تونس وفرنسا : قصة حب فاترة جدا تخفيها ابتسامات الرؤساء

الصور التذكارية والابتسامات العريضة والمجاملات الكثيرة بين قادة الدولة الفرنسية وقادة الدولة التونسية بعد الثورة لا يمكنها أن تخفي حقيقة وجود أزمة عميقة بين البلدين. فرنسا ساندت نظام زين العابدين بن علي إلى آخر لحظة من عمره أي إلى يوم 14 جانفي 2011، اليوم الذي هرب فيه المخلوع إلى السعودية. ووصل بها الأمر في أوج الثورة التونسية أن عرضت على بن علي مساعدته «بالخبرة الأمنية الفرنسية في مواجهة المظاهرات». جاء ذلك على لسان وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة «ميشال أليوت ماري» التي اضطرت لاحقا إلى تقديم استقالتها وذلك بعد ثلاثة أشهر فقط قضتها في قصر الإليزيه. «ويأتي ذلك إثر أخطاء متعلقة بموقفها من ثورة تونس، وفي ظل انتقادات داخلية توجه إلى الدبلوماسية الفرنسية جراء طبيعة تعاملها مع الثورات العربية. وقالت «أليو ماري» في رسالتها إلى رئيس الوزراء الفرنسي نيكولا ساركوزي «أطلب منكم قبول استقالتي»، معتبرة أنها لم تقصّر في مهامها». وكان كل من الرئيسين السابقين جاك شيراك ونيكولا ساركوزي ينوهان باستمرار بنجاعة نظام بن علي وبقدرته على الاستمرار في تحقيق نجاحات اقتصادية ومكافحة الإرهاب…

في يوم 12 جانفي 2011 نشرت وكالة الأنباء الفرنسية برقية مطولة في شكل تحليل للأحداث الجارية في تونس اعتمدت على تحليلات لباحثين في مراكز علمية استنتجت أن «زين العابدين بن علي يسيطر على الوضع وأن ثمة تململا في الجيش التونسي لكن قوات الأمن متماسكة»… وأحدث سقوط بن علي وهروبه المهين صدمة في باريس لأنه كان الرجل الذي راهنت عليه طويلا واعتبرته أنموذجا يجب الاحتذاء به في منطقة المغرب العربي. وفي تفسيرها لما حدث في تونس أوردت قناة «تي أف1» في نشرة أخبار فريدة من نوعها تحليلا مقتضبا ومثيرا للجدل لكنه عبر عن وجهة نظر فرنسا يقول : «لقد عرفنا أخيرا أن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية هي من قامت بانقلاب على زين العابدين بن علي بالاشتراك مع قائد هيئة أركان الجيش التونسي رشيد عمار ووزير الخارجية كمال مرجان». ولكن القناة لم تتوسع في تفاصيل كيف حدث ذلك أو ما هي حججها التي اعتمدت عليها للتوصل لهذا الاستنتاج. كان الأمر بمثابة بيان مقتضب من الدولة الفرنسية تفسر فيه ما حدث في تونس وتبثه في نشرة أخبار أكثر القنوات الفرنسية مشاهدة دون تفاصيل أو أدلة. لكن بالـتأكيد التفاصيل موجودة في تقارير الاستخبارات الفرنسية في قصر الإليزيه.

وبعد انتخابات 23 أكتوبر 2011 ابتعدت فرنسا عن المؤثرين السياسيين الجدد في «الترويكا». فباستثناء مصطفى بن جعفر رئيس حزب التكتل الذي يبدو أنها ساندته بقوة فإن الرئيس المنصف المرزوقي وحركة النهضة يبدوان بشكل واضح وعلني أنهما في المعسكر الأمريكي القطري. الرئيس المنصف المرزوقي أيضا هاجم فرنسا في احدى حواراته الصحافية وقال إن «زمن الاستعمار الفرنسي قد ولى وانتهى». فرنسا ردت عليه بأنها كانت أول من احتضنه في منفاه الباريسي حينما عارض بن علي، فلماذا يتنكر اليوم للجميل؟

فرنسا لم تكن متحمسة لحكم «الترويكا»

يبدو واضحا أيضا أن فرنسا لم تكن متحمسة لحكم «الترويكا» وأنها لم تكن ترغب في أن يساعد الاتحاد الأوروبي تونس اقتصاديا بشكل جدي حتى لا يحسب ذلك لصالح «حركة النهضة». بينما أصبحت ألمانيا أكثر تأثيرا في الملف التونسي لأنها تمتلك سيولة نقدية مهمّة ولأنها خرجت من الأزمة الاقتصادية العالمية التي اندلعت أواخرَ سنة 2007 وتسبب فيها أزمة الرهن العقاري… وهو ما لا تمتلكه فرنسا التي مازالت تعيش انكماشا اقتصاديا. كما أن وجهة النظر الألمانية يبدو أنها أقرب إلى الموقف الأمريكي من قربها للموقف الفرنسي.

