تنامي أنشطة القاعدة والجهاديين في دول الربيع العربي أحد أسبابها هو تفكك الدولة في ليبيا وانتشار السلاح في تونس والجزائر

تزايدت أنشطة القاعدة والجهاديين في بلدان الربيع العربي وخاصة التي صعد فيها الإخوان إلى سدة الحكم، مما جعل العديد من المراقبين يتساءلون عن طبيعة العلاقة الخفية بين الإخوان وتلك الحركات التي تتبنى فكرا لا يؤمن بالحوار بقدر ما يروج لمقولات الجهاد والتغيير بالعنف والقوة. بل إن بعض الدارسين ذهبوا إلى الحديث عن ازدواجية الخطاب الإخواني الذي يصدح ليلا نهارا أنه مع الدولة المدنية المبنية على الحرية والاختلاف، لكنه في حقيقته فكر منغلق يمتح من معين سلفي متشدد لا يرى في الشعارات التي يسوقها إلا مرحلة أولية قبل التمكين وإرساء رؤيته المجتمعية التي لا تختلف كثيرا عن فكر القاعدة. و يرجع سبب بروز الفكر المتشدد إلى حالات الانفلات الأمني والفوضى الهدامة التي جاءت مع الربيع العربي مما مهد المناخ الملائم للحركات الجهادية كي تظهر للعلن في بيئات تشجع على انتشار التطرف، إضافة إلى تراخي قبضة الدولة وهشاشتها مما جعل تلك التنظيمات المسلحة تنشط وتقوى أكثر مما كانت عليه. ونعرض هنا لقرائنا الأفاضل موقفين متباينين من القضية الأول لرياض الصيداوي مدير ومؤسس المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية للأبحاث في جنيف والثاني سيف الله بن حسين زعيم «أنصار الشريعة» في تونس.

السبب هو تفكك الدولة وانتشار السلاح

يذهب رياض الصيداوي مدير ومؤسس المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية للأبحاث في جنيف إلى ربط تنامي أنشطة القاعدة والحركات الجهادية في بلدان الربيع العربي بوجود الأرضية الملائمة لذلك، متمثلة في الانفلات الأمني الحاصل وصعود الحركات الإخوانية إلى سدة الحكم التي لم تقدر على السيطرة على أصحاب الأفكار الجهادية الذين برزوا في المشهد السياسي في هذه الدول.

ويرى الصيداوي أن مصطلح الربيع العربي، تسمية هجينة ومستوردة من الخارج ولم تولد من رحم الثورات العربية حيث وقع إطلاقها في فرنسا قبل أن تنتشر في باقي أنحاء العالم وبكل اللغات. ويعتقد أن الإرهاب أصبح يتهدد تلك البلدان كتونس ومصر، ففي تونس فإن الخطر الكبير هو الخطر الإرهابي الذي يواجه البلاد، وهو في الأخير أعلى درجات العنف السياسي.

وتونس اليوم تعاني من تنامي هذه الظاهرة الرهيبة هذا طبعا إلى جانب المخاطر الأخرى التي قد تحول العنف السياسي إلى عنف مادي وعنف إرهابي وأول هذه المخاطر متأتية طبعا من جارتنا الجنوبية ليبيا والتي بها زخم كبير جدا من الأسلحة الخارجة على السيطرة أو ما يسمى فوضى السلاح والتي وقع تهريبها إلى تونس والجزائر ومصر عبر مسالك متعددة.

وما يحدث اليوم على الحدود الجزائرية التونسية خير مؤشر على تسرب هذا السلاح ووقوعه بأيدي جماعات وعصابات لا يهمها مصلحة البلاد كما أن هناك مؤشرات أخرى على وجود معسكرات تدريب في العديد من الأماكن يتدرب فيها تونسيون على ما يبدو.

