كيري في تونس لنشر الديموقراطية ومكافحة الإرهاب… أنا لا أصدق!

نعم أنا لا أصدق واشنطن حينما تتحدث عن نشر الديموقراطية في الوطن العربي وفي مكافحة الإرهاب. وعندي أسباب كثيرة تدفعني لذلك وترسخ قناعتي.
في ندوة دولية في مدينة “مونترو” السويسرية جمعت سفراء غربيين وعلماء سياسة لمدة يومين قلت للسفير الأمريكي، وهو مسؤول عن قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارته: “لماذا لا تنشرون الديموقراطية في قطر وفي السعودية وأنتم تحتلون هذين البلدين عمليا. ففي قطر عندكم أكبر قواعد عسكرية في العالم في “العديد” وفي “السيلية” وفيها يسجن الشاعر محمد بن الذيب العجمي لأنه ألف قصيدة “كلنا تونس: الياسمين” ودعا “للربيع العربي الحقيقي” وليس “للربيع العربي المزيف” الذي تتبنوه. ما الذي يمنعكم من إرغام حاكم قطر على القيام بانتخابات لأول مرة في تاريخ الشعب القطري وأنتم تحتلون أرضه وبلده؟ هذا الشعب الذي لا يشاهد صناديق الانتخابات إلا في التلفزيون. ولماذا لا تحركون ساكنا عندما يتعلق الأمر في السعودية باعتقال أربعين ألف سجين رأي؟ لقد نشرت منظمة العفو الدولية تقريرا فضيعا عن هذا البلد عنوانه “مملكة الصمت”. والأكثر من ذلك تطلقون أيدي قطر والسعودية لنشر الإرهاب الفكري وربما حتى المادي في الربوع العربية. عندهم أكثر من مئة قناة فضائية لنشر ثقافة “التداوي ببول البعير وطاعة الأمير ورضاع الكبير”. كما ينشرون الحقد والكراهية والفتنة الطائفية مدمرين ثقافة الإسلام المتسامح. أين أنت يا واشنطن من ثورة الشعب البحريني السلمية التي يقمعها منذ أكثر من سنتين الجيش السعودي؟ ألا يحدث ذلك أمام أنظار قواعدكم العسكرية في المنطقة؟ وسألته: ألم تفكروا ذات يوم في نشر الديموقراطية في السعودية أو في قطر؟
… السفير الأمريكي أحرج كثيرا ولم يجبني ولم يرد… أما السفير السويسري فقد ابتسم لأنهم يعرفون أفكاري… والسفير الألماني يبدو لي أنه كان متعاطفا مع أسئلتي وقال لي في الاستراحة “هذه المسائل بيد أمريكا وليس بأيدينا نحن. إنها مجالهم الحيوي”.

ما الذي يمنع الديموقراطية في الوطن العربي؟

عندي محاضرة عنوانها “ما الذي يمنع الديموقراطية في الوطن العربي؟” أعطيها في جامعات أوروبية وفي منتديات علمية. وفيها أفرد فقرة كبيرة عنوانها : “أمريكا تمنع الديموقراطية عند العرب”. والسؤال المطروح دائما: لماذا تعادي أمريكا نشر الديموقراطية في السعودية وفي قطر؟ لأن رئيسا منتخبا ديموقراطيا في السعودية يعني لها برميل نفط يتجاوز سعره ألف دولار. وهي ملتزمة باتفاقية عبد العزيز آل سعود مع الرئيس الأمريكي روزفلت التي أبرمت على متن الباخرة “كويزني” سنة 1943 وعنوانها “سيطرة واشنطن على النفط مقابل حماية عائلة آل سعود واستمرارهم في الحكم”. وكلما تعثر الاقتصاد الأمريكي إلا وهرع آل سعود لإنقاذه عبر شراء أسلحة بمبالغ خيالية. وأيضا عبر تمويل حروب أمريكا على العراق وعلى ليبيا وعلى سوريا وحتى في أمريكا اللاتينية مولت السعودية قوات “الكونتراس” ضد أنظمة وطنية تقدمية منتخبة لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية. للتذكير تكلفة حرب أمريكا على الشهيد القائد صدام حسين تجاوزت المائة مليار دولار دفعت أغلبها الدوحة والرياض. صاروخ “الكروز” الأمريكي الواحد يتجاوز ثمنه المليون دولار… والآلف منه التي سقطت على بغداد وطرابلس وكابول دفعت ثمنه نفس الجهات…
أمريكا ليست مجنونة لتسمح بديموقراطية في قطر أو في السعودية فتنهار مصالحها وأرباحها الطائلة. وكالة المخابرات المركزية الأمريكية نفسها تآمرت على الرئيس الفنزويلي الراحل هيغو شافيز بعد أن فاز في انتخابات ديموقراطية، عبر انقلاب عسكري فشل في نهاية المطاف، لأنه هدد مصالحها النفطية ودعا للترفيع في سعر البترول عبر “الأوبيك”. وهي من تآمر على حكومة منتخبة في الشيلي بقيادة “اللندي” مع الجنرال بونيشيه الذي قتل وعذب وأرسى دكتاتورية دموية… والأمثلة كثيرة جدا عبر التاريخ.
إذن واشنطن لا تريد نشر الديموقراطية في الوطن العربي. وأجهزتها مستعدة للتدخل لضرب أية تجربة ديموقراطية وطنية تحررية.

