سقوط صدام حسين: الملفات السرية 4

شباب وسياسة ومغامرات

عندما كان صدام يدرس في تكريت في بداية الخمسينات حدث في الوطن العربي حادث هز المنطقة بأسرها تمثل في ثورة 23 يوليو (تموز) 1952 التي قادها الضباط الأحرار في مصر. وازداد إشعاع هذه الثورة منذ تأميم قناة السويس واندلاع حرب 1956 وانتصار الإرادة المصرية وانسحاب القوات الإسرائيلية الفرنسية الإنجليزية المعتدية. تأثر الشاب صدام بكل هذه الأحداث الكبيرة واندفع بحماسه ليحاول المشاركة في انقلاب موجه ضد النظام الملكي، لكن الانقلاب فشل. وفي السنة الموالية أي حينما بلغ عمره 20 سنة انضم إلى حزب البعث. وهو ثاني أكبر منعرج حاسم يضع صدام في “الطريق الصحيح” للوصول إلى أعلى هرم السلطة في العراق وكانت الصدف تعمل لصالحه والحظ يمهد له الطريق.

لقد كان تأثير صورة عبد الناصر شديدة المفعول عليه. وقد ساهمت في جعله أكثر راديكالية في أطروحاته. وبعد أن أخذت ثورة 23 يوليو 1952 طابعها القومي العربي بعد حرب السويس سنة 1956 ازدادت شعبية الزعيم المصري لدى الشباب العراقيين، حيث كثيرا ما هتف صدام باسمه أثناء مواجهات الطلبة مع الحكم. لقد وجدت الأفكار التى غرسها فيه خاله صدى لها في الواقع بعد انطلاق المشروع الناصري من القاهرة.

“كان صدام حسين في شبابه معجباً بالنظام الهتلري وهي نزعة ورثها عن خاله خير الله طلفاح. وفي ما بعد تأثر بالشيوعية وانضم ستالين إلى حلقة نماذجه المثالية. وهكذا فإن النظام الذي شرع في بنائه تأثر بهذا الميراث إنما حمل أيضاً بعض المواصفات الجديدة. فعلى غرار النموذج الألماني استند نظام البعث في العراق إلى أربع ركائز: الإيديولوجيا التوتاليتارية والحزب الواحد والتحكم بالاقتصاد (المسمّى اشتراكي) وبوسائل الإعلام والجيش” .

“غرق صدام، إذاً، بأحلام المجد السياسي منذ نعومة أظافره، وهو تماهى (مبكراً أيضاً) بنبوخذ نصر، ملك بابل الذي سيطر على القدس العام 586 قبل الميلاد، وصلاح الدين الأيوبي الذي استعاد القدس العام 1187، وبجمال عبد الناصر الذي استولى على السلطة في مصر العام 1952 حين كان صدام في الخامسة عشرة” .

وفي هذه الفترة حاول الطالب صدام حسين التميز عن أصحابه بحمله مسدسا. وكان يُطلق عليه “أبو مسدس”، وأعجبته التسمية الجديدة لأنها أعطته هيبة القوة وهيبة السلاح وجعلته يعد رجلا صعب المراس يمثل الصقور الراديكاليين .

الانتماء إلى حزب البعث

بعد سنة 1956 والإشعاع القومي العربي الذي أحدثه عبد الناصر، بدأ صدام حسين بمخالطة فريق من الطلبة البعثيين. وكان أغلب أفراد هذه المجموعة من المثقفين المنحدرين من الطبقة المتوسطة أو حتى من الطبقة البرجوازية. وكان صدام يبدو غريبا بينهم نظرا لأصوله الفقيرة المتواضعة. كان حاله مثل حال جوزف ستالين الزعيم الشيوعي الذي أثر كثيرا في مخيلته. عامل فقير في وسط مثقفين برجوازيين ثوريين . لقد احترمهم صدام وطور علاقته بهم وكانوا يحتاجون عضلاته القوية وطاقته الجسدية أكثر من احتياجهم لماله أو لثقافته. ورغم خدماته فهو لم يستطع أن يصبح عضوا كاملا في هذه المجموعة .

حسب رواية فؤاد مطر، وهو صحافي كان مقربا من صدام وكتب عنه كتاب سماه “صدام حسين أو المستقبل العراقي”، فإن انتماء صدام حسين لحزب البعث قد تم في نهاية سنة 1957 عندما كان عمره عشرين سنة . ولكن لم يذكر لنا الكاتب أين تم هذا الانتماء ولا مع من ولا كيف. فقد اكتفى بسطر واحد حدد فيه التاريخ بنهاية سنة 1957.

