هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 12

الفصل الخامس
اتجاه الفكر السياسي عند هيكل
كل مقالات هيكل وكتبه تقريباً تتحدث عن قضايا سياسية هامة، تلك القضايا التي عكست طبيعة الصراع في منطقة الشرق الأوسط طيلة الخمسينات والستينات والسبعينات. لقد عالج هيكل في كتاباته أغلب هذه القضايا. واستنتاجاً من مقاربتنا لها نلاحظ أنها ركزت أساساً على مجموعة مسائل أساسية وهي: رؤيته للصراع، صورة الولايات المتحدة الأمريكية في كتاباته، صورة الاتحاد السوفيتي في ما كتبه، ثم استنتاج الباحث في صورة هيكل نفسه، وموقعه من خارطة التيارات السياسية ـ الأيديولوجية المتشابكة.
1 ـ رؤيته للصراع
يرتكز قسم كبير من كتابات هيكل حول مسألة إدارة الصراع بين الرئيس جمال عبد الناصر من جهة وإسرائيل وحلفائها (الإدارة الأمريكية، بريطانيا، فرنسا) والأنظمة العربية “المحافظة” من جهة أخرى.(1)
ويقول هيكل عن جذور هذا الصراع: “وجهة نظري في الصراع القائم في الشرق الأوسط، وكما شرحتها في كل ما كتبت، أن هناك صراعاً قائماً بين الحركة العربية القومية ككل وبين قوى الاستعمار العالمي وأن إسرائيل تلعب دور الطليعة المتقدمة لهذه القوى. كما أن مصر هي القوة الطليعية للعالم العربي ودورها في هذا دور أساسي لأنها القوة الوحيدة القادرة حالياً على إدارة الصراع على رأس الأمة العربية وبالتعاون مع كل شعوبها، فضلاً عن اعتقادي الراسخ بأن مصر على وجه التحديد مستهدفة أكثر حتى من فلسطين… بقصد عزلها عن المشرق”.(2)
وتزداد أهمية مصر عند هيكل عندما يقول: “إن كل القوى الراغبة في السيطرة على المنطقة، وبالذات بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، كانت تضع أمامها دوما مطلب عزل مصر عن المشرق باعتباره مطلباً أساسياً يحقق لها حرية الحركة والعمل في المشرق العربي”.(3)
أما عن هدف الصراع، فكان الصراع كله على الجسر البري بين آسيا وإفريقيا ومن حوله، أي في فلسطين وحولها”.(4)
وعن كيف يمكن حل هذا الصراع، فإن الالتجاء إلى “الحرب المحدودة” هي أحد ركائز فلسفة هيكل الإستراتيجية.
ومجمل فلسفته هذه، كانت متأثرة بالمؤرخ العسكري وعالم الإستراتيجيا الألماني “كلاوزفيتز”.(5)
فهو يعلق على عبارة “كلاوزفيتز” الشهيرة “إن الحرب صراع بين إرادات، طرف يريد أن يفرض إرادته على طرف”، بأنها تعبير عن الحقيقة الأبدية الأزلية في قضية الحرب”.(6)
ويضيف هيكل، “إن “كلاوزفيتز” حين قال عبارته الشهيرة الأخرى “إن الحرب هي ممارسة للسياسة بوسائل أخرى”، “فإن طبيعة هذه الحقيقة كانت تزداد جلاء”.(7)
ولكن أي حرب كان يقصدها هيكل؟ إنها “الحرب المحدودة” التي يقول عنها: “كان رأيي طول الوقت بعد 1967، أنه ليس هناك سبيل أمامنا إلا سبيل المعركة. وقد أبديت رأيي في كل ما كتبت، وتعرضت لمشاكل بسببه من بعض المسئولين في الاتحاد الاشتراكي والصحف، وكانوا عاجزين عن الفهم، لذا ركزت على شرح نظرية الحرب المحدودة، أي عمل سياسي شامل يستهدف طول الوقت تغيير موازين القوة”.(8)
ويشرح نظريته في الحرب المحدودة : “بأن الحرب المسموح بها الآن هي استعمال القوة المسلحة لهدف تتوفر له الشرعية الدولية… ويتوفر للطرف الذي سيحمل السلاح لتحقيق هذا الهدف تأييد إحدى القوتين الأعظم على الأقل ثم يتوفر لهذا الطرف بقوته الذاتية وبما يتلقاه من أصدقائه طاقة لا شك فيها لتحقيق هذا الهدف في إطار محدد أو محدود، ثم يكون القصد من تحقيقه هو التأثير في الوضع السياسي، معنى ذلك أنها حرب محدودة… محدودة الهدف”.(9)
ويفرق بين طبيعة الحرب قديماً وطبيعتها في العصر الراهن، حيث “كانت الحرب طبقا لآراء “كلاوزفيتز” ـ أكبر أساتذة علوم الحرب وفلاسفتها ـ هي التجاء مجتمع إلى القوة المسلحة لكي يكسر إرادة مجتمع ويفرض عليه مشيئته كاملة”.(10)
“وأما الحرب المحدودة، حتى طبقا لآراء هنري كيسنجر فهي “عمل سياسي شامل يلجأ إلى القوة المسلحة في مرحلة من مراحله لتحقيق هدف معين لا يستدعي بالضرورة كسر إرادة الخصم أو فرض مشيئة المنتصر عليه كاملة”.(11)
إن تبني هيكل لهذه الفلسفة دفعته في النهاية إلى الصدام مع الرئيس أنور السادات والاختلاف معه حول كيفية استغلال نتائج حرب أكتوبر 1973، حينما اعتقد هيكل أن الإدارة السياسية للحرب فرطت في مكاسب ونجاحات الإدارة العسكرية، فما حققه الجنود بدمائهم فرط فيه الساسة (السادات) بمفاوضاتهم. ولخص رأيه في حديث موجه للسادات يقول فيه: “إنني أرجو أن يفهم الرئيس أن الحرب ليست معارك دبابات ومدافع وإنما صدام إرادات، ونتيجة الحرب معلقة بالهدف السياسي الذي من أجله دارت المعارك، إذا كان الهدف بعد توقف المعارك – مع طرف – فإنه المنتصر، وإذا لم يكن معه فهو المهزوم.. قولوا للرئيس أن يعيد قراءة كتاب “كلاوزفيتز” المشهور “عن الحرب”..”(12)
إن رؤية هيكل للصراع تعتمد على مجموعة ثوابت جغرافية، وهي أن مصر تقع في قلب الصراع بقيادتها للعالم العربي، وهدف الصراع هو الجسر البري الرابط بين آسيا وإفريقيا – أي فلسطين – وهذا الصراع يمكن حله عن طريق “الحرب المحدودة” لتحقيق أهداف محددة، وهو اختيار تاريخي محدد بالزمن والجغرافيا.
