(1)جان زجلر يتحدث إلى العرب

تـــقـــديـــــم
عرفت جان زجلر، كاسم وليس كشخص، لأول مرة في تونس سنة 1993 حينما شد انتبـاهي كتابه “السعـادة في أن تكون سويسريا” “Le bonheur d être Suisse” المعروض في فيترينة مكتبة في شارع الحبيب بورقيبة في تونس العاصمة. كان العنوان مثيراً وكان محتوى الكتاب أكثر إثارة. ثم حدثتني عنه أستاذة فرنسية صديقة تدرس الإنكليزية بمعهد الصحافة وعلوم الإخبار، وذكرت لي أنه أبرز كاتب ومفكر في سويسرا، ومن أبرز الكتاب الكبار على الصعيد الأوروبي. ثم وجدت صدفة دراستين عنه وعن كتبه منشورتين في مجلة المعرفة السورية لسنة 1965 فقرأتهما بشغف.

ولكنني عرفته شخصيا لأول مرة في أكتوبر سنة 1994 في مدينة جنيف، تحديداً في معهد الدراسات الجامعية للتنمية، حيث يدرس ويشرف على حلقة بحث عن العالم الثالث. فكنت طالباً عنده. وكانت بداية علاقة صداقة تطورت مع الأيام حيث حاورته فيها كثيراً ولأوقات طويلة. حاورته في الجامعة وفي مقاهي جنيف التي نحب الجلوس فيها وفي بيته وفي بيتي، وذات مرة في رحلة استغرقت أكثر من نصف يوم في جبال الألب الساحرة.. وكان بعض الحوارات للنشر وهي الحوارات التي سيجدها القارئ في ثنايا هذا الكتاب. لكن أغلب هذه الحوارات كان في شكل نقاش حر بيننا، بدأ منذ سنة 1994 واستمر إلى يومنا هذا.

لجان زجلر مزايا كثيرة يعرفها كل من اقترب منه. ولعلي أبرز واحدة، أكثرها جذبا للانتباه، ألا وهي ميزة التواضع، فالرجل يصادق الجميع ويحادثهم دون نظر لمركزهم الاجتماعي أو الفكري أو الثقافي. فقد يكون نادل المقهى صديقه، أو عامل النظافة في الجامعة، أو أي موظف أو طالب يدرس عنده…

*******

يروي لي جان كيف حدث تحول كبير في حياته عندما التقي بالثائر الأممي تشي غيفارا. يقول: “كنت شاباً حينما التقيت لأول مرة ومنذ 35 سنة تقريباً بغيفارا، عندما زار جنيف على رأس وفد سياسي. ذهبت إليه في الفندق وطلبت منه أن أذهب معه إلى كوبا وأشارك في حروبه ضد الهيمنة الأمريكية وضد الأنظمة الدكتاتورية في أمريكا اللاتينية. أذكر أنه أخذني معه وصعد بي إلى الطابق الثاني عشر. وهناك ألقى ببصره إلى مدينة جنيف والأضواء المشعة على واجهات البنوك ومحلات المجوهرات الثمينة وكذلك الفنادق الكبرى، وقال لي بلغة تجمع بين الحزم والقسوة من جهة والحنان والحب من جهة أخرى: “أنت ولدت هنا. فمكانك الطبيعي إذن هو هنا. وهنا يوجد مركز الوحش الكبير، حيث يمكنك أن تخوض ضده معركتك الكبرى، وهي أنفع لك ولنا”.. أحسست في تلك اللحظة أن غيفارا يستخف بي وأنه يعتبرني برجوازي صغير غير قادر على الصراعات الكبرى… لكن اليوم، وبعد 35 سنة من هذه الحادثة، فهمت كل كلمة قالها لي، وأدركت كم كان غيفارا عظيماً وذكياً، وكم كان على حق”.