نفس الرواية تقريبا يعيدها علينا أمير إسكندر، وهو أيضا كان مقربا من صدام، حيث يؤكد انتماء صدام إلى حزب البعث سنة 1957 ويعرض الأحزاب الخمسة المتواجدة أفي تلك على الساحة السياسية والتي شكلت فيما بينها “جبهة الاتحاد الوطني” في شهر فبراير 1957 وهي:
– حزب البعث العربي الاشتراكي،
– الحزب الشيوعي العراقي،
– حزب الاستقلال،
– الحزب الوطني الديموقراطي،
– الحزب الديموقراطي الكردي .

ويكذب الباحث سعيد أبو الريش ما ورد في كتاب فؤاد مطر من انتماء صدام إلى حزب البعث في هذه الفترة. فهو يرى أن انتماؤه الحقيقي تم سنة 1959 وتحديدا في دمشق في سوريا. فحتى هذه السنة كان الانتماء إلى حزب البعث مسألة معقدة وتتم عبر مراحل. فقبل أن يصبح “المناضل” عضوا يمر عبر فترة اختبار طويلة كمرشح إلى أن يثبت إخلاصه وتفانيه في خدمة الحزب وأهدافه .

من ساعده للوصول إلى القيادة؟
مرحلة 1958

وصل صدام حسين بسرعة كبيرة جدا إلى الصفوف القيادية الأولى في الحزب. لقد ساعدته عوامل كثيرة لتحقيق أهدافه السياسية تدريجيا. لكن في كل الحالات كانت المجموعة التكريتية من الضباط العسكريين وعلى رأسها قريبه أحمد الحسن البكر هي التي فتحت له أبواب السلطة على مصراعيها. كما أن ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث تبناه أيضا وساعده منذ تعرف عليه لأول مرة.

يعلق البعثي القديم المنشق حسن العلوي على كيفية انتقال صدام حسين من الصفوف الخلفية إلى الصفوف الأمامية للقيادة قائلا:
“لم يكن صدام في ذلك الوقت سوى عضو في تنظيم شعبة الفلاحين. لكن ورود اسمه في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم في أكتوبر (تشرين الأول) 1959 وقرابته المحلية برئيس الوزراء أحمد حسن البكر وبالحاكم العسكري العام رشيد مصلح التكريتي وبرئيس أركان الجيش طاهر يحي التكريتي قد تساعد صدام التكريتي وهذا اسمه آنذاك على بناء نفوذ ما. لكنه لم يكن مؤهلا في أية مواصفات حزبية أو شخصية أو اجتماعية لدور أكثر من حمل بندقية ومطاردة خصوم السلطة، لكن عدم وجود دور له لا يعني أنه لم يستفد من الرابطة التكريتية…” .

محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم

إن مشاركة صدام في محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم تُعد من أهم المنعرجات السياسية التي ساهمت في إبرازه من الصفوف الخلفية في حزب البعث إلى وضعه في الواجهة.

حدثت ثورة في العراق سنة 1958 أزالت الملكية ورمزها الملك فيصل الثاني. وكانت الثورة دموية حيث ُقتل الكثير من رموز السلطة القائمة وعلى رأسهم الملك ونوري السعيد. وجاءت الثورة بالجمهورية وبعبد الكريم قاسم رئيسا لها. كان التحالف الذي أزال الملكية متكونا من وطنيين وشيوعيين وقوميين بشقيهما البعثي والناصري. التقوا جميعا ضد الملكية واتفقوا على ضرورة إزالتها. ولكن بعد زمن قصير طفت الخلافات والتناقضات على السطح. فالرئيس الجديد، قاسم، يتحالف مع الشيوعيين ضد القوميين… وكان على حزب “البعث” أن يرد الفعل. ووقع الاختيار على تنظيم محاولة اغتيال فاشلة تستهدف موكب الرئيس عبر الهجوم عليه بالأسلحة الرشاشة وبالقنابل. وكان الشاب صدام واحدا من أفراد “الكوماندوز” الذي نفذ المهمة ولم تنجح.

وقد اختار الحزب الشاب صدام بعد أن أخضعه لامتحان أثبت فيه “جدارته” كرفيق مناضل حيث سبق للشاب أن قتل شيوعي في تكريت هو ببساطة صهره وذلك بطلب من خاله خير الله بسبب اختلاف عقائدي بين البعث والحزب الشيوعي .
حدث ذلك حينما “بلغ صدام الثانية والعشرين. اُستدعي إلى القيادة العامة لحزب البعث وأُمر بقيادة فريق من خمسة أشخاص لاغتيال عبد الكريم قاسم. لكن المهمة فشلت، بسبب سوء تقدير فادح ارتكبه صدام، الذي فر بعدها إلى سورية ثم إلى مصر حيث بدأ يدرس الحقوق” .

