صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة 4

2 – الجناح العسكري : تزايد نفوذ

حققت جبهة التحرير الوطني بعد أربع سنوات من الكفاح المسلح ومن النشاط السياسي الديبلوماسي في الخارج، نجاحات كبيرة، جعلتها القوة الأساسية في الداخل بعد إزاحتها للحركة الوطنية الجزائرية بقيادة مصالي الحاج، وبعد أن أصبحت الممثل الحقيقي في الخارج المعترف به من قبل الدول العربية والمجموعة الاشتراكية-الشيوعية.
تولد عن هذا النضج الميداني، فكرة ضرورة تشكيل حكومة جزائرية مؤقتة، تؤطر أكثر كفاح الجبهة من جهة، وتكون مشروع الدولة الجزائرية المستقلة القادمة.
وفي 19 سبتمبر/أيلول 1958، تم الإعلان عـن تشـكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (G.P.R.A.) برئاسة فرحات عباس. ولم تكن مسألة تكوينها معقدة، فقد قامت لجنة التنسيق والتنفيذ بحل نفسها كلجنة وإعادة تهيكلها كحكومة أضيف لها بن خده ومحمد يزيد. حدث ذلك بدون الرجوع إلى المجلس الوطني للثورة الجزائرية، والمفترض أن يكون أعلى جهاز قانوني للجبهة، وبالتالي أن يحدث تغييره بموافقته وإشرافه، غير أنه لم يسجل اعتراض أعضائه، بل تم استقباله بالترحيب .
كما تم الاعلان عن تشكيل “لجنة بيووزارية” للحرب، متكونة من الثلاثي: كريم، بوصوف، بن طوبال، مهمتها الاشراف على جيش التحرير الوطني، من خلال جهاز جديد وحد القيادة العسكرية، وأطلق عليه اسم “هيئة الأركان العامة” وعهد برئاسته إلى هواري بومدين .

أ ـ تأسيس هيئة الأركان العامة: بروز عصبية عسكرية

عمل بومدين ، عندما كان قائدا للولاية الخامسة على انتداب تلامذة الثانوي الجزائريين الذين يدرسون بمدينة وجدة المغربية، فقد كان واعيا أن التطور السريع الذي يشهده جيش التحرير الوطني، يحتاج إلى مستوى رفيع من التنظيم والدعم “اللوجستيكي”، مما يعني ضرورة تجنيد ضباطا يحسنون قراءة وكتابة التقارير، فعمل على ضم هؤلاء التلاميذ إلى جيشه، وشكل بهم نواة صلبة عرفت بـ”مجموعة وجدة” مـن بين أعضائها عـبد العزيز بوتفليقة (18 سنة)، بلقـاسم شـريف (23 سنة)، أحمد مدغري (22 سنة) .
وغرس في هذه المجموعة عصبية عسكرية متميزة تدين له بالولاء فقد كان يقول لهم باستمرار “يجب علينا أن نكون كصفيحة من الفولاذ”، كما كان يدعوهم إلى المحافظة على قدسية الواجب والانضباط وإلى روح التضامن فيما بينهم، وإلى ضرورة الحذر من قادة الولايات في الداخل، ومن سياسيي الحكومة الجزائرية المؤقتة .
تميزت هذه المجموعة عن غيرها من الأجنحة، باندماجها التام، وانصهارها في إرادة قائدها وزعيمها الكاريزمي بومدين، فقد تمكن من خلالها، من إحكام قبضته على قيادة الأركان وعلى “جيش الحدود” الذي أصبح قائده الوحيد، وزاد من شعبيته عند جيشه انتقاداته الحادة للحكـومة المؤقتـة فـي مساعيها مـن أجل إيجـاد حـل دبلوماسي للقضـية الجزائرية، إذ كان ينادي بمواصلة الخيار العسكري .
نجح بومدين إذن، رغم صغر سنه (31 سنة)، في بناء جيش يدين له بالطاعة، فقد طغى الجانب العسكري على أسلوبه في العمل، فلم تكن له خبرة سياسية قبل التحاقه بجبهة التحرير، إذ لم ينتم إلى أي حزب سياسي قبلها، ولكنه أظهر براعة فائقة في القيادة والتخطيط، فكان على حد تعبير فرحات عباس “يعمل بدون كلل، ويستطيع أن يجعل مساعديه يعملون بأقصى جهد ممكن” . ولكن في هذه المرحلة لم يكن بومدين يتحكم إلا في “جيش الحدود”، وكان له بعض الحلفاء مع بعض قادة الولايات كما كان له خصوم مع آخرين.
وفي المقابل أعيد تشكيل الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بقيادة فرحات عباس مرة ثانية، في 18 حزيران/يونيه 1960، واستمرت حتى شهر أغسطس/آب 1961، حيث شكلت الحكومة المؤقتة الثالثة والأخيرة بقيادة بن يوسف بن خدة، ودخلت هذه الحكومة في مفاوضات مباشرة مع السلطات الفرنسية، وبدأ الصراع يصبح علنيا وعنيفا في الآن نفسه بين الحكومة المؤقتة من جهة المشكلة من السياسيين، وهيئة الأركان من جهة ثانية. ووصل هذا الصراع ذروته وكان لكل طرف إستراتيجيته وتكتيكه لإزاحة خصمه. في هذه المعركة الداخلية ستكون نتيجة الصراع حاسمة للمهزوم والمنتصر على حد السواء.
ب – انتصار تحالف : بن بلا و”جيش الحدود”

