صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة 20

– النتيجة الثورية

إن نجاح أية ثورة أو إصابتها بالفشل مسألة مرتبطة بمدى توفر العوامل الأربعة التي تؤدي إلى “نتيجة ثورية”، أي انتقال السلطة من النخبة السياسية الحاكمة القديمة إلى النخبة المعارضة الجديدة. إن أهم عامل يجب توفره بكثافة يتجسد في ظهور انقسام حاد على مستوى النخب الحاكمة.

أ‌- انقسام حاد داخل النخبة الحاكمة

حدث أكبر انقسام شهدته النخبة الجزائرية الحاكمة في آواخر حكم الرئيس الأسبق المستقيل الشاذلي بن جديد. مثل هذا الانقسام ثغرة كبيرة نفذت منها الجبهة الإسلامية للإنقاذ.
كما يتواصل اليوم الصراع داخل أجنحة النظام في الجزائر متخذا شكلا جديدا يتمحور حول ثنائية الحوار/القطيعة الكاملة مع جبهة الإنقاذ. أي ما يعبر عنه بالاستئصاليين من جهة وأنصار المصالحة من جهة ثانية. اشتد هذا الصراع وبلغ ذروته أثناء فترة حكم الرئيس اليمين زروال (يناير 1994-أبريل 1999). من المفيد دراسة رهانات هذا الصراع، من هم أطرافه؟ كيف كانت نتيجته؟ لننتقل بعده إلى دراسة موقع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة إزاء هذه المسألة المحددة في سياسة النخبة الحاكمة في الجزائر.
لا بد من التنبيه إلى أن الصراعات التقليدية في الجزائر بدأت تتراجع لتترك مكانها إلى هذه الثنائية المستعجلة في البحث عن حل. سنحاول أن نشخصن هذا الصراع في ضرورة منهجية قد لا تعكس بأمانة كاملة تشابك هذا الصراع، تعقده، تموجاته وإمكانية الانقلاب داخله. نفترض أن مؤسسة الرئاسة بقيادة الرئيس اليمين زروال دخلت في صراع مع مؤسسة الجيش وعلى رأسها قائد الأركان اللواء محمد العماري. وسنبحث من داخل النظام عن تصنيف لأنصار الأول ولأنصار الثاني .

أولا: الرئيس اليمين زروال وحلفاؤه

ولد الرئيس اليمين زروال في مدينة باتنة (عاصمة الأوراس ومعقل الشاوية) في شرق الجزائر في 3 تموز /يوليو 1941. التحق بالثورة قبل إتمامه لدراسته في المرحلة الإعدادية، حيث لم يتجاوز سنه 16 عاما. أرسل إلى القاهرة في دورة تدريبية، التحق على إثرها بقوات جيش التحرير الوطني المرابطة على الحدود التونسية-الجزائرية. تمكن في هذه الفترة من شد انتباه ضباط الثورة بفضل خصاله الحميدة.
تخصص زروال، بعد أن استقلت الجزائر، في سلاح المدفعية وشارك في العديد من الدورات التدريبية. كما درس العلوم العسكرية في موسكو ثم في فرنسا. شغل أول منصب هام في الجيش الوطني الشعبي ابتداءا من سنة 1975 حينما عين مديرا لمدرسة الأسلحة القتالية بباتنة برتبة مقدم، حيث تعرف على زميل له يدعى محمد العماري. وفي سنة 1981، تم نقله إلى أكاديمية شرشال. ثم رقي إلى رتبة عقيد في سنة 1982. ثم تولى قيادة الناحية العسكرية السادسة (تامنراست)، فالناحية الثالثة (بشار)، فالخامسة (قسنطينة). وفي 1988، عين العميد زروال قائدا للقوات البرية مساعدا لرئيس الأركان العميد خالد نزار. طلب منه الرئيس بن جديد وضع تصور شامل لتحديث القوات البرية وتنظيمها. لكن سرعان ما فضل بن جديد خطة قائد الأركان على مقترحات زروال، مما دفعه إلى تقديم استقالته سنة 1989. ثم فوجئ بتعيينه سفيرا في رومانيا. قبل المنصب الجديد دون حماس ثم استقال منه بداية 1991. وفي تموز/يولية 1993 عين اليمين زروال وزيرا للدفاع، وفي اليوم نفسه صدر قرار تعيين زميله السابق محمد العماري رئيسا لهيئة الأركان برتبة لواء. وفي 30 يناير/ كانون الثاني 1994 عين رئيسا للدولة على إثر إنهاء أعمال “ندوة الوفاق الوطني” .
تميز الرئيس اليمين زروال بالخصال التالية:
أولا: على المستوى الشخصي الذاتي، امتلك سمعة طيبة جدا في جميع أوساط الطبقة السياسية، حاكمة أو معارضة، وقبولا من قبل الشعب الجزائري نفسه. فهو لم يتورط في فساد مجموعة “المافيا” التي استخدمت السلطة من أجل مصالحها المادية الخاصة بطرق غير شرعية. فلم تعرف له أنشطة تجارية أو استغلال نفوذ من أجل أسرته أو أصدقائه. فقد كانت اهتماماته عسكرية تقنية بحتة في الأول، ثم أصبحت سياسية هدفها إنقاذ الجزائر عند توليه مسؤولية قيادة البلاد.