ويذهب الصيداوي إلى أن القاعدة في المغرب العربي لم تأت لا من أفغانستان ولا من جبال طورابورا. ففي الجزائر مثلا هي تنظيمات مسلحة هربت من المدن إلى المناطق الصحراوية بسبب مواجهة الجيش النظامي لها و باعتبار أن الصحراء الجزائرية واسعة جدا فقد تمركزت هناك بسبب صعوبة ملاحقتها. القاعدة باتت إرهابا محليا وليست إرهابا عالميا. ويرى أيضا أن الإرهاب المحلي سيتواصل لأن هناك عناصر محلية تغذيه مثل الأسباب الكلاسيكية كانتشار البطالة والفقر الذي يدفع الشباب إلى الانخراط في المجوعات المسلحة. ويعتقد أن المشكلة الأساسية التي تواجهها المنطقة تتمثل في الانفلات الأمني الحاصل في ليبيا بسبب تفكك الدولة والذي ساعد على تمركز هذه المجموعات بسبب انتشار السلاح وعدم ضبطه وجمعه حتى الآن، وأن العنف المسلح في ليبيا يحمل مخاطر أساسية على مصر وتونس والجزائر وسيحول ليبيا إلى بؤرة للقاعدة في المنطقة.

ويعتقد الصيداوي أن تنظيم القاعدة دخل منذ مدة طويلة في مرحلة أسطورية أكثر منها حقيقية فاسم القاعدة أصبح ماركة مسجلة في آسيا وقرى نائية في أفريقيا.

بمعنى أن هذا التنظيم تحول إلى أسطورة ولم يعد هيكلا تنظيميا مؤثرا على الصعيد العالمي يعطي أوامر من منطقة معينة إلى مجموعات تنفذ هذه الأوامر في مناطق أخرى.

ويرى الصيداوي أن هناك خطرا كبيرا يتهدد مصر وتونس متمثلا في الثقل السلفي الذي نزل بقوة على مصر، لكن تونس كانت محصنة بفضل الطبقة الوسطى والتعليم والجامعات. لقد ركزوا على اختراق مصر ونجحوا في ذلك نسبيا.

السلفية الجهادية متواجدة منذ السبعينات

يرى سيف الله بن حسين زعيم «أنصار الشريعة» في تونس والذي يعرف بـ”أبو عياض” أن الأنشطة الجهادية لم تتنام مع الثورات العربية وما خلقته من مناخ مغاير وإنما هي متواجدة قبل ذلك، ويرى أن تيار السلفية الجهادية ليس وليد الثورة بل وُجد بالمفهوم التنظيمي والسياسي المعاصر منذ السبعينات.

ولكن ليس بهذا الزخم الاعلامي، وقد برز في الثمانينات لكن الإعلام لم يهتم بذلك، أما عشرية التسعينات وما بعدها فهي فترة القمع والسجون، ومن يقول إن السلفيين دخلاء على تونس واهم.

ويقول: “نحن أبناء هذه البلاد المسلمة ملتزمون بفهم السلف الصالح للكتاب والسنّة، متمسكون بـ«هويتنا» ونريد أن نحيا حياتنا في ظل الرسالة التي جاء بها الإسلام في مجال الحكم وفي مجال العلاقة بين أفراد المجتمع وبقية المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية”.

ويذهب أبو عياض إلى أن هناك من يدفع نحو المواجهة بين السلفيين والحكومة وإلى تنامي العنف في البلاد وأن الاستدراج للتصادم مع النهضة موجود ويدركه كل إنسان عاقل ويتابع الحراك السياسي في البلاد، “إلا أننا مازلنا نصر على أننا لن نكون وقودا لمعركة لسنا طرفا فيها لأن الصراع في الحقيقة إنما هو صراع بين الأحزاب اليسارية والعلمانية برمّتها وبين حركة النهضة من أجل إفشال مشروعها”.