لم تكن هيئة الأركان قادرة سنة 1962 على استلام السلطة مباشرة، لأسباب تاريخية، حيث يتميز قائدها والمحيطون به بصغر سنهم، وبعدم انتمائهم إلى مجموعة القادة الأوائل الذين أسسوا جبهة التحرير، فلم تكن لهم “الشرعية التاريخية” اللازمة التى تخول لهم استلام مقاليد الحكم. وكانت في مواجهتهم الحكومة المؤقتة التى انتخبت ديموقراطيا من قبل المجلس الوطني للثورة الجزائرية. فقررت أن تبحث لنفسها عن حلفاء سياسيين تتوفر فيهم شروط الشرعية التاريخية لمواجهة خصومها في الحكومة المؤقتة وحلفائها من بعض قادة الولايات المنتمين إلى جيش التحرير الوطني في الداخل. وعقد بومدين العزم على “أن يحتم تحت برنص الزعيم بن بلا” .فاتصل عبد العزيز بوتفليقة ببن بلا ورفاقه المحتجزين معه في فرنسا، وأبلغهم بأسباب الأزمة وبالوسائل التى تقترحها هيئة الأركان لحلها وهي: خلق مكتب سياسي لجبهة التحرير متمايز عن الحكومة المؤقتة ووضع برنامج. فأيد هذا الحل بن بلا وخيضر وبيطاط، ورفضه آيت احمد وبوضياف معتبرينه انقلابا وتدخلا من العسكريين ومن جهته كان بن بلا ومجموعته يعتقدون أنهم سيوظفون هؤلاء الشباب المتحمس ليزيحوا بدورهم خصومهم السياسيين ويصلون من خلالهم إلى السلطة. وحينما خرجوا من السجن، واصلوا مسعاهم في حشد الحلفاء ضد الحكومة المؤقتة وانفجر الصراع علنيا في الاجتماع الذي عقده المجلس الوطني للثورة الجزائرية بطرابلس، والذي دام من 27 مايو/أيار إلى 4 حزيران/يونيه 1962 ففرزت القوى المتعادية.
وفي 28 حزيران/يونيه 1962، عقدت الحكومة المؤقتة اجتماعا في تونس، حيث اتخذت قرارا على جانب كبير من الخطورة، إذ يقضي بحل هيئة الأركان وعزل قائدها بومدين ومساعديه منجلي وسليمان (قايد أحمد) .
ولكن، فشل امتحان القوة هذا، فقد اصطف “جيش الحدود” وراء قائده بومدين، وأعلن ضباطه أنهم لن يأتمروا بأوامر الحكومة المؤقتة وسيواصلون العمل تحت أوامر قائد هيئة الأركان .
وتشكلت مجموعتان متنازعتان:
ـ الأولى: سميت “بمجموعة تيزي وزو” ، وأهم قادتها كريم بلقاسم ومحمد بوضياف، متحالفة مع الحكومة المؤقتة، وانضمت إليها الولاية الثالثة والرابعة والثانية إلى جانب فيدرالية فرنسا لجبهة التحرير الوطني، ولقيت دعما خارجيا من تونس، وتشجيعا ضمنيا من قبل فرنسا، لاعتدالها، وعدم رفعها شعارات راديكالية.
ـ الثانية، سميت “بمجموعة تلمسان” ، وعلى رأسها أحمد بن بـلا وهيئة الأركـان والولايات الأولـى والخـامسة والسادسة، وقـد تمكنت من دعم صفوفها بتحالفات ظرفية مع عباس فرحات وأحمد فرنسيس ، ولقيت دعما مباشرا من مصر، وأجهزة مخابراتها وإعلامها التي وقفت مع بن بلا.