ثانيا: انتمى الرئيس زروال إلى المؤسسة العسكرية، وبالتالي أدرك حقيقة مايحدث داخلها بدقة، عارفا لموازين قواها، ولطبيعة الصراعات والتحالفات التي تتفاعل فيها. إنه لم يعد سيناريو محمد بوضياف الذي ذهب ضحية لجهله الكبير بحقيقة ما يحدث داخل النظام الجزائري. كما تميز عن علي كافي الذي ترأس البلاد لملء فراغ دستوري دون أن تكون له أية سلطة تذكر.

ثالثا: كان زروال رجل حوار. يقبل بفكرة الحوار مع التيار الإسلامي المعتدل داخل “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”. وقد حاول مساعده محمد بتشين أن يمد جسور الحوار مع عباسي مدني وعلي بن حاج. إلا أن هذا الأخير أفسد كل المحاولات أكثر من مرة ببياناته الداعمة للجماعة الإسلامية المسلحة.

رابعا: اعتمد زروال على عكس خصومه على شرعية انتخابات رئاسية. ومهما قيل عن هذه الانتخابات وعن إمكانية التزوير فيها، فهي قد أمدته بشرعية تم من خلالها الإجماع على شخصه من كافة القوى السياسية بما فيها التيار المعتدل داخل “الجبهة الإسلامية للإنقاذ”. كما تمتع الرئيس زروال بتعاطف شعبي كبير مصدره سمعته الطيبة في عدم تورطه في أية أعمال فساد أو استغلال للنفوذ…ثم مشاركته في حرب التحرير الوطني التي وهبته الشرعية الثورية.

تمكن الرئيس اليمين زروال من اكتساب بعض الحلفاء داخل الجيش أو لدى النخبة السياسية المدنية. يمكننا ذكر أهم حلفائه المدنيين:

1- بشير بومعزة: رئيس مجلس الأمة. ولد بومعزة في مدينة خراطة الجزائرية سنة 1927. انضم منذ ريعان شبابه إلى حزب الشعب الجزائري، ثم إلى حركة انتصار الحريات الديموقراطية وناضل من أجل تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي, انضم فيما بعد إلى حزب جبهة التحرير الوطني وناضل فيه إلى اليوم. شغل مناصب وزارية عديدة في حكومة أحمد بن بلا، ثم في حكومة هواري بومدين الذي اختلف معه واختار المنفى خارج وطنه. عاد إلى الجزائر بعد وفاة بومدين وربط علاقات مع السلطات الجزائرية. أشرف على رئاسة جمعية “8 ماي 1945” ثم عينه الرئيس اليمين زروال في بداية سنة 1998 رئيسا لمجلس الأمة. بشير بومعزة، مثقف مهتم بالقضايا العربية وصاحب توجه عربي يعمل من أجل انفتاح الجزائر على الوطن العربي. سبق أن نشر كتابا باللغة الفرنسية عنوانه “لا للأمير ولا لآية الله”.
2- عبد القادر بن صالح: رئيس المجلس الشعبي الوطني (البرلمان). واحد من الشخصيات المقربة لرئيس زروال. يتميز باتجاهه الثقافي العربي. حاول جمع المدنيين المواليين لزروال في حزب سمي “التجمع الوطني الديموقراطي” . واجه هذا الحزب مهمة عسيرة. حيث كان المطلوب منه حشد الأنصار وتعبئتهم وتنظيمهم لصالح برنامج الرئيس. فخطط له أن يكون فائزا في كل انتخابات يخوضها، فواجهته معضلة انضمام الوصوليين والانتهازيين إليه بشكل كثيف.
3- أحمد أويحي: من أصول قبايلية. يمثل الجيل الشاب. عمل في ديوان الرئاسة مع الرئيس زروال. يعود الفضل في ترؤسه الحكومة إلى دعم وتبني مباشر من رئيس الدولة .
4- محمد بتشين: وهو جنرال سابق في الجيش متقاعد. مثله مثل الرئيس زروال جاء من جيش التحرير الوطني. شغل لفترة من الزمن منصب رئيس الأمن العسكري. وهو ما خوله الاطلاع بشكل دقيق وكبير على تفاصيل الأمور والتوازنات والصراعات التي تخترق الأجهزة في الجزائر. يعمل عادة بعيدا عن الأضواء حيث كلفه زروال بالمهمات السرية الصعبة كالاتصال بعباسي مدني وعلي بن حاج والتفاوض معهما. يعد من أخطر العناصر التي تحالفت مع الرئيس اليمين زروال.
أما في الجانب المقابل، أي المؤسسة العسكرية، فقد تمكن زروال من إحداث بعض التغييرات الطفيفة لصالحه. حيث عين مثلا الجنرال الطيب الدراجي قائدا عاما للدرك الوطني. وهو صديق شخصي له. ويعد من المعتدلين الذين يقبلون بإجراء حوار مع قيادة الجبهة الإسلامية. عينه زروال مكان عباسي غزيل الذي أحيل على التقاعد. وهو من الجنرالات المنادين بضرورة استئصال الجبهة وبضرورة مواصلة الخيار الأمني كحل وحيد للأزمة التي تعصف بالجزائر. اعتبر تعيين الدراجي مكسبا كبيرا للرئيس داخل المؤسسة العسكرية. يبدو أيضا أن الجيل الشاب من الضباط قد دعم زروال. فهذا الجيل يتميز بكونه لا يستمد شرعيته من مشاركته في حرب التحرير، أي شرعية الثورة، ولا من أقدميته لأنه جيل شاب…وإنما يعتمد في ارتقائه على كفاءته العسكرية والعلمية وعلى قدراته التقنية التي اكتسبها بفضل الدراسة والتدريب المستمر. ليست لهذا الجيل طموحات سياسية في حكم البلاد. لأنه لم يعش مرحلة اختلاط العسكري بالسياسي. ولأنه لا يمتلك، اجتماعيا، امتيازات الجنرالات.