وركزت الدعاية الرئاسية في ما بعد على شجاعة صدام وبطولته الكبيرتين في حادث محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم. وتقول الرواية الرسمية أن صدام الذي أصيب برصاصة في فخذه طلب من أحد رفاقه نزعها بشفرة حلاقة وهو ما أدى إلى فقدانه الوعي نتيجة للآلام المبرحة التي تعرض لها. وتواصل الرواية وتقول أن صدام تنكر في زي بدوي وعبر نهر دجلة سباحة وسرق حمارا ثم نجح في اختراق الحدود العراقية نحو سوريا .

يروي أمير إسكندر القصة كاملة من وجهة نظر صدام حسين، وهي الرواية المحبذة إلى قلب الرئيس العراقي، لأنها ببساطة روايته هو للأحداث.
يقول إسكندر: “… ذات يوم وبينما كان صدام في قريته العوجة، حيث يواصل حياته مع أمه وعمه، جاءه رفيق من الحزب اسمه عطا حسين السامرائي وقال له أن الحزب يريده في بغداد. وفي اليوم الموالي ذهب إلى العاصمة. والتقى بمسؤوله المباشر في الحزب عبد الخالق السامرائي، ولم يكن هذا الأخير يعرف بشكل واضح المهمة التي اُستدعي من أجلها صدام. فقد قال له السامرائي: “أحمد طه العزوز سيمر لرؤيتك. كل ما أعرفه أنه سيأخذك إلى قيادة الحزب التي طالبت بمجيئك. وهناك سيقولون لك ما هي طبيعة الواجب المطلوب منك القيام به”. وبعد ساعات طرق أحمد طه العزوز بابه وصحبه للقاء شخصية أخرى اسمها إياد سعيد ثابت. حدق فيه الرجل مليا وقال له بوضوح: “واجبنا اليوم هو قتل عبد الكريم قاسم. فهل أنت مستعد لذلك؟”. وأجابه صدام بسرعة وبفرح أيضا: “طبعا، أنا مستعد!” .

“… وفي 7 أكتوبر 1959 كمنت مجموعة من الشبان في شارع الرشيد على الرصيف… كانت عيونهم مركزة على السيارات التي تمر في الشارع وأصابعهم كانت على زناد رشاشاتهم. وكان يمكن أن نميز من بينهم شاب رفيع يرتدي سترة أكبر من مقاسه، كما لو كانت مستعارة من شخص آخر. وبالفعل فقد استعار صدام هذه السترة من دولاب خاله خير الله دون أن يعرف هذا الأخير ذلك. وكان الغرض هو إخفاء المسدس فيها. وكانت مهمة هذا الشاب في هذه العملية تتمثل في حماية رفاقه الذين سيطلقون النار على سيارة الزعيم وتتمثل أيضا في تغطية انسحابهم بعد أن يؤدوا واجبهم. كان المطلوب منه أن يكون آخر من ينسحب.
لكنه ما إن وجد نفسه وجها لوجه أمام الدكتاتور، لم يتمالك نفسه. لقد نسي كل التوجيهات. فأطلق عليه النار بغريزته. أمطرت النيران السيارة وكانت تنطلق من خمسة عناصر يحملون المسدسات والرشاشات… بعد أن نفذ الرصاص ، انسحبت المجموعة المهاجمة وانسحب أخيرا صدام. لكنه استمع إلى صوت الرصاص يلاحقهم. لقد أصاب شرطي مرور صدام في رجله… لكنه لم يشعر بأي ألم في تلك اللحظة. لقد كان همه تغطية تراجع رفاقه. لقد أُصيب أيضا أحد أصحابه في صدره. وفي الشارع الذي اتفقوا على الالتقاء فيه وجدوا السيارة الموعودة لكنهم لم يجدوا سائقها… لقد انتظروا دقائق طويلة دون جدوى، حينئذ قال صدام حسين لرفيقه سليم الشيخلي : “لا يجب أن ننتظر هنا طويلا. يجب أن نستولي بالقوة على سيارة في الشارع”. وهو ما فعله حينما شهر مسدسه على سائق سيارة قادمة وأوقفه، لكن قبل أن يستقلوها وصل حسون سائق سيارتهم الموعودة وركبوها جميعا بسرعة… وبعد تردد قصير اتجهوا إلى منزل رقم 721 في منطقة الكرادة في بغداد…

لم يستطع صدام النوم حتى مطلع الفجر. لقد برح فراشه فجأة بعد أن شعر بألم شديد يحرق رجله. ولم يكن هناك طبيب، ولا حتى يمكنهم استدعاء أي طبيب إلى مخبئهم… لذلك قرر صدام أن ينتزع الرصاصة بنفسه… قال لأحمد طه عزوز “هل عندك الشجاعة لكي تقوم بالعملية أو أقوم بها أنا؟”… أجابه أحمد “كيف يمكنني القيام بها وأنا لا أملك أي أدوات جراحة. نظر إليه صدام وقال له بتصميم: “أعطني شفرة حلاقة جديدة ومقص، قم بقص الجلد واللحم الذي يغطي الرصاصة في شكل مقطوع، ثم عقم المقص، وأغرسه في الجرح ثم اخرج الرصاصة. هذا هو كل شيئ”… عندما فعل العزوز ذلك أُغمي على صدام من شدة الألم… وعندما استفاق قال لهم : “رفاقي لا يجب أن أبقى هنا” .

