ارفعوا في الأجور «بكرم» وخفضوا الأسعار «بكرم» فسينتعش الاقتصاد التونسي

تونس غالية جدا. لم تعد تحتمل للزائر فكيف بالمقيم؟ ارتفاع الأسعار أصبح جنونيا. أزورها باستمرار بمعدل مرة كل شهرين أو ثلاثة وفي كل مرة تزداد الأسعار في نفس الخدمات من قهوة إلى مطعم إلى كل شيء تقريبا.
الركود الاقتصادي الذي تشهده تونس أحد أسبابه الكبيرة هو انهيار القدرة الشرائية. من سيشتري ما تنتجه شركاتنا من بضائع صناعية أو فلاحية أو خدمات إن لم يكن يمتلك السيولة النقدية اللازمة لذلك. تحطيم الطاقة الشرائية للمواطن يعني أيضا ضرب الدورة الرأسمالية للسوق. عالم الاقتصاد كاينز تفطن لذلك بعد أزمة 1929 التي أصابت الرأسمالية الأمريكية فالعالمية بمقتل واقترح «برجوزة» «البروليتاريا» أي الطبقة الشغيلة. الشعار كان: أعطوا العاملين الفقراء أموالا كثيرة ليقدروا على شراء ما تنتجونه. واليوم يستطيع أي عامل في أوروبا أوفي أمريكا أن يشتري سيارة فارهة ويمتلك بيتا ويتجول في العالم. قبل أزمة 1929 كان ذلك مستحيلا. الفكرة أن الدائرة الرأسمالية يلزمها دائما منتجا ومستهلكا حتى تكتمل. وحينما يعجز المستهلك عن الشراء فإن الدائرة تنهار أي أن ركودا اقتصاديا قد حدث.

ارتفاع الأسعار كارثة على الاقتصاد والمجتمع

في تونس ترتفع الأسعار بشكل جنوني ولا يواكبها زيادة في الأجور والنتيجة أن دورة الإنتاج ستتوقف لأن قدرات الناس على الاستهلاك ستتقلص بشكل كبير. ثمة وجهة نظر أخرى تقول أن الأجور الزهيدة يعني التخفيض في تكلفة الإنتاج ما يؤدي إلى أسعار تنافسية جيدة لغزو الأسواق العالمية. هذه الأطروحة قد تكون ممتازة لحالة الصين مثلا التي نجحت في غزوها للأسواق العالمية لرخص بضائعها الناتجة عن انخفاض تكلفة الإنتاج وبخاصة للأجور الزهيدة للعمالة الصينية وانخفاض عملتها. الإشكال أن الاقتصاد التونسي ليس مهيأ لتصدير البضائع المصنعة وليس مطروحا عليه غزو الأسواق العالمية صناعيا لأنه لا يمتلك إمكانيات الصين ولا حجمها ولا أهدافها ولا إستراتيجيتها. هو أصغر بكثير من ذلك.
الزيادة الدائمة في الأسعار دون الزيادة في الأجور يعني القضاء على الطبقات الفقيرة ودفعها نحو زاوية اليأس الضيقة وما يعنيه ذلك من تبعات اجتماعية تبدأ من الانحراف اليومي من سرقة وقتل، مثال قتل سائق سيارة تاكسي لمجرد الحصول على جهده اليومي في بضعة عشرات من الدنانير، إلى إفراز مظاهر عنف اجتماعي خطيرة قد تصل إلى توليد إرهابيين أو ثورة اجتماعية لا يمكن السيطرة عليها.

القضاء على «حلم الطبقة المتوسطة الصغير»