ثانيا: محمد العماري وحلفاؤه

تكمن القوة الأساسية لهذا التحالف في كونه يسيطر سيطرة كاملة على قيادة الجيش العملياتية. إذ تقع تحت إمرته المباشرة فرق التدخل العسكري المشتركة المكلفة بمحاربة الإرهاب. يستفيد من عدة عوامل ساعدته على ترسيخ مواقعه وإحكامه القبضة على تطور الصراع. نجد على رأسه قائد هيئة أركان الجيش الجنرال محمد العماري. أصله من منطقة القبايل. يبلغ عمره حاليا حوالي 60 سنة. يعد من “ضباط الجيش الفرنسي” الذين عملوا قبل ثورة نوفمبر/تشرين الثاني 1954 في الجيش الفرنسي. ثم التحق بالجيش الوطني الشعبي الجزائري بعد الاستقلال. ارتقى بسرعة في السلم العسكري في عهد الشاذلي بن جديد. عمل قائدا للوحدات الخاصة قبل ترقيته ليصبح قائدا لهيئة الأركان. يتميز بمعاداته الشديدة للجبهة الإسلامية ومن يلف في دائرتها كما يتميز بحرصه الشديد على وحدة المؤسسة العسكرية. كتب في شهر أكتوبر/تشرين الأول 1997 مقالا في مجلة “الجيش” الجزائرية ينفي فيه بحدة “الإشاعات التي تدور حول انقسام الجيش” وأبدى رفضه الكامل للتصنيفات التي تميز بين الضباط فتقسمهم إلى “محاورين واستئصاليين، إسلاميين ولائكيين”. تكمن قوته في وجوده في هرم القيادة العسكرية العملياتية، أي تلك التي تتحكم في تحرك القوات اليومي. يعتبر شريف فضيل قائد الوحدات العاملة ضد الإرهاب ذراعه الأيمن. أما الجنرال محمد مدين، المكنى، بسي توفيق، وقائد إدارة الأمن والإرشاد (Direction des Renseignements et de Sécurité) فيمثل بمفردهه ومن خلال جهازه النافذ كتلة مستقلة بذاتها تتعاون في بعض الأحيان مع الرئيس زروال وفي أحيان أخرى تنقلب عليه لتقترب من قائد الأركان العماري. أحدث إنجازات كبيرة تمثلت في اختراق عميق للبنى التنظيمة للجماعة الإسلامية المسلحة. كما ربط أيضا علاقات وثيقة مع قيادة الجيش الإسلامي للإنقاذ توجت بإعلان هذا الأخير عن هدنة من جانب واحد. وتذكر بعض المصادر أنه يدافع على أطروحة إدماج مقاتلي الجيش الإسلامي للإنقاذ داخل الجيش الوطني الشعبي الجزائري برتب عسكرية مختلفة. جعله منصبه شديد الحساسية الأقرب إلى فهم المشهد الأمني السياسي المعقد.
إن قوة هذه الشخصيات لا تكمن في ذواتها كأفراد وإنما في مواقعها داخل الأجهزة. وهي تتميز عن التكتلات السياسية الأخرى بتضامنها القوي الذي ينقذها من التمزق ويجعل صراعاتها الداخلية مسألة ثانوية حينما يتعلق الأمر بمواجهة صراع خارجي. إن رهان هذه المجموعة يعتمد على محافظتها على سيطرة شبه كاملة على مؤسسة الرئاسة والحكومة المدنيتين. ففي الواقع لا تعد معاداتها للرئيس زروال معاداة شخصية فقط لمجرد أنه اليمين زروال الذي حارب الاستعمار أثناء الثورة أو لأنه من مدينة باتنة…إن لقيادة الجيش هدفا آخر يتمثل في كونها تريد أن تحد من تأثير مؤسسة الرئاسة وتجعل من نفسها القوة الحاسمة في سياسة الجزائر الداخلية أو حتى الخارجية. لقد برهنت تاريخيا، وبقطع النظر عن من يوجد على رأسها، على تفوقها على رئاسة الدولة. فهي أزاحت الرئيس الأول أحمد بن بلا، ثم الرئيس الثالث الشاذلي بن جديد والرئيس الخامس علي كافي. وتمكنت أخيرا من دفع الرئيس اليمين زروال إلى الاستقالة والدعوة إلى انتخابات رئاسية جديدة. حدث استثناء وحيد مع الرئيس الراحل هواري بومدين. سببه أنه جمع بقوة وفي يد واحدة بين رئاسة الجمهورية وقيادة الجيش.
كيف تمكنت قيادة الجيش من دفع الرئيس اليمين زروال إلى الاستقالة وإلى الانسحاب من الحياة السياسية؟
يتميز التكتيك المتبع بين أجنحة النظام اليوم في الجزائر في صراعاتهم الداخلية بطرافة خاصة. لم تعد هناك حاجة للتصفيات الجسدية المباشرة ولا إلى تحريك الدبابات لتحيط بالقصر الجمهوري ومبنى الإذاعة والتلفزيون لتعلن البيان الأول. إن ظروف البلد السياسية والأمنية لم تعد تسمح بمثل هذه الأعمال. تم الالتجاء إلى أسلوب جديد يعتمد على الصحافة المكتوبة حيث تشن أحد الصحف هجوما غير مباشر في مرحلة أولى يتحول إلى هجوم مباشر في مرحلة ثانية ضد أحد أقرب أعوان الرئيس. يقصد منه في النهاية تشويه زروال نفسه ووضعه موضع اتهام. إننا نقصد بدرجة أولى صحيفة “الوطن” الناطقة باللغة الفرنسية، تليها صحيفة “ليبرتيه”.
بدأت “الوطن” أولا بشن حملة عنيفة ضد مساعد الرئيس زروال الجنرال المتقاعد محمد بتشين. فتحت صفحاتها لسلسلة من المقالات كتبها أمين عام حزب صغير لم يفز في أية انتخابات، اسمه نور الدين بوكروح، هاجم فيها بشدة محمد بتشين واتهمه بالفساد وتكوين ثروة عبر استغلاله نفوذه كمساعد للرئيس. ثم اشتدت الحملة على الرجل وتواصلت لتتهم زروال نفسه بحماية صديقه والتستر عليه. وتوجت هذه الحملة بانتقاد كبير لكل أعوانه من رئيس الحكومة أحمد أويحي إلى إلى وزير الإعلام والناطق الرسمي باسم الحكومة حبيب حمراوي شوقي…لا يمكننا فهم هذه الجرأة المبالغ فيها لجريدة “الوطن” إلا من خلال فهم أنها أدت دورا طلب منها من قبل قيادة الجيش الراغبة في إزاحة زروال أو على الأقل إضعافه عن طريق عزله بعد التخلص من أنصاره تباعا. ولأن زروال يدرك تمام الإدراك ما يحدث في أروقة الجيش والدولة، فقد فضل الانسحاب على البقاء ضعيفا محاصرا غير قادر على ممارسة صلاحياته كرئيس فعلي للجزائر.
نجحت مؤسسة الرئاسة مرة أخرى في تأكيد هيمنتها على مؤسسة الرئاسة. أكدت تفوقها التاريخي على الدولة والمجتمع.