2 ـ صورة الولايات المتحدة الأمريكية
في كتابات هيكل
تعتبر الولايات المتحدة الأمريكية الطرف الرئيسي في الصراع الدائر في العالم، فمن جهة نجد “القطب الاشتراكي” بقيادة الاتحاد السوفيتي(13) ومن جهة مقابلة نجد الولايات المتحدة التي خاضت “حربا باردة” ضد “المعسكر الاشتراكي”. ويصف هيكل المراحل التي حدث فيها هذا الصراع بقوله: “قرب نهاية السبعينات كانت علاقة القوة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأوسط قد دارت دورة كاملة.
في بداية السبعينات كان الاتحاد السوفيتي في قلب المنطقة، وكانت الولايات المتحدة على حافتها، وقرب نهاية السبعينات كانت الولايات المتحدة هي التي تحتل قلب المنطقة، بينما أزيح الاتحاد السوفيتي إلى حافتها”.(14)
ويمكن تقسيم مواقف هيكل من الولايات المتحدة الأمريكية إلى ثلاثة مواقف. الأول، كان يعتقد فيه أن أمريكا هي الحليف الطبيعي “لإسرائيل” والثاني دعا فيه إلى ضرورة “تحييد أمريكا” والثالث عاد مرة أخرى لانتقادها.
ـ الموقف الأول: تميز بمعاداة الولايات المتحدة الأمريكية واعتبار أنه “لم يعد في استطاعة أحد، ولم يعد في استطاعة شيء، أن يغطى جزئياً أو كلياً على طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية. والرؤية الصحيحة لهذه العلاقة بين الاثنتين وطبيعتها كانت دائماً ـ وهي الآن بدرجة أخطر ـ واحدة من أهم الحقائق في الصراع الذي تخوضه أمتنا العربية.
وأبسط ما يمكن أن يقال في تشخيص هذه العلاقة وطبيعتها، كما تبدو الآن من خلال كل التصرفات والتحركات هو :
“إن العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وصلت الآن إلى الحد الذي لم تعد فيه السياسة الأمريكية قادرة على أن تظهر أو تمارس أي قدر من الاستقلال عن الإرادة الإسرائيلية”. ثم ختم في نفس المقال قائلاً: “لكن التآمر لا يحتاج إلى أوراق، خصوصاً عندما يصل التوافق في الغايات والوسائل مرحلة بعد التوافق، هي التطابق :
ثم تلفت النظر جملة وردت في صحيفة إسرائيلية أوردتها في معرض حديث طويل عن أن إسرائيل كان بوسعها أن تفعل أكثر مما فعلت.
قالت الجريدة :
ـ إن أصدقاءنا الأمريكيين يعاتبوننا… لقد قال مسئول أمريكي كبير لأحد رجالنا عندما التقى به أخيراً :
ـ لقد استجبنا لكل ما طلبتموه منا… ومع ذلك فإن عبد الناصر ما زال في مكانه!!” (15)
كما قامت أمريكا بدور “التعهد باستمرار تفوق إسرائيل في قوى النيران على كامل ما لدى العرب مجتمعين من قوة النيران (…)
إن مشهد جريمة إطلاق النار في يونيو سنة 1967، كان واقعة تلبس، ولم يعد ممكناً بعده أن تعود محاولة التواري أو التمويه.
وخرج بعده الموقف الأمريكي سافراً، لا أقنعة ولا براقع.
السلاح الذي ضرب… سلاح الولايات المتحدة الأمريكية، والضوء الأخضر إذناً بالبدء… مصدره واشنطن.
والمسدس أطلق كل ما كان مختزناً فيه، لكن المضروب سقط على الأرض ولم يمت… وأخطر من ذلك راح يستعيد صحته وقوته.