بعد «ثورة تونس» استوعبت فرنسا المخطط الأمريكي في «الربيع العربي» وأصبحت لاعبة مهمّة فيه وخاصة بتدخلها العسكري المكثف والمباشر في ليبيا لإسقاط نظام معمر القذافي، الصديق القديم لنيكولا ساركوزي، وكذلك بتدخلها الاستخباراتي المكثف في سوريا لإسقاط نظام بشار الأسد… لكنها في الآن نفسه بقيت حذرة من التحالف الأمريكي القطري الإخواني الواسع النطاق… فطورت علاقتها مع المملكة العربية السعودية وخاصة في الملف السوري. فرنسا إذن تعيش مفارقة كبيرة وهي أنها في الآن نفسه حليفة للاستراتيجية الأمريكية في المنطقة بشكل عام لكنها تختلف معها في تفاصيل التحالف مع الإخوان المسلمين وعرابهم دولة قطر.

حكومة مختلفة عن حكومة «الترويكا»

تقدم حكومة مهدي جمعة اليوم نفسها لفرنسا على أنها مختلفة عن حكومة «الترويكا» ذات التوجه الأمريكي القطري. وهو نفس ما فعلته سابقا ومنذ بضعة أشهر مع الجزائر ودول الخليج العربي. هي تحاول أن تجلب مساعدات وقروضا مالية عاجلة للاقتصاد التونسي في إطار إعادة التوازن في علاقات تونس الخارجية. لكن يجب عليها أيضا أن تكون واعية أن باريس لا تمتلك سيولة نقدية يمكنها فعلا إنعاش الاقتصاد التونسي بشكل جدي… الاقتصاد الفرنسي نفسه يحتاج إلى قروض ومساعدات… وأمريكا نفسها مديونة للصين بشكل كبير. صحيح أن العلاقة بين تونس وفرنسا شديدة التعقيد والحساسية في نفس الوقت. وفيها حتى جانب عاطفي غير عقلاني باعتبار حضور اللغة الفرنسية القوي في تونس ما يعني تشابك ثقافي بين باريس تونس… لكن لا يجب أن ننتظر «مخطط مارشال» فرنسي لتونس. لأنّ فرنسا ببساطة لا تملك المال اللازم لمساعدة تونس لأنها هي نفسها تعيش أزمة هيكلية اقتصاديا مثلها مثل أمريكا أو بريطانيا.

ليفكر جديا في دول «البريكس»

ربما آن الأوان للسيد مهدي جمعة أن يطرق أبوابا جديدة أخرى غير تقليدية في إطار سياسة إعادة التوازن للدبلوماسية التونسية. ليفكر جديا في دول «البريكس» : البرازيل والهند والصين وروسيا وجنوب إفريقيا. وليفكر خاصة في روسيا والصين وهما دولتان تتمتعان بفائض مالي كبير جدا في ميزانيتهما. الصين أكبر دائن في العالم للولايات المتحدة الأمريكية. مساعدة هذه الدول لتونس يعني أننا نجسد أيضا شعار «كرامة وطنية» الذي رفعته الثورة التونسية. وهي دول حققت نموا اقتصاديا هائلا يمكننا فهم سره أولا والاستفادة منه ثانيا. لنطرق أبواب موسكو وبكين ونيودلهي… لنرى. ربما تكون النتائج إيجابية ومفاجئة. تونس تحتاج عمليا إلى ما بين 10 و20 مليار دولار لإقلاع اقتصادي… وكل الأرقام الرسمية المقدمة إلى حد اليوم منذ «ثورة 14 جانفي 2011» بعيدة كل البعد عن هذا الرقم الذي يحتاجه الاقتصاد التونسي فعليا.

المصدر:الحوار المتمدن