ويرى سيف الله أن هناك نوايا صادقة من بعض المنتسبين للنهضة لخدمة مصالح هذا الشعب، إلا أن المتنفذين في المؤسسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية من بقايا النظام السابق وأعداء المشروع الإسلامي هم السبب في تعطيل مشاريع أصحاب النوايا الحسنة، ويذهب إلى أنه لا النهضة ولا غيرها يستطيعون “أن يستغلونا ولا أن يتدخلوا في قراراتنا ومشاريعنا وأتحدى أيّا كان أن يثبت عكس ذلك فنحن لسنا بيدقا لأحد فعلاقتنا بالتيارات الإسلامية علاقة أخوة فقط لا غير”. “ونحن نصحنا النهضة بعدم المشاركة في هذه اللعبة القذرة، وقلت في عديد المرات أن هناك من قيادات النهضة من هم دائمو التردد على السفارة الأمريكية، فالنهضة كحركة بتقاليدها القديمة إخواننا وكحكومة حكمها مثل أي حكومة لا تحكم بما أنزل الله”.

ويقدم أبو عياض برغم تنامي الأنشطة الجهادية في تونس وباقي دول الربيع العربي التي يحكمها الإخوان كمصر التي مثلت أحداث سيناء الأخيرة إحراجا كبيرا لحكومة مرسي، رسالة طمأنة للشعب التونسي أنه “لا يمكن أبدا أن نسمح بمسّه في أمنه أو في قوته”.

ويؤكد أن دم المسلم على المسلم حرام، “فدماء شعبنا المسلم وأمواله وأعراضه محرّمة عليه بل نحن سنكون من يحميها كما حماها شبابنا أيام الخروج عن بن علي.

و حذّر بن حسين من إمكانية وقوع أي ممارسات في المستقبل تٍحسب على التيار السلفي، “ونؤكد على وسائل الإعلام والحكومة والأطراف المعنية بأن تكون حذرة جدا مع أي طارئ يطرأ في البلاد وألا يتسرعوا في توجيه الاتهام”، كما يؤكد أيضا أنه لن يقوم ولن يسمح بالقيام بأي عمل مادي “ضد مصالح شعبنا المسلم و أيضا أننا سنحرص على أمن شعبنا أشدّ من حرصنا على حيواتنا”.

ويذهب سيف الله إلى أنه “لا يمكننا أن نعتبر تونس أرض جهاد فمنذ خروجنا من السجون اخترنا الدعوة وتصحيح مفاهيم أصولنا وترسيخ الهوية الإسلامية ومصالحة ديننا، فالجهاد له أسبابه ومواطنه ولكل منطقة خصوصياتها ووقتها، وأهل مكة أدرى بشعابها”.

القاعدة تفر إلى أفريقيا وتعيد التموقع

بعد الخسائر التي تكبدتها القاعدة في أفغانستان واليمن وشعورها بانحسار تحركها وسهولة تتبعه ارتأت أن تتجه نحو القارة الأفريقية لتجد في شساعة صحاريها المكان المناسب للتدرب والتربص والانطلاق نحو الأهداف المرسومة.

ويذهب العديد من المراقبين إلى القول أن الحصار الذي باتت تجده القاعدة في مناطق تحركها التقليدية لم يترك لها الخيار إلا بتجديد مواقعها والبحث عن أماكن أكثر أمنا.

وكانت أراضي إفريقيا الملاذ الذي قد يمكنها من إعادة التموقع ومن ثم القيام بضربات موجعة لمن تعتقد أنهم أهداف سهلة لمقاتليها.

ويرى البعض أن الضغوط بدأت تزداد على القارة الأفريقية التي تعاني أصلا من أزمات كثيرة تمتدّ من جنوبها ووسطها إلى شمالها. هذه المشاكل تتمثل في الأزمات السياسية الداخلية والحروب الأهلية، خاصة في جنوب القارة ووسطها.