منذ ذلك الوقت، لم يعد أمام الولايات المتحدة الأمريكية سبيل إلى التراجع… ليس أمامها غير أن تمشى الشوط إلى نهايته، وذلك قد يحقق لها ما تريد، وفضلاً عن ذلك، فقد كان هناك التزامها إزاء اليد الإسرائيلية التي أمسكت مسدسها وأطلقت منه!.”.(16)
ثم أصبحت حدة هذا الموقف تخف شيئاً فشيئاً حينما يقول هيكل: “… في اعتقادي أن هناك تناقضاً في المصالح بين الغرب عموماً وخصوصاً الولايات المتحدة وبين مصر، ولكن علينا أن نراعي المتغيرات… الدور الاستعماري… أمريكا أخذته بطريقة جديدة (الدولة الراغبة في السيطرة) – وكان رأيي أما وقد انتهت العلاقة الاستعمارية مع أوربا الغربية، فيجب أن نحاول إدارة التناقض بأسلوب جديد، نستطيع معه تضييق منطقة الخلاف، وتوسيع منطقة المصالح المشتركة قدر ما نستطيع”.(17)
ومن هنا ينتقل إلى “ضرورة تحييد أمريكا”.
ـ الموقف الثاني: برز عن طريق مقالات دعا فيها إلى “ضرورة تحييد أمريكا” وقد بدأت في العام 1965، وعاد إليها قبل حرب 1967، ثم عاد إليها بعد النكسة، وقد جرت عليه مشاكل مع الاتحاد الاشتراكي لا حدود لها، لدرجة اتهامه بالعمالة لأمريكا.(18)
إن تصعيد لهجة “تحييد أمريكا” بدأ يزداد طوال عام 1971، فكتب: “ومن المحتمل أيضا وبجهد متواصل وعاقل، أن الولايات المتحدة يمكن تحييدها بشكل ما ولو جزئياً أثناء تحقيقه وإن كان ذلك متداخلاً في أوضاع وظروف قد تقتضي شرحاً أوسع”.(19)
ويضيف في مكان آخر: “إذا أردنا أن نصل بنتيجة ما حدث سنة 1967 إلى نجاح يماثل نجاحاً سنة 1956، فإننا يجب أن نحصل على عنصرين: أولهما تأييد إحدى القوتين العظميين وذلك متاح لنا بتعاطف وصداقة وتأييد الاتحاد السوفيتي، والثاني تحييد القوة العظمى الأخرى، وهي الولايات المتحدة، أو على الأقل منع تدخلها ضد مصلحتنا في الأزمة، وغير ذلك مستحيل لأننا لا نستطيع إقناع الاتحاد السوفيتي بأن يخوض حرباً نووية من أجلنا.
فهذا انتحار محقق لا يقبل به أحد من أجل خاطر غيره.
والبديل الآخر عدا ذلك، أن تبقى الأزمة معلقة كما هي معلقة اليوم، مجمدة كما هي الآن وهذا معناه أن إسرائيل تحقق ما أرادته من العدوان بالإيقاع البطيء حتى يتعود العالم على سماع صوتها من الضفة الشرقية لقناة السويس !
من هنا، فلقد كنت ـ وما زلت ـ أختلف مع النغمة التي تقول : ـ إن الذي نواجهه أمامنا في ميدان القتال هو الولايات المتحدة الأمريكية وليست إسرائيل”. ولقد يقال : ولكن السلاح الذي تمسك إسرائيل به في يدها معظمه أمريكي”. وهذا صحيح، ولكن إسرائيل لا تستطيع أن تقنع أحداً بأنها في مصر تحارب الاتحاد السوفيتي، لأن السلاح الذي يمسك به الجيش المصري كله سوفيتي…
والغريب أن ذلك بالضبط ما تروج له إسرائيل أو تحاوله رغم عدم اقتناعها به، وهي تدعيه لا لكي تزج بنفسها في حرب مع الاتحاد السوفيتي ولكن لتزج بالولايات المتحدة معها في خنادق ميدان القتال.
مقصدها ـ أولاً وأخيراً ـ هو أن تحتفظ بكل ترسانة الولايات المتحدة الأمريكية، احتياطياً بلا نهاية، ومدداً لا ينفد لحربها المسلحة ضد مصر، وليس ضد الاتحاد السوفيتي. ولكن الاتحاد السوفيتي يجري إقحامه في الأمر، لأن ذلك هو ما يثير الولايات المتحدة. (…)
وهدف هذا الصراع هو الفصل ما بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية كحد أقصى، أو تحييد موقف الولايات المتحدة تجاه إسرائيل كحد أدنى، وذلك عن طريق توجيه ضغط دولي، وعربي، ومصري ضد الولايات المتحدة الأمريكية. على أن يكون هذا الضغط ذكياً وفعالاً ومستمراً وذلك لا يتأتى إلا إذا كان هذا الضغط واعياً قادراً على تحليل الحقائق بأكثر من قدرته على ترديد الشعارات المعلبة في صفيح قديم من كثرة ما مرت الأيام عليه!”.(20)
إزاء هذه المواقف، تعرض هيكل إلى حملة من قبل أعضاء “الاتحاد الاشتراكي” وبخاصة مجموعات “التنظيم الطليعي” التي رأت في حديثه نوعا من مغازلة أمريكا، فبرر هيكل منطقه قائلا: “لقد كان منطقي في الدعوة إلى ضرورة تحييد الولايات المتحدة الأمريكية أن “التحييد” يختلف عن “الحياد” فلم أتصور في أي وقت، ولا أزال إلى الآن أعجز عن تصور حياد الولايات المتحدة في هذا الصراع منحازة، وانحيازها لإسرائيل، ولكن “التحييد” هنا يختلف عن “الحياد” لأن “التحييد” وضع نفرضه نحن بوسائل القوة السياسية والاقتصادية الشاملة، وأما “الحياد” فموقف تختاره الولايات المتحدة بمحض إرادتها، وهذا مستحيل في ظروف الصراع العربي الإسرائيلي، ونوعية العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. كان رأيي أن نضغط على الولايات المتحدة لكي نشل أكبر مساحة ممكنة من انحيازها، ولنفرض عليها ـ ولو كرهاً ـ بعض التوازن في موقفها، مما يتيح لها أن تؤدي دوراً محكوماً في حل أزمة الشرق الأوسط”.(21)