إن تحليلا لطبيعة هذه التحالفات داخل جبهة التحرير الوطني يؤدي بنا إلى بعض الاستنتاجات:
ـ أولا: إن هذه التحالفات لم تكتسب طابعا إيديولوجيا، فمجموعة تلمسان مثلا تضم في صفوفها ليبيراليين كفرحات عباس ومحمد خيضر، واشتراكيين كبن بلا وبومدين.
ـ ثانيا: إن هذه التحالفات تغيرت عما كانت عليه في السابق، فلم يكن بوضياف وكريم بلقاسم مثلا حلفاء بالأمس، وإنما جمعتهما مصالح ظرفية.
ـ ثالثا: إن كل مجموعة تضم في صفوفها عسكرا وسياسيين، فقادة الولايات الممثلة لجيش التحرير الوطني في الداخل، انقسموا إلى قسم يؤيد “مجموعة تيزي وزو” وقسم آخر يؤيد “مجموعة تلمسان” في حين أن “جيش الحدود” المتواجد في المغرب وتونس، كان موحدا خلف قائده بومدين. وهو الذي سيرجح كفة الصراع.
وتوالت الأحداث بسرعة، لتثبت تفوقه، فبعد أن أعلن عن الاستقلال في 3 تموز/يوليو 1962، دخلت الحكومة المؤقتة واستقرت في الجزائر العاصمة، في حين شكل أحمد بن بلا مكتبا سياسيا للجبهة في 22 تومز/يوليو، وزحـف جيش الحدود عـلى العاصمة واحتـلها فـي 4 أغسطس/آب 1962، بعد حرب أهلية قصيرة سقط فيها بضعة الاف من القتلى .
وفي 26 سبتمبر/أيلول 1962، تم تعيين أول حكومة مستقلة على رأسها أحمد بن بلا، وضمت 5 وزراء من الجيش اقترحتهم هيئة الأركان وهم:
ـ بومدين: وزير الدفاع
ـ أحمد مدغري: وزير الداخلية
ـ عبدالعزيز بوتفليقة: وزير الشباب والرياضة والسياحة (ثم الخارجية فيما بعد).
ـ موسى حسن: وزير البريد والبرق والهاتف
ـ محمد الصغير النقاش: وزير الصحة.
وكانت هيمنة العسكر واضحة على هذه الحكومة، فقد تقلدوا أهم الوزارات على الاطلاق خصوصا وزارتي الدفاع والداخلية.
ويعد الجيش المنتصر الحقيقي في هذا الصراع الذي عاشته جبهة التحرير، فقد خسر السياسيون في نهاية المطاف إمكانية السيطرة عليه . فعصيان الجيش أوامر الحكومة المؤقتة، والتشبث بقادته، يعني أن عصبية عسكرية قد تم خلقها داخله، تعمل ضد السياسيين الذين لم تر فيهم نموذجا يمكن قبوله لبناء الدولة الجزائرية المستقلة.
ومن ناحية ثانية، عهد إلى محمد خيضر بالأمانة العامة للحزب، فعمل بسرعة على إحكام قبضته عليه. وكان تصوره، أن يترك الرئاسة لبن بلا ويتولى بدوره قيادة الحزب، وصرح مرة فقال: “ليس لي إلا أن أعطى أوامري للحزب وينزل الشعب إلى الشوارع” . لكن سرعان ما تم عزله، من قبل بن بلا بدعم هواري بومدين الذي وحد جيشه تحت اسم الجيش الوطني الشعبي، مما أكد هشاشة الجناح السياسي أمام نفوذ الجناح العسكري.
وانشق محمد بوضياف عن الجبهة وأسس “حزب الثورة الاشتراكية” فتم اعتقاله، وفعل الشيء نفسه حسين آيت احمد وأسس “جبهة القوى الاشتراكية”، وثار في منطقته بالقبايل في 29 سبتمبر/أيلول 1963 ، فاعتقل بدوره، كما انشق محمد شعباني في الصحراء، واعتقل ثم حوكم وأعدم.
تمت في هذه المرحلة تصفية الكثير من القادة التاريخيين للجبهة، وإزاحة معظم السياسيين، حتى بقي احمد بن بلا بمفرده في مواجهة ضباط بومدين المحيطين به من كل مكان. فحاول، بعد أن أدرك متأخرا أن الجبهة-الدولة ، انفرد بها العسكر، أن يعيد التوازن، ثم يتخلص من حلفاء الأمس. لكن هذه المرحلة تميزت أيضا بحد أدنى من التوازن بين الجناح السياسي، والجناح العسكري، فرغم أن الجيش كان أكثر قوة وانضباطا من السياسيين، فإن تواجد أحمد بن بلا في رئاسة الدولة، مثّل عامل توازن، وحاجزا مؤقتا أمام سلطة الجيش، وإذا زال هذا الحاجز، فسينهار معه التوازن، وتصبح هيمنة الجيش مطلقة.