بدا واضحا منذ تقديم الرئيس اليمين زروال استقالته المبكرة أن الجيش، أو تحديدا قيادة الأركان والأمن العسكري، اختارا عبد العزيز بوتفليقة ليكون رئيسا للجزائر. ورغم هذا الاختيار فقد حدث تحول كبير في الثقافة السياسية الجزائرية تمثل في الحملة الانتخابية وما تميزت به من نقاش مفتوح تعرض لكل المواضيع بما فيها وضعية الجيش نفسه بالنسبة إلى الدولة والمجتمع . حدث تقدم كبير في ما يمكن تسميته بالثقافة السياسية لكنه انتهى بشكل مؤسف حينما انسحب ستة مترشحين في آخر لحظة.
نجح بوتفليقة بنسبة 73.79% مع نسبة مشاركة وصلت إلى 60.25% وهو ما يعتبره كافيا لأن يكون رئيسا شرعيا للجزائر. لكن هناك مشكلة مبدئية تمثلت في كونه لم ينافس في نهاية المطاف إلا نفسه. فانسحاب آخر لحظة لبقية المرشحين الستة جعل من الانتخابات مشهدا شبه سورياليا، إذ تحولت انتخابات التعددية إلى مجرد استفتاء لا أكثر. والأخطر من ذلك مافعله التلفزيون الجزائري منذ يوم 14 أبريل، عندما أوقف المرشحون الستة سباقهم نحو الرئاسة، لقد تحول التلفزيون صراحة ومباشرة إلى جهاز تعبئة لصالح بوتفليقة. أقصى الآراء المخالفة، ولم يبث إلا مشاهد دعم بوتفليقة أو استنكار انسحاب المرشحين الستة .
كما هاجم الإعلام الفرنسي هذه الانتخابات وأقرت تلفزيوناته بضعف كبير في نسب المشاركة. أما الإدارة الأمريكية فيبدو أنها عازمة على دعم بوتفليقة رغم أنها أعربت عن خيبة أملها في عدم وجود انتخابات تعددية.
بدأ الرجل عهده بانتخابات شابها تساؤل كبير، وسيواجه مستقبلا مثل غيره من الرؤساء السابقين صراع إرادة مع العسكر الذين قد يذكرونه كلما تطلب الأمر بنقص في الشرعية التى أوصلته إلى” قصر المرادية” وبأنهم أصحاب الفضل في وصوله للحكم.
لقد سبق لبوتفليقة أن استفاد من حملة شاملة قدمته على أساس أنه مرشح الإجماع ووصل الأمر الى اعتباره رئيسا بالقوة للبلاد مما دفع اليمين زروال الى التدخل في خطاب رسمي ألقاه يوم الجمعة 13 فبراير (1999) هدد فيه ب “اتخاذ التدابير التي قد تفرض نفسها اذا ما استفحلت النزعة الى تحريف هذه الانتخابات عن مغزاها واستمرت السلوكيات الرامية الى تحويل هذا المسار عن أهدافه”. كما استهدف نفس الخطاب المؤسسة العسكرية بشكل عام والجنرال المتقاعد خالد نزار بشكل خاص حينما حذرهم من الحديث باسم المؤسسة العسكرية باعتباره مازال قائدها الأعلى وانتقد بعض وزرائه معترفا بحدوث تجاوزات قائلا: “هذه الطروحات والتصرفات ليس من شأنها أن تساعد على توفير الشروط الضرورية لتنظيم وسير انتخابات نزيهة، وهذا أمر لا بد أن يزول” وأكد على ضرورة “إتاحة الفرصة لمختلف الأطراف الفاعلة في الحياة الوطنية لتأكيد دورها الطبيعي المتمثل في المشاركة السياسية بوسائل ديموقراطية وسلمية” كما هدد في نفس الخطاب باستعداده لاتخاذ اجراءات مناسبة لتفادي انحراف موعد الرئاسيات عن أهدافه، مؤكدا أنه لا يزال يتمتع بصلاحياته الكاملة كرئيس للجمهورية. ما الذى يمكن استنتاجه من خطاب زروال؟ أهم رسالة وجهها هو الدفاع عن نفسه في مواجهة خصومه في قيادة الأركان الذين شنوا عليه حملة منظمة أثناء الصيف الماضي متهمين مساعده الأول بتشين بالرشوة والفساد من خلال الصحف المقربة اليها كالوطن وليبرتيه. يصبح زروال بعد هذا الخطاب المدافع الأول عن قيم الديموقراطية والشفافية. وقد اختار توقيتا ذهبيا جعل منه أكثر الشخصيات القيادية احتراما ومبدئية ووضوحا. لقد ربح نقطة هامة سيسجلها له التاريخ، إذ انتقل من موقع متهم فيه إلى موقع الحكم الذى يستنجد به عند اندلاع الأزمات. وفي نفس الوقت وضع محل اتهام خصومه في قيادة الأركان باعتبارهم لم يلتزموا الحياد واعتدوا على إرادة الشعب الجزائري الذي لم يجمع بعد على أي كان.