ـ الموقف الثالث: بعد حرب 6 أكتوبر 1973، اختلف هيكل مع السادات في أسلوب ونتائج مفاوضاته مع “أمريكا” ووصل الأمر إلى روايات تتناقلها برقيات وكالات الأنباء، بينها أن “كيسنجر” كان سبباً رئيسياً في أسباب خروجه من “الأهرام” لأنه احتج على معارضته العلنية لاتفاق فك الارتباط وبالفعل فقد رأى رسالة احتجاج في برقيات شفرية بعث بها كيسنجر إلى الرئيس السادات واحدة من بكين وكان يزورها، والثانية من واشنطن بعد أن عاد إليها”.(22)
وبعد خروج هيكل من “الأهرام” في أواخر سنة 1974، وقف ضد كل مشاريع “الارتماء” في “أحضان أمريكا” وإعطائها “أوراقا” كثيرة “تلعب” بها في “أزمة الشرق الأوسط” وصلت عند الرئيس السادات إلى 99 % ! (23)
3 ـ صورة الاتحاد السوفيتي
في كتابات هيكل
منذ هزيمة 5 يونيو 1967، أصبح للاتحاد السوفيتي دور يتزايد في أهميته. ووصل إلى أوجه في حرب الاستنزاف (1967 – 1970). وفي هذه المرحلة، كان لهيكل موقف إيجابي تجاه السوفيات. ثم انتقدهم بعد أحداث مايو 1971 حينما أزاح السادات الشق الاشتراكي الناصري من الحكم (أهم رموزه سامي شرف، شعراوي جمعه، علي صبري، ضياء الدين داوود، محمد فائق، محمد فوزي)، ليعود ويدافع عنهم بعد صلح السادات مع “إسرائيل”.
ـ المرحلة الأولى: تحمس فيها هيكل لدور يقوم به السوفيات في المنطقة. وكتب في “الأهرام” : “إن دور الاتحاد السوفيتي الكبير والخطير ليس فقط في إعادة تسليح الجيش المصري ولكن أيضاً إرسال المئات من خبرائه للمشاركة في إعداد الجيش المصري للقتال على مستوى الحرب الحديثة، وهو بهذا يسجل سابقة جديدة في التاريخ، لأن الاتحاد السوفيتي بهذه السابقة كان أول بلد أوروبي يبعث بالعسكريين من أبنائه إلى أرض آسيوية أفريقية. لا لكي يسيطروا ويستعمروا ـ وهو ما فعله كل بلد أوروبي حتى الآن ـ ولكن لكي يساعدوا هذه الأرض الآسيوية الأفريقية على محاربة السيطرة والاستعمار.
ونحن نستطيع أن نرى أثر هذه التغييرات أو نشعر بهذا الأثر في مواقف وتحركات كل الأطراف المتصلين بأزمة الشرق الأوسط، سواء كان اتصالهم بها مباشراً، أو كان هذا الاتصال غير مباشر(…). لماذا يتخذ الاتحاد السوفيتي هذا الموقف المؤيد لنا؟ الرد : إن الأمر بالنسبة للاتحاد السوفيتي مسألة مبدأ وهو عداء الاستعمار”.(24)
ثم أضاف مؤكداً دور السوفيات في صمود مصر بعد هزيمة 5 يونيو 1967: ” وبكسر احتكار السلاح المفروض على مصر والعرب، بواسطة الصفقة المصرية ـ السوفيتية فإن الاتحاد السوفيتي أصبح له في المنطقة دور مباشر وكان الأثر الأكبر لهذا الدور السوفيتي المباشر هو أنه مكن العرب لأول مرة من كسر الخط الطويل لفرض الأمر الواقع الاستعماري الصهيوني ـ ضد العرب.
هذا الدور السوفيتي المباشر في المنطقة، فضلاً عما أعطاه للعرب من إمكانية الدفاع عن النفس بالسلاح، فرض على الاستعمار الأنجلو أمريكي، ضرورة أن يراجع خطاه قبل أن يتقدم في المنطقة :
هكذا فشلت مغامرة السويس سنة 1956.
هكذا تراجعت خطط غزو سوريا بواسطة حلف بغداد سنة 1957.
هكذا انحصر رد الفعل الاستعماري ضد ثورة العراق سنة 1958، في نطاق نزول جنود البحر الأمريكيين من الأسطول السادس على شواطئ لبنان!.
وهكذا… وهكذا.
ومنذ يونيو سنة 1967، وحين واجهت الأمة العربية صدمة من أعنف ما واجهت في تاريخها الطويل ـ فإن دور الاتحاد السوفيتي وأثر هذا الدور هو الذي ساعد الأمة العربية على تحقيق إرادتها بالصمود ضد الأمر الواقع الذي حاول تحالف الاستعمار والصهيونية فرضه علينا عسكريا”.(25)
ونبه إلى ما يقوم به الأمريكان ضد العرب حينما كتب “ولأن كل ما فعله الاتحاد السوفيتي بدوره في المنطقة هو أنه أعطى للأمة العربية ولأول مرة الإمكانية المادية لرفض الأمر الواقع المفروض أو الذي يراد فرضه عليها.