أما رواية المعارضة العراقية فهي تقلل كثيرا من شأن الدعاية الرسمية. فحسب بعض المتواجدين مع صدام أثناء الهجوم على قاسم يؤكدون أن دوره كان ثانويا جدا، وأن إصابته كانت خفيفة وأن الرصاصة التي أصابته أطلقها أحد رفاقه خطأ. وأن طبيبا متعاطفا مع البعثيين قد عالجه مع بعض رفاقه الذين كانت إصابتهم أكثر خطورة. وعندما وصل صدام إلى السلطة كافأ هذا الطبيب وعينه عميدا للقسم الطبي في جامعة بغداد إلى أن حدثت قطيعة بينهما في سنة 1979 .

شهادة أخرى تفند قصة نزع صدام لرصاصة من فخذه باستعمال شفرة الحلاقة.
لقد أكد الدكتور تحسين معلة، وهو بعثي سابق أصبح لاحقا معارضا لصدام ومقيما في لندن، أنه هو الذي عالج صدام. يقول : “اتصل بي إياد سعيد ثابت، قائد المجموعة، لأداوي جروح سمير النجار، وكانت إصابته خطيرة. لقد استعانوا بي لأنني طبيب ومنتم لحزب البعث. قمت بمعالجة النجار، ثم قالوا لي هناك شاب آخر له جرح سطحي نريدك معالجته. وهو ما قمت به. لقد كان اسمه صدام حسين. إن كل ذلك موثق في محضر المحاكمة الذي تلا عملية اعتقالي بتهمة مساعدة القتلة” .

ويطرح حسن العلوي من جانبه تساؤلات كثيرة حول دور صدام حسين في هذه العملية وحول أدوار أخرى قام بها ويقول:
“سُمع باسم صدام حسين التكريتي (هكذا كان اسمه) لأول مرة في أعقاب محاولة خطط لها ونفذها حزب البعث لاغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يتجول في شوارع بغداد دون حماية شخصية. وقد ورد اسمه في التسلسل الثانوي، وكان أحد الفارين في الوقت الذي اصطف المشتركون في المحاولة أمام المحكمة ودافعوا عن مواقفهم بصرف النظر عن عدالتها، ومنذ ذلك اليوم والجهاز الحزبي يتساءل عن كيفية تسلل نصير مبتدئ في الحزب إلى مجموعة قيادية مكلفة بعملية خاصة دون علم مسؤول التنظيم عبد الخالق السامرائي والذي كان صدام حسين نصير أخيه، خلافا للتقاليد الحزبية.
والجهاز الحزبي يتساءل أيضا عن كيفية هروب صدام قبل ربع ساعة من وصول أفراد الشرطة إلى المخبأ؟ وكيف تم هذا التوقيت ومع من؟
إن بعض المراقبين المعنيين بدراسة تلك الفترة يعتبرون الحصول على جواب صحيح على هذه الأسئلة كفيل بأن يفتح أمامهم سرا مغلقا قد يساعد على معرفة الجذور الأولى لارتباطات صدام حسين.
ويتساءل الجهاز الحزبي عن المدى الواسع في قبول الكذب وتدوينه وإملائه على الصحفيين والكتاب الذين تناولوا دور صدام حسين في محاولة الاغتيال كأمير اسكندر وفؤاد مطر، إذ تحول صدام حسين إلى بطل المحاولة وقائدها الذي يوعز لأفرادها بالحركة والتصرف وهو أمر يُضحك الجهاز الحزبي ويجعل هذه الكتابات مجالا للتندر، إذ كيف يستطيع نصير أن يقود أعضاء قيادة قطرية وبينه وبينهم ست مراحل وست درجات يحتاج إلى قطعها في الظروف العادية لبضع سنوات.
إن هذا يشبه منطق من يقول أن الجندي يقود في المعركة ضباط هيأة الأركان. لكن هذا المنطق سيكون مقبولا عند المكلفين بكتابة التاريخ الشخصي لرجل كصدام حسين حين يستلم شقة مفروشة في باريس ومجلة مطبوعة في لندن”.

المصدر:الحوار المتمدن