لن تمضي أسابيع أو على الأكثر أشهر قليلة حتى يندلع الصراع مرة أخرى بين الجيش ورئيس الدولة الجديد عبد العزيز بوتفليقة. لابد من فهم سوسيولوجي تاريخي لطبيعة هذا الصراع الذي يتميز بكونه صراع مؤسسات أكثر منه صراع أيديولوجيات أو حتى أفراد. فهو صراع موضوعي وليس صراعا ذاتيا، مستقلا عن إرادة الأفراد ومتكررا عبر التاريخ.
ما الذي يمكن استخلاصه كقانون سوسيولوجي؟
يمكننا القول أن مرشح الجيش هو الرئيس الذي يحترم قراراته، لا يحاول أن يمس بتوازناته الداخلية، أن لا يتخذ القرارات الكبرى دون موافقته، أن يكون تابعا للمؤسسة العسكرية لا قائدا لها.
لكن المشكل مع عبد العزيز بوتفليقة يكمن في كونه ليس رجلا سهلا يقبل أن يكون مجرد ديكور في المشهد الجزائري. فشخصيته قوية وتجربته السياسية طويلة وخبرته متميزة وطموحه جارف…وصدامه مع قيادة الأركان مسألة وقت.
يجب فهم شخصية عبد العزيز بوتفليقة التي مرت بتجربة كفاح سياسي طويل وتمرست في أجهزة الدولة. ولد “سي عبد القادر” في 2 مارس/آذار 1937 بمدينة تلمسان غرب الجزائر. انضم الى الثورة مبكرا منذ سنة 1956 حيث عمل تحت قيادة هواري بومدين العسكرية الذى اهتم به وأوكل اليه مهمات دقيقة. فعينه قائدا عسكريا برتبة رائد ولم يتجاوز سنه 18 سنة ليقود رجالا أكبر منه سنا في الجبال والمغاوير. أرسله بومدين قبل أشهر من الاستقلال سنة 1961 الى فرنسا في مهمة سرية لإقناع محمد بوضياف بإمكانية التحالف معه لإسقاط الحكومة المؤقتة فرفض عرضه وعامله بجفاء. ونجح في اتصاله باحمد بن بلا حيث قبل بمشروع التحالف مع قيادة أركان جيش التحرير الوطني. يعد بوتفليقة أحد أعمدة “كتلة وجدة العسكرية” الأكثر صلابة وإخلاصا للقائد بومدين. شغل منصب وزير الشباب والرياضة والسياحة وعمره لا يتجاوز 25 سنة. ثم منصب وزير الخارجية إلى سنة 1979. أقنع رفاقه وقائده بضرورة إزاحة بن بلا. وهو ما تم في انقلاب 1965. انتخب بالإجماع رئيسا للدورة 29 للجمعية العامة للأمم المتحدة. بعد وفاة بومدين مباشرة، كان واحدا من مرشحين اثنين لخلافته، من المفترض أن منافسه الأول هو محمد الصالح اليحياوي. لكن الجيش، وهو ما لم يتوقعه أحد، عين الشاذلي بن جديد رئيسا للجمهورية على اعتبار أنه الضابط الأكبر سنا والأعلى رتبة حتى يتم التخلص من بوتفليقة الملتزم بسياسة بومدين.
يتميز “سي عبد القادر” بالخصال التالية:

أولا: امتلاكه للشرعية التاريخية، فهو مقاتل وهب الثورة شبابه منذ بدايتها ويتمتع بكاريزما خاصة اكتسبها من خلال تجربته كرفيق للرئيس الراحل هواري بومدين.

ثانيا: ارتباط اسمه بالعصر الذهبي الذي عاشته الجزائر أثناء فترة حكم بومدين. ويثير هذا العهد لدى الجزائريين حنينا كبيرا واحتراما جليا، فيندرج اختياره في إطار البحث عن الشرعية لدى المناضلين الأوائل.

ثالثا: يتميز بكونه من الغرب الجزائري. وهو ما سيعطي للنظام الجزائري نوعا جديدا من الصدقية التى ستخلصه من تهمة الإقصاء الدائم لهذه الجهة من رئاسة الحكم منذ عزل بن بلا.

رابعا: يعد سياسيا محنكا، يمكنه أن يعيد للجزائر إشعاعها الدبلوماسي الدولي، وهو يرتبط بعلاقة صداقة قوية مع دول الخليج العربي وله توجهات عربية صريحة .

أما العراقيل والصعوبات التى يمكن أن تواجهه وتحد من فعاليته في اتخاذ القرار فهي:

أولا: على عكس الرئيس اليمين زروال، فهو لا يمتلك أنصارا حقيقيين لدى المؤسسة العسكرية، بمعنى ولاءات تامة كما هو الحال بالنسبة لزروال. فإذا وقع الاختيار عليه من قبل قيادة الجيش ليس لكونه يمتلك نفوذا مباشرا عليهم، بل على العكس لكونه لا يستطيع أن يغير فيها ويتلاعب بتوازناتها لعدم معرفته بتفاصيل التيارات التى تخترقها على عكس اليمين زروال. وهو ربما ما دفع بالمترشح يوسف الخطيب الى انتقاده بعنف متهما إياه بالغياب عن الساحة لمدة عشرين سنة، مما يجعله غير ملم بما يحدث. لكن من الممكن أن يصل إلى اتفاق وانسجام مع القيادة العسكرية فيتحدان عوض أن يتصارعان في حالة اتفاقهما على برنامج مشترك وعلى توزيع دقيق للصلاحيات.

