسكرية مصدرا يهدد حياة الضابط نفسه بدل أن تكون مصدرا لرقيه.
ولا يحق للجنود ولا للضباط بعد أن ينهوا خدمتهم العسكرية الاتصال بأي حزب معارض في العراق أو خارجه غير حزب البعث، ومن يفعل فإن عقوبة الإعدام هي مصيره الحتمي. ففي سنة 1976 مثلا أُعدم الكثير من الجنود بتهمة انتمائهم للحزب الشيوعي العراقي .
وافتخر صدام حسين سنة 1971 بكون منهجية الحزب في تأطير المجتمع والجيش ستمنع أي مخالف للحزب للانقضاض على السلطة. قال :” بفضل مناهج حزبنا، لن توجد أي فرصة لأي كان لا يتفق معنا، في صعود دبابتين وقلب الحكم. هذه الطرق الانقلابية تجاوزها الزمن” .
المرحلة الثالثة
وفي المرحلة الثالثة تواصل التطهير ليصل إلى رئيس العراق نفسه الجنرال أحمد حسن البكر والضباط الموالين له وذلك سنة 1979 حينما استولى صدام على السلطة لنفسه . وأزاح ضباطا بعثيين أكبر منه سنا وأقدم منه انتماءا للحزب وعلى رأسهم الرجل الذي تربطه به قرابة دموية والذي وفر له الحماية وأوصله إلى أعلى المراتب.
يشرح ذلك الباحث العراقي فالح عبدالحبار قائلا: “علينا ان نعود الى طبيعة حزب البعث واستيلائه على السلطة عام 1968، فقد كان زعماؤه يعانون الانقسامات في صفوف الضباط وعقداً كاملاً من الحكم العسكري المهدد على الدوام بالانقلابات التي توالت منذ 1958. وقد حدد المؤتمر الثامن للحزب عام 1974 هدفين رئيسيين اولهما اخضاع الجيش لسلطة الحزب بطرد العناصر “المشكوك فيها والمتآمرة والمغامرة” من صفوفه وبالتعبئة العقائدية لكل افراده. اي ان المطلوب كان تحويله الى الولاء البعثي. اما الهدف الثاني فكان اعادة بناء هذا الجيش وتحديثه وتوسيعه. كان كسب الجيش الى البعث ضروريا ولكن غير كاف. فمن اجل ضمان ولائه ادخلت الى صفوفه مجموعات عائلية وعشائرية. فبرز نظام مزدوج: الحزب يسيطر على الجيش والعشيرة تسيطر على الحزب. فالعشيرة تؤمّن ضمان الثقة. اضافة الى القيادة العامة للجيش تم انشاء ثلاثة مراكز نفوذ: المكتب العسكري للحزب، وشعبة الامن القومي المكلفة في شكل خاص المخابرات، والشبكات العائلية غير الرسمية. بفضل هذه التركيبة المعقدة حصل الرئيس صدام حسين على سلطة اضافية لادارة البلاد والاشراف عليها. فتمكن من تجاوز التراتبية العمودية وممارسة رقابة مباشرة على مختلف القطاعات العسكرية. وخلال الحرب التي خاضها العراق 1980 ــ 1988 اشتكى بعض العسكريين من هذا الوضع لان ما تتسم به آليات السلطة من شخصانية قد يكون مفيدا للامن الداخلي لكنه يمثل عائقا في وجه الحروب الحديثة. في السابق وخلال رئاسة الاخوين عارف 1963 ــ 1968 كانت القوات العراقية تتميز ببنية مزدوجة: الجيش النظامي والحرس الجمهوري. حافظ البعث على هذه الثنائية لكنه عدّل من اوضاع الحرس الجمهوري ودعمه ليشكل جيشا مكوّنا من لواءين. فقد اقدم النظام عن سابق تصور وتصميم على الفصل بين الدفاع الوطني المخول به الجيش والامن الداخلي وهو من مهام الحرس الجمهوري ولو ان هذا الاخير شارك في الحرب مع ايران واجتياح الكويت والحرب مع الولايات المتحدة وحلفائها.
إعادة بناء الجيش
من جهة اخرى ادت عملية اعادة بناء الجيش ايضا الى تغير جذري في الاصول الاجتماعية لكبار القادة العسكريين. فالدور السياسي للضباط تراجع شيئا فشيئا وابقي الجيش في ثكنه ليتحول الضباط الى محض ادوات تنفيذية. كان مجلس قيادة الثورة الاول الذي انتزع السلطة عام 1968 وشكّل اعلى سلطة في البلاد، مكوّناً بأكمله من العسكريين، لكن بعد ثلاثة اعوام لم يضم مجلس الثورة الثاني سوى خمسة ضباط من اصل 15 عضوا. وعندما تمكن صدام حسين من احتكار جميع السلطات عام 1979 لم يعد المجلس يضمّ اياً من الضباط. كما يوضح المؤرخ مجيد خضوري “كان حزب البعث اول نظام يخضع الجيش للسلطة المدنية” .
انتصر في هذه المرحلة الحزب على الجيش حينما أفرغه من حرفيته العسكرية وجعله ملحقا بالحزب، وانتصر صدام حسين على الحزب حينما أصبح قائده الأوحد فخضع له الاثنان: الحزب والجيش، وبهذا الجيش سيخوض حروبه الخاسرة.

المصدر:الحوار المتمدن