ولأن المناورة الأمريكية واضحة أمام أي عربي فهي تريد عزل العرب عن الاتحاد السوفيتي ـ لا لكي يخرج الصراع العربي الإسرائيلي من نطاق الحرب الباردة بين القوى الكبرى كما يدعى…
ولكن لكي يبقى الطرف العربي في هذا الصراع تحت رحمة الأمر الواقع الذي يفرضه السلاح الأمريكي الذي تمسك به إسرائيل.
(…) إن العبارة الأساسية في خطاب كوسيجين إلى نيكسون وويلسون وبومبيدو تصدر عن هدف دفاعي محض إذ تقول هذه العبارة :
“إننا نريد أن نقول بكل صراحة: إنه ما لم تتوقف إسرائيل عن سياسة المغامرة وتكف عن ضرب أراضي الجمهورية العربية المتحدة والدول العربية الأخرى فإن الاتحاد السوفيتي سوف يجد نفسه ملزماً بأن يتأكد من أن الدول العربية لديها جميع الإمكانيات الكافية لطرد المعتدي الوقح.”.(26)
وتوجه باللوم إلى القوى القومية العربية التي تعادي الشيوعية قائلاً: “مازالت هناك بين قوى القومية العربية عناصر تنسى إسرائيل لكي تغرق نفسها في حرب مقدسة مع الشيوعية، بينما الدول الشيوعية هي التي وضعت سلاحها في يد العرب ولولاه لما كان هناك أمامهم بديل عن الاستسلام”.(27)
هذه المرحلة من التقييم الإيجابي لدور الاتحاد السوفيتي في المنطقة امتدت حتى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، وبعدها ببضعة أسابيع تطور الموقف.
ـ المرحلة الثانية: برز فيها موقف هيكل مجافياً للسوفيات وبخاصة بعد أحداث مايو 1971 حينما اتهمهم : “إنني واحد من الذين يدركون أن الاتحاد السوفيتي وقع في بعض أخطائنا نحن، وقد تابعت عن قرب أشياء من ذلك:
– ذهب إليه البعض منا بآراء واجتهادات أقل ما يمكن أن يقال فيها إنها متضاربة.
وربما أوحت إليه أحياناً بأننا لا نعرف ما نريد؛ وبالتالي فإنه لم يستطع أن يعرف ـ بدوره ـ ما نريد !
ـ ومن ناحية أخرى ذهب إليه البعض منا بالترامي والزلفى، متصورين عن جهل أن طريق السلطة في القاهرة يمر الآن عبر موسكو.
وهذه النقطة حساسة خصوصاً بعد رحيل جمال عبد الناصر وفي الفترة من 28 سبتمبر 1970 إلى 14 مايو 1971، وربما بعد هذا التاريخ الأخير أيضاً.
بعضهم – والوقائع كثيرة لا أريد أن أخوض فيها لأنها مزعجة – ذهبوا ومهمتهم أن يقنعوا الاتحاد السوفيتي أنهم رجاله في القاهرة.
ومع كل العذر للاتحاد السوفيتي فيما كان يسمع – فقد كان عليه أن يدرك أولاً وأخيراً أن مصر الحقيقة لا تمثلها حفنة من الناس وإنما تمثلها كتل شعبية، وهذه الكتل لها مواثيقها التي تعبر عنها وتحدد خط سيرها، وإنه في النهاية ـ ومهما كانت الظروف ـ فإنه لن يبقى على أرض مصر إلا رجال مصر وليس رجال أحد غيرها مهما كانت درجة قربه من مصر ومهما كانت أهمية علاقة مصر معه”.(28)
وأضاف متهماً ومقللاً من قيمة السلاح السوفيتي: ” إن مصر كما تملك رصيد التجربة، ومفاتيح الفهم، ليست محرومة من العلم الحديث.
ولم تقصد مصر فيما ألحت به على الاتحاد السوفيتي من طلب سلاح متطور أن تضعه أمام المستحيل.
إن مصر، كثيرين في مصر، كانوا يعرفون أن الاتحاد السوفيتي ليست لديه في الوقت الحاضر طائرة في الخدمة العاملة توازى طائرة الفانتوم الأمريكية.
وكان البعض في مصر يلحون كثيراً في طلب طائرة توازى الفانتوم، ووصل الإلحاح إلى حد أن أصبح صداعاً للأصدقاء في موسكو حتى أن بريجنيف قال ذات مرة وبالحرف الواحد :
– أرجوكم… إنني لم أعد أريد أن أسمع شيئاً عن هذه الطائرة التي تطلبونها وتلحون في طلبها، لا تعودوا إلى هذا الموضوع، وحين يجيء وقته فإننا نحن سنفتحه معكم”.
لكن البعض الآخر في مصر كان على استعداد لاستيعاب الحقائق.
والحقائق هي أن الاتحاد السوفيتي تأخر عن الولايات المتحدة في تطوير قاذفة مقاتلة بعيدة المدى كالفانتوم”.(29)
ويؤكد هيكل في أحد مقالاته واقعة أنه ليس بشيوعي من جهة وأن أوساطا في الاتحاد السوفيتي تعاديه من جهة أخرى. يقول : “أولهما أنني لست شيوعياً مع العلم بأنني أرفض منطق معاداة الشيوعية مهما كانت دوافعه، وبصفة عامة فإنني أعتبر نفسي منتمياً إلى تيار اليسار الوطني الذي كان جمال عبد الناصر أعظم دعاته وأبرز قادته.