*******

ولد جان زجلر في عائلة ميسورة في 19 أبريل (نيسان) 1938 في مقاطعة برن( ) السويسرية، فأبوه كان رئيس محكمة، أما والدته فكانت من أسرة فلاحين. يصف جان والده فيقول أنه برجوازي متفتح ومتشبع بالروح البروتستنتية. وكانت العائلة متماسكة وموحدة إلى أن حدث الانشقاق الكبير. فجان أصبح كثير الأسئلة حينما بلغ عمره 14 عاماً. كان يسأل والده بحدة عن سبب انعدام العدالة في العالم وعن سبب كثرة الفوارق المرعبة بين الفقراء والأغنياء. وكان أبوه يجيبه “معك حق، العالم لا توجد فيه عدالة، لكنك لا تستطيع تغييره. لأن الإله أراد ذلك. يكفيك أن تقوم أنت بواجبك تجاه من حولك والمقربين منك وأن تحاول مساعدتهم وأن تكون شريفاً في عملك وفي حياتك وفي علاقاتك مع الآخرين”. غير أن الشاب اليافع لم يقتنع بمثل هذه الأقوال، بل تصدى لوالده وانتقده بحدة وقسوة كبيرتين رافضاً لأفكاره. وفي سن الخامسة عشر غادر بيتهم. وعندما حصل على البكالوريا (الثانوية العامة) غادر سويسرا نحو باريس ليدرس علم الاجتماع.
أما والدته، فقد كانت على عكس أبيه تماماً. حيث يعتبرها جان شديدة الحنان تجاهه وتجاه الآخرين، وهي شديدة الحساسية، حيث تعتبر أن كل فجر يطلع هو مصدر كبير للسعادة والأمل. وهي ابنة فلاحين، نجدها تقدس مفهوم العمل، وتقول يومياً لجان “هل قمت بواجبك اليوم؟ (أي هل قمت بالعمل). وفيما بعد حينما أصبح جان مشهوراً، ويتم استدعاؤه باستمرار على شاشات التلفزيون وأعمدة الصحف والمجلات كانت تبدي انزعاجها من صراعات ابنها وحروبه الدائمة من أجل أفكاره وكانت تتمنى أن يعيش حياة عادية…

يعتبر جان يعتبر محظوظاً لأنه عمل طوال حياته كمدرس جامعي لعلم الاجتماع. فهو يرى أن مهنته هذه وفرت له الحرية. ومكنته من تجديد وعيه النقدي. حيث يرى أن مثل هذا الوعي هو أشد فتكاً ضد الطغاة من القنبلة النووية. وهو من الذين يعتقدون أن السوسيولوجيا ليست محايدة، وأن حياد المثقف وهم. فالمثقف، حسب رأيه، عليه أن يختار موقعه إلى جانب الحق والخير أو إلى جانب الباطل والشر، مع الجماهير أو ضدها.

*******

ألف جان زجلر كتباً عديدة ومتنوعة، تشترك في نقطة واحدة وهي نزعتها النضالية ضد الظلم والقهر، وتطلعها إلى أفق الإنسانية الرحب. لعلي أذكر بعض كتبه :

– Jean Ziegler, La Contre révolution en Afrique, Payot, 1963.
(الثورة المضادة في إفريقيا)
وهو كتاب يشرح من وجهة نظر سوسيولوجية طبيعة الثورات الرجعية المضادة في إفريقيا والتي تقودها زمر عسكرية مرتبطة بدوائر الاحتكار الرأسمالي العالمي.

– Jean Ziegler, Sociologie de la nouvelle Afrique, Collection “Idées”, Editions Gallimard, Paris, 1964.
(سوسيولوجيا إفريقيا الجديدة)
وهو الكتاب الثاني في مشروع جان زجلر الفكري الذي بدأ به حياته. أي فهم إفريقيا وفهم تحولاتها المجتمعية العميقة ودور القوى الاستعمارية القديمة والجديدة في عرقلة نموها الاقتصادي واستقلالها السياسي الحقيقي.

– Jean Ziegler, Sociologie et contestation : Essai sur la société mythique, Collection Idées, Editions Gallimard, Paris, 1969.
(السوسيولوجيا والاحتجاج: بحث في المجتمع الأسطوري)
هذا الكتاب ذو البعد الفلسفي يهتم بعلم الاجتماع ودوره في التغيير المجتمعي. كما يدرس البعد الأسطوري للمجتمعات ويسعى لفهمها من خلال منهج تحليل نقدي علمي وإنساني أخلاقي في نفس الوقت.

– Jean Ziegler, Une Suisse au-dessus de tout soupçon, Editions le Seuil, Collection “Combats”, Paris, 1976, Collection “Points-actuels”, Paris, 1979.
(سويسرا فوق كل الشبهات!)
هذا الكتاب النقدي الجريء يوجه الاتهام إلى البنوك السويسرية بكونها تحمي وتغطي على أموال المافيات في العالم. وهي تقدم إغراءات قانونية ومصرفية لناهبي ثروات شعوبهم. كما يتوجه بالنقد إلى النظام السياسي السويسري نفسه كاشفاً عيوبه وثغراته.

