سقوط صدام حسين: الملفات السرية 14

القيادة القطرية والفروع الأخرى

“وحتى أن منظمة الحزب، ذات البنية القائمة على تفرعات وعلى تراتبية، تخدم هذه الأهداف. فعلى مستوى القاعدة هناك الحلقة أو الخلية يجتمع فيها مرة في الأسبوع حوالي عشرة من المناضلين من الشارع نفسه أو من مكتب العمل نفسه، فيجري التداول في أحداث الساعة أو بالأحرى تتلى الأحاديث المتوقعة وفقاً لعقيدة الحزب ولتوجيهات النظام، ثم تنقل إليها التعليمات المختصرة إلى حد بعيد. ثم يودع الرئيس تقارير تحولت نوعاً من الطقوس حول مخالفات عرضية وقعت خلال الأسبوع. وعلى مستوى أعلى هناك الفرقة التي تجمع خلايا الحي أو الإدارة أو المصنع ثم الشعبة والفرع الذي يضم مجمل فروع مدينة او محافظة ما” .

وبخلاف الخلايا فان الشعب والفروع تتمتع بامتيازات مهمة، ولها قانونياً صلاحية اعتقال بعض المشبوهين وفق الإجراءات التي يدور في إطارها النظام القضائي. وهي تقوم بالعديد من أعمال الشرطة العادية وخصوصاً خارج بغداد، كما أنها تمتلك مكاتب متخصصة من مختلف الأنواع تغطي الأعمال الثقافية والزراعية الخ. وفي كل محافظة تجسد قيادة التنظيمات التي ترأس مجمل التنظيمات السلطة العليا بالرغم من وجود إدارة تقليدية. وفي الواقع أن حزب البعث يتجاوز في عمله جهاز الدولة إذ هو ينافسه ويخترقه ويعطله في آنٍ معاً” .

وعلى رأس هذه البنية هناك “القيادة القطرية”، وهي نوع من مديرية تنتخب، نظرياً، بشكل ديموقراطي عند انعقاد المؤتمرات. أما عملياً فان عملية التصويت هي مجرد مصادقة على التعيينات التي يقررها السيد صدام حسين. وتخصص لهذه القيادة القطرية “مكاتب” هي أشبه بوزارات تنهض بالقضايا العسكرية أو الثقافية وبديبلوماسية موازية وبإدارة القطاعات الشعبية الواسعة مثل المزارعين أو العمال أو الشباب. أما الجيش، وعناصره هم حكماً بعثيون، فانه ينتظم في شبكة من الخلايا المرتبطة بالمكتب العسكري الذي يرصد أي عملية انشقاق في صفوفه. ثم هناك أجهزة الأمن الداخلي في حزب البعث التي تؤمن أخيراً الولاء والاستقامة داخل صفوف الحزب” .

“وبخلاف التقسيمات التي تتبعها الشرطة السياسية فانه يتم إحياء شبكة الحزب بواسطة الشعب نفسه. فيتم ترتيب مستوى التزام المتطوعين بشكل أفقي. فيمكن الانضمام إلى حزب البعث بصفة “مؤيد” لا يطلب منه سوى استيعاب العقيدة التي يصار إلى التبشير بها خلال الاجتماعات الأسبوعية. أما الدرجات العليا مثل “النصير” أو “النصير المتقدم” فهي تعني رمزياً الاستعداد لحمل السلاح من أجل الدفاع عن مصالح الحزب. والانتقال من مرتبة إلى أخرى يستدعي مرحلة إعداد والنجاح في امتحان عقائدي. ومبدئياً يستغرق الأمر حوالي ست سنوات قبل التقدم لصفة “عضو مرشح” قبل التحول إلى “عضو” بصفة كاملة” .

“أما رؤساء الحلقات فليس لهم مبدئياً مصلحة مادية في التحكم برفاقهم. لكن من أجل الترقي بسرعة اكبر هم يشترون أحياناً متطوعين جدداً وهكذا يمكن للطالب الثانوي أن يصبح مؤيداً مقابل بضعة دولارات أو بعض الأقراص المدمجة.ولن يكلفه هذا الجهد سوى هذا الاجتماع الأسبوعي الذي يستطيع أساساً التملص منه في بعض الحالات عبر دفعه هو بدوره هذه المرة إلى رئيس الحلقة” .