وثانيهما أنه لا يمكن لأحد أن يتهمني بموالاة الاتحاد السوفيتي بل إن عناصر من داخل الاتحاد السوفيتي أو موالية له بالفعل أو بالادعاء رمتني مرات بممالأة أمريكا لأنني طالبت بعدم التصادم والتناطح بالقوة معها، مع التسليم بأن بيننا وبينها تناقضاً بالطبيعة وبالضرورة لأنه التناقض بين مركز من المراكز الثورية النشيطة في العالم من ناحية، وبين أعلى المراكز في النظام الاستعماري المعاصر من ناحية أخرى.”(30)
ووصل الأمر إلى حد أن “ليونيد بريجنيف” طالب بإبعاده عن الصحافة المصرية وتأثيرها السياسي على الرأي العام المصري. وقد نقل طلب “بريجنيف” إلى القاهرة مع الوفد المصري الذي حضر المؤتمر الرابع والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي والتقى بسكرتيره العام “بريجنيف” قبل عودة هذا الوفد من موسكو إلى القاهرة، بل أن الرئيس “نيكولاي بادجورني” أعاد هذا الطلب إلى الرئيس أنور السادات في آخر زيارة له للقاهرة، وكان الرئيس السادات بنفسه هو الذي أخبره بما طلبه منه “بادجورني” بل وفوضه الرئيس السادات أن يناقش هذا الموضوع مع “بوريس باناماريوف”، عضو المكتب السياسي السوفيتي، وكان يزور القاهرة في صيف سنة 1971 في أعقاب زيارة “بادجورني” لها!(31)
ـ المرحلة الثالثة: عاد فيها هيكل إلى موقفه الإيجابي من الاتحاد السوفيتي مدافعا عنه وعن صداقته لمصر ضد الذين هاجموه وانتقدوه. وبعد أن تم التحالف بين الولايات المتحدة الأمريكية ومصر بقيادة أنور السادات، وبعد أن رفض هيكل أسلوب ونتائج استغلال حرب أكتوبر 1973، ذكر قائلا: “.. وقد دافعت وما زلت أدافع عن دور طبيعي ومشروع للاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط…”.(32)
وكتب أيضا: “ولم تكن المساندة السوفيتية في مواجهة الأزمات وحدها، سواء بإمدادات السلاح أو بالمواقف السياسية، وإنما تحمل الأرض العربية على ظهرها شواهد لا يمكن إنكارها من رموز التعاون العربي السوفيتي. سد أسوان، سد الفرات، مجمعات الحديد والصلب، ترسانات بناء السفن، مصانع بالمئات وبالآلاف، مفاعلات ذرية، محطات كهرباء، إلى آخره”.(33)
وتواصل موقف هيكل مؤيداً لدور يلعبه الاتحاد السوفيتي في المنطقة، ورافضاً لانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بها… كان هيكل يدعو في مواقفه إلى ضرورة التوازن في علاقة مصر مع “العملاقين”. أما التهم التي وجهت له فقد استنكرها رجال مايو 1971 الذين ألقى بهم السادات في السجن. وكانوا في الضفة المقابلة لموقع هيكل الذي انحاز إلى السادات، ورغم اختلافهم معه، فإن سامي شرف، مدير مكتب عبد الناصر للمعلومات ووزير شؤون الرئاسة(34)، يوضح المشكل قائلاً “… اعتباراً لتوجهات هيكل الليبرالية، فهي لم تعجب الاتحاد السوفيتي، وفي نفس الوقت كانت مقالاته الوطنية لا تعجب أمريكا…”.
ويؤكد محمد فائق، وزير الإعلام ووزير الخارجية في عهد عبد الناصر وبداية عهد السادات(35): “إن الحديث عن عمالة هيكل لأمريكا حديث سخيف. وثبت من التاريخ ومن مواقف هيكل، أنه لم يكن إلا مصرياً، مرتبطاً بعبد الناصر والناصرية “.
برغم هذه التوضيحات فإن السؤال عن “صورة” هيكل من التيارات الأيديولوجية المشتبكة يبقى قائماً.
4 ـ صورة هيكل
أ- هيكل الليبرالي
يعتقد بعض المقربين من الرئيس جمال عبد الناصر، أن هيكل يحمل في أعماقه توجها ليبرالياً، فسامي شرف(36) يقول: “أنا من معايشتي لهيكل أعتقد أن توجهه ليبرالي، ومن خلال علاقته الخاصة مع الرئيس استطاع أن يتعايش مع التحويل الاجتماعي، والدليل على توجهه الليبرالي هو امتلاكه مثلا لعزبة خاصة، وحياته “حياة طرية” أصدقائه الحميمين جداً من أمثال السيد مرعي، وفي نفس الوقت علاقته بعبد الناصر جعلته لا يتمادى في ذلك”.