– Jean Ziegler, Le Pouvoir africain, Editions le Seuil, Collection “Esprit”, Paris, 1973, Collection “Points “, Paris, 1979.
(السلطة الإفريقية)
هذا الكتاب هو امتداد للمشروع الفكري الضخم الذي قام به زجلر حول إفريقيا ومن أجلها. مدافعاً عنها ضد الهيمنة الغربية من جهة ومدافعاً عن شعوبها ضد هيمنة حكامهم من جهة أخرى.

– Jean Ziegler, Main basse sur l Afrique, Editions le Seuil, Collection “Combats”, Paris, 1978, Collection “Points-actuels”, Paris, 1980.
(يد واطئة على إفريقيا)

يواصل زجلر في هذا الكتاب مشروعه الفكري في الدفاع عن القارة السمراء من هيمنة الرجل الأبيض التاريخية والتي تريد أن تمتد إلى اليوم عبر طرق وأساليب جديدة أكثر شيطانية.

– Jean Ziegler, Les Vivants et la Mort. Essai de sociologie, Editions le Seuil, Collection “Esprit”, Paris, 1975, Collection “Points”, Paris, 1980.
(الأحياء والموت : بحث في السوسيولوجيا)
من هم الأموات ومن هم الأحياء؟ كتاب رائع، كتب بأسلوب يجمع بين العلمية والعمق من جهة والبعد الشاعري في فهم الظلم والحيف الذي مس الإنسانية من جهة أخرى. يتميز بأسلوبه الجذاب وبلغته الفرنسية الراقية.

– Jean Ziegler, Retournez les fusils. Manuel de sociologie d opposition, Editions le Seuil, Paris, 1980-1981.
(أديروا البنادق : كتاب في سوسيولوجيا المعارضة)
يطرح الكاتب هنا سؤالاً جوهرياً وهو : ما الذي يمكن أن يقدمه علم الاجتماع للإنسانية؟ بل ماذا يمكن أن تقدمه الجامعات وهي المعقل الأول للأنتلنجنسيا في مقاومة الأقوياء، الذي يتحكمون أولا في جهاز الدولة، ثم يتحكمون ثانيا في الاقتصاد والثروة في العالم؟ ويوجه الكاتب نقداً شديداً للمجتمع الليبرالي الغربي، ويبرز عيوبه الهيكلية البنيوية. ويدعو إلى المقاومة التي يجب أن يتبناها المثقف بكل صدق ومسؤولية حتى لا تنفرد بالكون قوى الهيمنة والجشع الرأسمالي.

– Jean Ziegler, Les rebelles. Contre l ordre du monde, Editions le Seuil, Collection “Points “, Paris, mars 1983 et janvier 1985.
(المتمردون: ضد النظام في العالم)
تميزت نهاية القرن العشرين باشتداد هيمنة الدولة البوليسية على المجتمع واشتداد قمعها. وازداد جشع القوى العظمى وطمعها في الشعوب الضعيفة، إضافة إلى انتشار المجاعات التي ذهب ضحاياها ملايين الرجال والنساء. في مقابل هذه المآسي، برز رجال ثوار في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية رافضين لهذا الواقع المهين وحاولوا بناء واقع جديد أكثر أملاً، معتمدين على أفكار جديدة مثل الاستقلال السياسي، الاكتفاء الذاتي الاقتصادي، والحرية والعدالة.. إلى أين وصلت هذه المحاولات وهذه التجارب؟ وأية دروس يمكن استخلاصها من هذه المعارك. يقدم جان في هذا الكتاب نتائج نصف قرن من الثورات ومحاولات انتصار التقدم على التخلف، وانتصار التحرر على الهيمنة والاستعمار.

– Jean Ziegler, Vive le pouvoir! Ou les délices de la raison d Etat, Editions le Seuil, Paris, 1985.
(تحيا السلطة : أو حلاوة مصلحة الدولة)
هذا كتاب في سوسيولوجيا التاريخ. يشرح فيه زجلر مسألة الانحرافات السياسية التي تحدث لدى الاشتراكيين والماركسيين بعد انتصار ثوراتهم أو معاركهم السياسية. ويبدأ الكتاب بنقد تجربة الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران. ويهاجم الكاتب، بكل حدة وصراحة، مفهوم مصلحة الدولة العليا الذي أصبح المشذب الذي يعلق عليه رجال كانوا تقدميين في الماضي سياساتهم المنحرفة الجديدة. باسم هذه المصلحة تقع خيانة المبادئ.. وهو ما يعريه زجلر بدون مراوغة..