كما أن الزيادة الدائمة في الأسعار دون الزيادة في الأجور يعني القضاء على «حلم الطبقة المتوسطة الصغير» في امتلاك بيت وسيارة شعبية. هذا الحلم في طريقه للتبخر نهائيا. انهيار الطبقة المتوسطة يعني انهيار المجتمع بأسره.
الدورة الرأسمالية في تونس يبدو أنها هجينة لا تحترم حتى شفافية «اقتصاد السوق» واعتماده على مبدأ «التنافس المثالي».
من يسافر كثيرا على الخطوط الجوية العالمية ويستخدم أيضا خدمات الخطوط التونسية يكتشف مفارقة كبيرة غريبة وعجيبة: الشركات الجوية الأوروبية والأمريكية أرخص بكثير من الشركة الوطنية. مثال في الصيف والعطل تذكرة جنيف تونس ذهابا وإيابا، ومدة كل رحلة لا تتجاوز الساعة وخمسين دقيقة على الخطوط التونسية أغلى من تذكرة جنيف نيويورك ومدتها سبع ساعات أو جنيف بكين ومدتها 12 ساعة طيرانا على متن شركة غربية. التونسيون في أوروبا وفي أمريكا لم يفهموا هذه المفارقة. فالمفترض أن قائد الطائرة الأوروبي أو الأمريكي يحصل على أجر أكبر بكثير من نظيره التونسي وكذلك المضيفة الغربية مقارنة مع نظيرتها التونسية. لكن التذكرة التونسية أغلى بمعدلها بكثير من التذكرة الأوروبية أو الأمريكية. والأغرب أن الخطوط التونسية تعاني من إفلاس كبير. فأين الخلل إذن؟ تونسيون كثيرون في المهجر وأجانب أيضا بدؤوا يقاطعون تونس بسبب الغلاء الشديد في تذاكر السفر منها وإليها وبخاصة أثناء العطل المدرسية حينما ترتفع أسعار تذاكر الخطوط الجوية التونسية بشكل جنوني. ذلك يعني خسائر هائلة للاقتصاد التونسي.
صاحب فندق تونسي في الجنوب قال لي مؤخرا أن قطاع السياحة يعاني من احتكار الخطوط التونسية وغلاء تذاكرها ما يجعلهم يفقدون الكثير من الحرفاء الذين لا يسافرون عبر وكالات الأسفار. فمصر سمحت لأرخص الشركات العالمية «إيزيجيت» بتنظيم رحلات طيران إلى «شرم الشيخ» وكذلك فعل المغرب نحو «مراكش». التذكرة ذهابا وإيابا لا تتجاوز المائة يورو… ونظامها كلما اشتريت تذكرة مبكرا كلما كانت أرخص.

أزمة الفنادق في تونس

نفس الشيء ينطبق على الفنادق. كثيرا ما أذهب إلى فندق في تونس العاصمة وأطلب سعر الغرفة مباشرة من الاستقبال وأجده غاليا بالمقارنة مع السعر الذي تعرضه الشركات الأجنبية لنفس الغرفة. فاشتري الليالي التي أريد أن أقضيها عبر شركة أجنبية باستخدام بطاقة ائتمان دولية. ورغم أن الشركة الدولية تأخذ 20 بالمائة عمولة فإن السعر أفضل بكثير من السعر الرسمي الذي تتشبث به إدارة الفندق. مفارقة غريبة جدا في التشبث بغلاء الأسعار دون أية مرونة. وكثيرا ما تكون 80 بالمائة من الغرف فارغة لكن دون أن تبادر الإدارة باستغلال قانون العرض والطلب فتعلن عن تخفيضات كبيرة مغرية مثلما هو متعامل به في فنادق أوروبا وأمريكا. تتشبث الإدارة بأسعارها المرتفعة رغم أن الفندق فارغ. لا تطبق منظومة تخفيض 50 بالمائة في آخر الأسبوع ولا منظومة «آخر دقيقة» التي تخفض فيها الفنادق العالمية أسعارها حتى إلى 70 بالمائة.
ثمة تشبث غير عادي بالأسعار المرتفعة لدى قطاعات كثيرة في الاقتصاد التونسي. وحتى وإن كان الأمر يتعارض مع سياسة اقتصاد السوق التنافسية المبنية على العرض والطلب.
القضية إذن أن القطاع العام في تونس تم التفريط فيه إلى رأسمالية هجينة غير تنافسية لا تحترم حتى منطق السوق. ولا تفكر أبدا أنها حينما تخفض في الأسعار بمرونة العرض والطلب يمكنها أن تنعش نفسها بنفسها. كذلك «الشح والبخل» في الزيادة في الأجور سيساهم في ركود الاقتصاد. لأن المستهلك لن يجد ما يدفعه للمنتج لانهيار طاقته الشرائية وهو ما يعني تراكم الانكماش الاقتصادي.
ارفعوا في الأجور «بكرم» وخفضوا الأسعار «بكرم» فسينتعش الاقتصاد التونسي.

المصدر:الحوار المتمدن