ويبدو أن عملية إثبات “ليبيرالية” هيكل مسألة صعبة بل ربما العكس أقرب إلى الصحة, رغم التقييم الإيجابي للطبقة البرجوازية التي يقول عنها: “وفي اعتقادي أن الحركة القومية العربية قد أخطأت في فهم دور الطبقة المتوسطة ومع تسليمي بأن هناك قطاعات جاهزة دائماً من البرجوازية لكي تصبح احتياطاً للرجعية إلا أنني أتصور أيضاً أن هناك مجالاً مفتوحاً للتعامل مع هذه الطبقة، وللتعامل مع الخريطة الاجتماعية للوطن العربي كما هي في الواقع لأنني اعتقد أن الطبقة البرجوازية لها دور هام بالفعل”(37)
ب- هيكل الاشتراكي
لكنه في أغلب كتاباته، كثيراً ما يؤكد على دور القطاع العام كقائد لعملية التطور الاجتماعي، فهو يقول مثلا: “إنني أفهم تماما مشكلات رأس المال الخاص، ولكنني اعتقد في صورة قيام اقتصاد مشترك تحت قيادة القطاع العام”.(38)
وينفي عن نفسه “الشيوعية” عندما يؤكد: “من الواضح أولا أنني لست شيوعياً، ومن الصعب أن أكون…”.(39)
غير أنه كثيراً ما يستخدم بعض قوانين التحليل الماركسي، مثل استخدامه لقانون “التراكمات الكمية والانتقال الكيفي”. فهو يكتب أن: “التحولات الكبرى في التاريخ لا تحدث بأسلوب الانقضاض من الهواء على غير انتظار، وإنما تحدث هذه التحولات بقوانين التطور ذاتها، تغيرات كمية، تتراكم بعضها مع بعض، ويحدث تراكمها تفاعلات تؤدي في لحظة من اللحظات إلى تغيير كيفي يبدو فورياً وليس هو كذلك في حقيقته”.(40)
وتـتضح الفكرة الماركسية في قوله أيضاً: “لاشك أن صراع المجتمعات حول أدوات وعلاقات الإنتاج قانون طبيعي وصحيح…”(41)
ويحدد مفهوم اليسار بقوله: “إن اليسار الوطني وكل حركات الثورة الوطنية بالطبيعة هي حركات يسار، لأن مقتضى مفهوم اليسار هو الانتقال بمواقع الثورة ـ وبالتالي السلطة ـ من سيطرة الأقلية إلى سيطرة أوسع الجماهير، فإذا كان مفهوم اليسار الوحيد إذن فإن كل حركة تحرير وطني ذات محتوى اجتماعي هي على نحو ما حركة يسار”.(42)
ت- هيكل الناصري
ويعتبر هيكل أن الناصرية أيضا تمثل اليسار عندما يقول: “وفيما يتعلق بأن الناصريين حركة يسار وطني فلا أظن أن هناك خلافاً على ذلك “(43)
لكنه ينفي في مكان آخر وجود “الناصرية” كنظرية حيث يقول “أنني أولاً أبدي اعتراضي على حكاية الناصرية… هناك ناصريون باليقين، ولكن ليست هناك ناصرية بالتأكيد… عندما تنسب شيئاً إلى شيء، فأنت تتكلم عن قانون، وجمال عبد الناصر عبر عن مخزونات تاريخية للشعب المصري ولكنه لم يضع قانوناً، وهو أيضاً قد صنع تجربة ضخمة جدا وأرسى مبادئ تاريخية هائلة وأجرى تحولاً تاريخياً ولكن هذا كله أسلوب في التنفيذ وليس نظرية في الفكر…”.(44)
وأضاف هيكل في هذا المعنى “من الظلم لعبد الناصر أن يقال أن الناصرية نظرية. لأن النظرية تعني قوانين، والقانون له صفة الصرامة والاستمرار وقابلية التطبيق على الظواهر في مختلف الأمكنة والأزمنة… ظلم لأننا لو حاسبنا عبد الناصر على ممارساته بمعيار أن الناصرية قانون، لكان إخفاقه في كثير من المواقف أو الحالات غير مبرر ولا وارد”.(45)
وبعد هذا النفي، يستطرد هيكل قائلا: “من الممكن أن اتفق على أن الناصرية منهج يتعامل مع التغيرات وفق ثوابت محددة لا تحتمل الخلاف، وفي مقدمتها ثوابت أو حقائق الجغرافيا والتاريخ التي تحكم مصر والوطن العربي”.(46)
ويبدو أن قصد هيكل من هذا الكلام، هو أن ” الناصرية ” ليست نسقاً فكرياً مثل “الماركسية” وغيرها من النظريات التي تتميز بشمولية التحليل. ويبدو أنه أراد أن يضع “الناصرية” في إطار عملي حينما أكد على أنها “منهج يتعامل مع المتغيرات وفق ثوابت محددة لا تتحمل الخلاف”. فهي بالأساس أسلوب في الصراع، وليست رؤية نظرية في التحليل.
ولم يحاول هيكل، بعد خلافه مع السادات، أن ينخرط في العمل الحزبي. وعندما أشار البعض إلى إمكانية حدوث مثل هذا الأمر، كان رده قاطعاً في نفيه. فهو قد احتج مثلاً على رئيس تحرير صحيفة “الدايلي تلجراف” اللندنية، وكذب خبراً نشرته يقول: “أنه مشغول في مصر بالمشاركة في تكوين حزب سياسي جديد يحمل اسم جمال عبد الناصر”.(47)
وقال هيكل: “وهو يعرف، (رئيس التحرير) وأصدقاؤنا في العالم كله يعرفون أن تأسيس حزب سياسي أو المشاركة في تأسيس حزب سياسي هو أمر خارج عن نطاق ما أفكر فيه… إن هناك شيئاً واحداً أريده وهو أن أظل – كما كنت دائماً – صحفياً “.(48)
وأضاف: “أنت تعرف قدر جمال عبد الناصر عندي، وتعرف أنني لا اعتبر تجربته مجرد فعل ماضي في العالم العربي، ولكني اعتقد أن مبادئه ـ بصرف النظر عن الماضي ـ هي المستقبل في العالم العربي، غير أن ذلك لا يدعوني إلى تأسيس حزب يحمل اسم جمال عبد الناصر”.(49)
ثم يستنتج قائلاً: “إنني أعتقد أن الجيل الذي سيحمل راية جمال عبد الناصر ليس هو مجموعة الرجال الذين عاشوا بقربه أو عرفوه في حياته، هذه المسؤولية أكبر من أكتاف هؤلاء الذين تقدمت بهم السنون أو الذين ساقتهم المطامع أو المطامح…”.(50)
وفي النهاية، يعلل رفضه لمسألة الحزب بقوله: “إنني أظن أن الأحزاب في العالم الثالث ـ وفي مرحلة الانتقال التي يعيشها هذا العالم الثالث ـ مجرد أشكال.