– Jean Ziegler, La Victoire des vaincus. Oppression et résistance culturelle, Editions le Seuil, Collection “L Histoire immédiate”, Paris, janvier 1988.
(انتصار المنهزمين: القمع والمقاومة الثقافية)
هذا الكتاب هو تحقيق سوسيولوجي كبير، ومحاولة فكرية نظرية في الآن نفسه. ويركز الكاتب على مفهوم جديد في الصراع ألا وهو الصراع الثقافي الذي أصبح منتشراً في العالم أجمع. فصدمة الحداثة المعتمدة على عقلانية السوق وعلى التكنولوجيا المتقدمة زعزعت في العمق مجتمعات تقليدية كانت بالأمس متناسقة ومتلائمة. اليوم حدث الصدام ومن ثمة بدأ الصراع. وهنا يتفاءل زجلر بمستقبل هذا الصراع الذي سيكون في نهاية المطاف لصالح المنهزمين.

– Jean Ziegler, Les Seigneurs du crime. Les nouvelles mafias contre la démocratie, Editions le Seuil, Paris, février 1998.
(أسياد الجريمة : المافيات الجديدة ضد الديموقراطية)
يتناول هذا الكتاب ظاهرة المافيا الدولية ومدى علاقاتها المتشعبة مع أوساط السلطة ورجال الحكم النافذين. ويركز زجلر على مفهوم الجريمة المنظمة والعابرة للقارات. كما يخصص فصلاً للمافيا الجديدة التي ظهرت في روسيا وأوروبا الشرقية، وبرزت كأشد وأخطر أنواع المافيات في العالم رغم صغر سنها. ويضيف الكاتب فصلاً يعالج تواطؤ البنوك الغربية والسويسرية مع هذه المافيات، وذلك من خلال تساهلها وعدم تدقيقها في حساباتها ومصدر أموالها. ويختم الكتاب بفصل يتناول استفادة المافيا من التطور التكنولوجي، وبالذات من ظاهرة الإنترنت رغم طبيعة الدولة البوليسية القائمة في الغرب، ولكنها عاجزة عن محاربة المافيا.

– Jean Ziegler, La Suisse, l or et les morts, Editions le Seuil, Paris, 1997.
(سويسرا، الذهب والأموات)
هذا الكتاب يفتح ملف الحرب العالمية الثانية ومشكلة الأموال النازية التي هربت إلى سويسرا. وقد لقي ضجة كبرى في سويسرا وفي أوروبا نظرا لجرأته.
– Jean Ziegler, La Faim dans le monde expliquée à mon fils, Editions le Seuil, Paris, septembre 1999.
(الجوع في العالم كما فسرته لابني)
هذا الكتاب الصغير الحجم يمثل صرخة احتجاجية قوية يطلقها جان زجلر ضد المجاعات التي تنخر العالم وضد سوء التغذية الذي تعاني منه مجموعات بشرية كثيرة في العالم، في حين تنعم الأقلية الغربية “البيضاء” بكل الخيرات والملذات.

– Jean Ziegler, Les nouveaux maîtres du monde, Editions Fayard, Paris, 2002.
(أسياد العالم الجدد)
آخر كتاب لجان زجلر ويتناول العولمة الاقتصادية ومخاطرها على البشرية، حيث سيزداد الفقراء فقراً والأغنياء غنى. وذلك بظهور المحتكرين الجدد، أي أسياد العالم.
*******
هذه هي أهم كتب جان زجلر التي نشرها أولا باللغة الفرنسية، ثم ترجمت إلى لغات عديدة مثل الألمانية والأسبانية والإيطالية والبرتغالية والإنكليزية.. وأعرف أن بعض كتبه نشرت في الستينيات مترجمة إلى اللغة العربية في دمشق في سوريا..
وسيسعى مركز الوطن العربي للأبحاث والنشر إلى ترجمة بعض هذه الكتب، أو ربما ترجمتها كلها إلى اللغة العربية، حتى يستفيد منها القارئ العربي، وتكون له فكرة شاملة عن فكر هذا المفكر الكبير والمناضل السياسي من أجل قضايا العرب العادلة.

وإلى البقية التي تشتمل على مجموعة الحوارات
رياض الصيداوي

المصدر:الحوار المتمدن