الانتماء إلى الحزب بدافع المصلحة وتجنب البطش

“إن ضيق الوضع المعيشي يدفع قسماً كبيراً من الشعب إلى القيام بحسابات مذلة أحياناً. وهكذا فان الإفادة الأكثر انتشاراً تقوم على منح علاوة من خمس علامات لطلاب البكالوريا من أبناء البعثيين. والحال أن نتائج البكالوريا تحدد مباشرة التلاعب في مختلف الفروع الجامعية. فمثلاً إن التوجه الأكثر تميزاً نحو كلية الطب في جامعة بغداد يتطلب مستوى عالياً من العلامات لدرجة أنه يتزايد إقصاء الطلاب المنحدرين من عائلات غير بعثية منها. فليس من الصعب والحالة هذه أن نتصور مأزق الأهالي في هذا البلد حيث باتت فرص النجاح متضائلة الى حد بعيد” .

“وفي الجنوب الشيعي المعروف بعدائه الشرس للنظام فان الكثيرين قد اختاروا بطريقة براغماتية طريق الحزب. وهم أنفسهم لو تسنت لهم الفرصة لأحرقوا مراكزه، وفي انتظار ذلك هم يتكيفون مع الوضع. وهناك الكثير من النشاطات الجيدة مثل الالتحاق “كمتطوع” في “جيش القدس” يكافأ عليها بميدالية. والحصول على ميداليتين يفتح المجال للانضمام إلى حلقة أصدقاء الرئيس التي يحظى أعضاؤها بعلاوات وبخمس علامات إضافية لطلاب البكالوريا من أبنائهم. ومنطق التجميع هذا يدفع إلى التوسع في اتجاه ما يتوفر من إمكانيات الانضمام إلى سائر البنى المرتبطة بالحزب مثل الاتحاد الوطني للنساء أو الاتحاد الوطني للطلبة” .

“أضف أنه في هذه الأجواء القمعية فان حزب البعث يوفر السلطة للمنتمي إليه. لكن في الحقيقة يا للسلطة الحقيرة التي تجعل صاحبها مرهوباً من جيرانه ومعلميه وزملائه وحتى من رؤسائه الأقل رتبة منه في التراتبية الموازية للحزب! يا للسلطة الحقيرة التي تسمح باستجواب تاجر بقسوة لأن صورة الرئيس صدام حسين ليست معلقة في محله أو التي تسمح بحمل السلاح علناً بعد بلوغ درجة معينة. وهكذا فان أشخاصاً ضعفاء ومعقدين ينضمون إلى حزب البعث حيث يجدون شيئاً من الأمان قبل كل شيء” .

يسخر البعثي القديم والمنشق حسن العلوي من مفهوم القيادة في البعث فيقول:
“وفي حزب البعث سداسية تنظيمية تقدم لك القيادة مع صحن من الشاي وحيثما كنت طالبا أم عاملا أم فلاحا أم سائق سيارة.
في الشهور الأولى ستكون نصيرا… ثم عضوا عندها تكون قائدا للأنصار.
وستكون عضوا على مستوى الفرقة عندها تكون قائدا على الأعضاء، وعندما تكون عضوا في الشعبة ستكون قائدا على أعضاء الفرقة، وإذا صعدت عضوا في الفرع صرت قائدا على أعضاء الشعبة.
حتى إذا بلغت القيادة القطرية صرت قائد الفروع والشعب والفرق والأنصار، لكن أمامك موقعا أعلى عضوا في القيادة القومية أي قائد القادة في المنظمة القطرية.
إنك في منظمة ميشيل عفلق ستشبع قيادة، ستكون قائدا دائما.
وأنت في واقع الحال قد لا تملك حرية قدميك ولا حركة لسانك فهذه القيادات حكومات الواحدة تحكم الأخرى، وأنت في كل مرحلة منها محكوم بالأخرى غير أنها تمنحك القوة النسبية فحيث أنت حاكم على الفرقة أو الشعبة أو الفرع ستطلب من شعبك المحكوم أن يتصرف معك في الوقت المناسب قائدا ولا بأس بعدئذ أن تكون في اليوم التالي –وحيث تلتحق بمنظمتك الحزبية العليا- محكوما.
إن الوقوف أمام رجل المنظمة السرية الأول والذي قاد حركة المنظمة بجواره أصبح ضروريا قبل مواصلة البحث في دولة المنظمة العراقية” .

“وإذا ما جمعت السخافات الحقيرة والجبن الضعيف والحسابات التافهة التي يتألف منها الحزب يمكن التوصل مع كل ذلك إلى رؤية آلة ذات فعالية يخشى جانبها. لكن مع مفارقة حقيقية هو أن التطويع القسري والسطحي يفضي إلى خفض درجة التعبئة في أوساط الشعب، وكل ما يجري يحمل على الاعتقاد أن هذا هو المطلوب في الواقع”. المصدر:الحوار المتمدن