حزب الأغلبية هو حزب السلطة دائماً… أي أن السلطة هي التي تصنع الأغلبية، وليست الأغلبية التي تصنع السلطة”.(51)
والظاهر أن هيكل يستمد رفضه للعمل الحزبي من رفضه السابق ومنذ كان في قمة السلطة مع عبد الناصر لتولي المناصب التنفيذية.
هذه المواقف، جعلت البعض يشكك في “ناصرية” هيكل. فالدكتور فؤاد زكريا يكتب: “المهم في الأمر أن كثيراً من الناصريين المتمسكين بمبادئهم يتشككون في ناصرية هيكل لأسباب عدة، فهو قد هاجم أهم رموز الناصرية بمجرد موت عبد الناصر، بحيث يمكن أن ينظر إلى هجوم هيكل عليهم بوصفه هجوماً على شيء في الناصرية ذاتها… والأهم من ذلك أنه كان من الدعائم الكبرى لحكم السادات، في الفترة الحرجة الأولى، على الرغم من كل ما يعرفه عن الاختلاف الهائل بين السادات وعبد الناصر في الشخصية والفكر والاتجاه”.(52)
ويضيف: “وهكذا يتبرأ كثير من الناصريين المتمسكين بعقيدتهم من هيكل، بل ويناصبونه العداء، وعندما يستعرض المرء تطور مواقف هيكل منذ بدء ارتباطه بعبد الناصر حتى اعتقاله القصير الأمد في عهد السادات، لا يملك إلا أن يتساءل: هل كان هناك أي أساس حقيقي لتلك العلاقة التي ارتبط فيها اسم هيكل بالناصرية باستثناء ولائه لشخص عبد الناصر…”.(53)
غير أن هذا الحديث يبدو أنه مبالغ في حدته. فضياء الدين داوود وزير الشؤون الاجتماعية، وعضو اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي، وهو اليوم أمين عام “الحزب العربي الديمقراطي الناصري”(54)، يدافع عن “ناصرية هيكل” في قوله: “لا شك أن التزام هيكل بالخط الناصري ودفاعه عنه بمجموعة الكتابات والكتب التي أصدرها، من أكبر العوامل التي دعمت الفكر الناصري. ومهما كان دور هيكل، وقد أضر بي كثيراً، فأنا أنساه لأجل ما قام به فيما بعد لصالح الناصرية. فأنا أتجاوز المسائل الذاتية التي ليس لها أية قيمة”.
ويدعم هذا الرأي رد الفريق أول محمد فوزي، القائد العام للقوات المسلحة المصرية من يونيه 1967 حتى مايو 1971 (55)، عن سؤال الباحث عن هيكل، حينما قال: “لقد أساء لي محمد حسنين هيكل كثيراً وشوهني في أكثر من مناسبة، وأضر بي، لكني لاحظت أن كتاباته عن عبد الناصر والناصرية كانت إيجابية، وقام بدعاية كبيرة لهما… لذلك سوف لن أرد عليه، ولن أتحدث في هذا الموضوع… فأرجو إعفائي”.
وتشابهت تقريباً كل آراء رجال عبد الناصر الذين اعتقلوا في مايو 1971. ورغم انحياز هيكل لخصمهم السادات، فإنهم اليوم يعتقدون بدور إيجابي قام به هيكل لصالح (الناصرية) في مصر وفي الوطن العربي من خلال ما كتبه.
إن الاتجاه الفكر السياسي عند هيكل تميز بتأكيده على مسألة إدارة الصراع ودور مصر فيه قائدة “للعالم العربي”، وأهمية فلسطين “كجسر بري يربط المشرق بالمغرب”. وبدت صورة الولايات المتحدة الأمريكية في فكره خصماً طبيعياً للعالم العربي رغم ضرورة “تحييدها”. كما اعتبر الاتحاد السوفيتي ” صديقاً إستراتيجياً” للعرب.
وتميزت “صورة هيكل” بتبنيه مقولة “دور للبرجوازية” في العالم العربي، وبضرورة قيادة القطاع العام للعمل التنموي، مستخدما في أماكن كثيرة بعض التحاليل أو التعابير من القاموس الماركسي بدون تعصب مع أو ضد الماركسية. وأعلن هيكل عن عدم وجود “ناصرية” كنظرية، وإنما يوجد “ناصريون”، رافضا مسألة انضمامه أو مشاركته في “حزب يحمل اسم جمال عبد الناصر”. ورغم بعض الالتباس في “ناصريته” فإن القيادات الناصرية المصرية تدين له بدفاعه عن الناصرية ودعمه لها بكتاباته.