النموذج الأمريكي في تونس

في تونس اتجاهها أصبح واضح المعالم. وهو المساعدة على إنشاء قطبين سياسيين في البلاد على النموذج الأمريكي: “نداء تونس” مقابل “النهضة”. أي الحزب الديموقراطي مقابل الحزب الجمهوري. أي حزبان يمينيان: واحد ليبيرالي والآخر محافظ. ويقدسان اقتصاد السوق ولا يشككان فيه أبدا. الشيخ راشد الغنوشي فهم الرسالة مبكرا وقال منذ الأيام الأولى للثورة : “نحن مع اقتصاد السوق ولا رجعة في ذلك”. ثم ارتفعت الأسعار بشكل جنوني… في الاسواق التونسية…
لو فازت “الجبهة الشعبية” في الانتخابات وشكلت حكومة اشتراكية لتأميم المصالح الغربية، هل تقبل بها واشنطن وتهنئها على فوزها أم تتآمر عليها عبر انقلاب عسكري كما فعلت مع هيغو شافيز في فنيزويلا واللندي في الشيلي وغيرهم؟ مجرد سؤال استشرافي وافتراضي..
الديموقراطية الأمريكية تكمن فقط في ثنائية واحدة: عليك أن تختار بين رأسمالية محافظة أو رأسمالية متحررة لا أكثر. “الديموقراطية الأمريكية” تختلف كثيرا عن الديموقراطية الاجتماعية الأوروبية. فهي لا تعترف “بدولة الرعاية الاجتماعية” ولا بالقطاع العام وأهميته في التوازن الاقتصادي.

هل تحارب أمريكا حقا الإرهاب؟

واشنطن تعتقد أن الإرهابي هو من يهدد مصالحها أما إذا هدد مصالح خصومها فهو مناضل من أجل الحرية. فأسامة بن لادن مناضل من أجل الحرية حينما يعادي الاتحاد السوفياتي وهو بطل مغوار، على منوال فيلم “رامبو 3 ” الذي تغنى بالمجاهدين الأفغان وقدمهم في أحسن صورة. لكنه يصبح إرهابيا حينما يضر بالمصالح الأمريكية. ليس سرا أن أمريكا سلحت عبر حلفائها “الأوفياء” أي قطر والسعودية الجهاديين في ليبيا وفي سوريا وقبل ذلك في أفغانستان… ما داموا يعملون في إطار مصالحها. وهم أبطال حرية ما داموا لم يتعرضوا لمصالحها.
حينما يتغير العالم…
لقد تغير العالم في دمشق. برزت قوى دولية جديدة اليوم لتنهي زمن القطب الواحد. دول “البريكس” ومن أهم أعضائها روسيا والصين والهند وجنوب إفريقيا والبرازيل رفضت العدوان العسكري على سوريا في مجلس الأمن. ما يجمع هذه الدول أنها تحقق نموا اقتصاديا هائلا مقابل دول في حالة انكماش اقتصادي كبير جدا وهي واشنطن ولندن وباريس. لم تخرج هذه الدول منذ أزمة “الرهن العقاري” التي اندلعت في آواخر سنة 2007 من أزمتها البنيوية الهيكلية إلى حد اليوم. وحينما تشتد الأزمة الاقتصادية الرأسمالية يكون حلها الوحيد الحروب. فأزمة 1929 أدت للحرب العالمية الثانية وأزمة 2007 أدت إلى “الربيع العربي المزيف” مقابل “الربيع العربي الحقيقي”. قصف العواصم العربية ب”الكروز” و”البي 52″ لن يكون لأجل الديموقراطية وإن هلل وكبر البعض ولكن حتى يتنفس الاقتصاد المنكمش.
دول “البريكس” فهمت اللعبة. وضربت على الطاولة في قاعات الأمم المتحدة حتى لا تقصف دمشق. ولم تقصف دمشق لأن العالم تغير. وعجز “الناتو” هذه المرة على تطبيق فتاوي يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي أسسه حاكم قطر سنة 2004، بقصف دمشق. لأن العالم تغير.
من سينشر الديموقراطية ومن سيحارب الإرهاب في الوطن العربي إذن؟ بالتأكيد ليس واشنطن.

المصدر:الحوار المتمدن