هذه التوترات هي التي جعلت من أفريقيا ملاذا للمسلّحين والإسلاميين الذين استفادوا من خصائصها الجغرافية وصحرائها الممتدة للاختباء ولأنشاء مراكز التدريب واستغلوا مشاكل بلدانها استغلالا محكما للتغلغل في مجتمعاتها وتجنيد عناصرها. وذهب عديد المحللين أن اليمن وأفغانستان والعراق أصبحت مناطق مكشوفة لذلك توجّهت الجماعات الجهادية إلى صحار وجبال في مختلف أنحاء أفريقيا الصحراوية وشبه الصحراوية.

وتشير دراسات وتقارير تحليلية إلى أن مقاتلي “القاعدة” وغيرهم من الجهاديين، يتدفقون إلى مختلف البلدان الأفريقية، وفيما كانوا من قبل يتمركزون خصوصا في جنوب الصحراء، فإنهم اليوم باتوا يمثلون تهديدا على البلدان الشمالية للقارة في ظل انعدام الأمن والأوضاع المضطربة في بلدان “الربيع العربي”، فقد تركّزت التنظيمات الجهادية بالخصوص في أربع دول هي تشاد ونيجيريا ومالي وموريتانيا، وتكمن أهميتها بالخصوص في حدودها المشتركة مع الجزائر وليبيا أو السودان.

في الفترة الأخيرة سلّطت الحرب الجارية في مالي بين القوات الحكومية، بدعم عسكري فرنسي، وبين الإسلاميين، الضوء على هذا الخطر العابر للحدود والقادم من أفريقيا. حيث قال المحللون إن تدفق المتشددين الإسلاميين الفارين إلى شمال مالي تحت وطأة ضغط القوات الفرنسية قد يؤدي إلى تقويض الأمن في البلدان المجاورة التي يُعتقد أن بعض المقاتلين قد أتوا منها. ومن المحتمل أن يحصل المتشددون على دعم من الميليشيات المتعاطفة معهم في المنطقة وأن يستهدفوا البلدان التي توجد بها جاليات أجنبية كبيرة.

ويعتقد أن أعضاء تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وفصيلها المنشق حركة الوحدة والجهاد في غرب أفريقيا، وأنصار الدين “مجموعة الطوارق التي ظهرت في 2012″-;- قد تراجعوا إلى المنطقة الجبلية في مالي قرب الحدود الجزائرية.

وتعتبر مالي، إحدى الدول الخمس الأكثر فقرا في العالم، ويشكل المسلمون فيها نسبة 90 في المئة، وقد أصبحت منطقة شمال مالي في 2012 ملجأ للمجموعات الإسلامية المسلحة المرتبطة بتنظيم القاعدة، التي تحتلها بالكامل، وتطبق فيها الشريعة.

ويتناقض تصاعد إسلاميي تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي في مالي، مع الفشل المتكرر لإسلاميي الشباب في الصومال، الذين طردوا في أغسطس 2011 من مقديشو وتكبدوا سلسلة هزائم.

واندلعت الأزمة في مالي، بهجوم شنه المتمردون الطوارق في الحركة الوطنية لتحرير أزواد، حلفاء الإسلاميين. وأراد المتمردون الطوارق تولي مصيرهم بأيديهم، معتبرين أن السلطة المركزية في باماكو تجاهلتهم عقودا. واقتنصت المجموعات الإسلامية المسلحة، ومنها تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي، الفرصة على إثر الانقلاب الذي نظمه في 22 مارس-آذار الماضي الضابط في الجيش أمادو هايا سانوغو ضد الرئيس أمادو توماني توري، لوضع حد لـ”عجز″-;- السلطات عن وقف هذا الهجوم. وقد أثار تقدم الإسلاميين في ظل تدفق كمية من الأسلحة الثقيلة خصوصا من ليبيا في 2011 وضعف الجيش المالي، قلق دول غرب أفريقيا المجاورة لمالي والاتحاد الأفريقي.