ثانيا: وصوله الى رئاسة الدولة بدون الارتكاز على ولاءات مباشرة لصالحه لدى المؤسسة العسكرية سيجعله غير قادر كلية على اتخاذ قرارات صعبة ومصيرية لا توافق عليها قيادة الجيش، مثل الإفراج عن عباسي مدني وعلي بلحاج وعودة الجبهة الإسلامية للإنقاذ الى الحياة السياسية. إضافة الى أن تدخل الجيش الذى تم لصالحه قد يكون نقمة عليه لدى المواطن الجزائري العادي. يذكر قي هذا الصدد أن صحيفة “لو كانار أنشينيه” ذكرت في أحد أعدادها في شهر فبراير (1999) أن مكالمة هاتفية تنصتت عليها المخابرات الفرنسية جرت بين الجنرال إسماعيل العماري والقائم بالأعمال العسكري في سفارة الجزائر بباريس، الجنرال صنهاجي يوم 4 يناير، حيث طلب فيها العماري من صنهاجي التدخل لدى صديقه سيد أحمد غزالي للتخلى عن ترشحه لفائدة بوتفليقة خاصة وأن الاثنان من منطقة الغرب المفترض أن تكون القاعدة الصلبة لبوتفليقة.
كما برزت مؤخرا على السطح أخبار تؤكد ان الجيش غير مجمع على تأييد الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. فصحيفة لومند الفرنسية ذكرت في مقال لها أن رئيس هيئة الأركان الجنرال محمد العماري لا يساند بوتفليقة. فهو أعلن حياده علنا، أما في مجالسه الخاصة فقد عبر عن رغبته في أن يرى مولود حمروش رئيسا للبلاد. ذكرت نفس الصحيفة، التى لها علاقات وطيدة مع السياسين الفرنسيين النافذين، أن المتحمسين الوحيدين لبوتفليقة هما قائد الأمن العسكري الجنرال محمد مدين ومساعده الجنرال إسماعيل العماري. وخلصت الصحيفة إلى أن الرئيس الجديد هو في الواقع “مرشح جناح وليس كل المؤسسة العسكرية، وبالتالي سيتم إضعافه ولن يستطيع الصمود”. وتذكر في نفس السياق مجلة “جون أفريك” الباريسية أن السيد عبد العزيز بوتفليقة يدرك أنه لم ينتخب من كل الجنرالات، وأن بعضهم أعطى صوته إلى غيره. يمكننا من خلال هذه “المقالات غير البريئة” استنتاج أن بوتفليقة ليس برجل فرنسا، وأن أنصارها داخل الجيش (محمد العماري) لا يحبذونه. أكد ذلك لاحقا الهجوم العنيف الي شنه الرئيس المنتخب على فرنسا منذ اليوم الموالي لإعلان نتيجة الانتخابات. إذا كان ما سمي ب”ضباط الجيش الفرنسي” معادين له، فمن يسانده؟ الجيل الجديد من الضباط؟ التقنوقراط؟ بعض الضباط المعادين للنفوذ الفرنسي والمتعاطفين مع ضرورة تكثيف التعاون مع الأمريكيين؟ هذا الاتجاه الجديد يدلل على صراع آخر داخل المؤسسة العسكرية بين جناح عربي يحبذ التعاون مع أمريكا والعرب وآخر يرتبط بفرنسا .

ثالثا: لا يبدو أنه يمتلك سندا حقيقيا ومباشرا من جبهة التحرير الوطني ولا من التجمع الوطني الديموقراطي، رغم أنه تلقى من كليهما دعما واضحا لترشحه للانتخابات الرئاسية. فدعمهما له في حقيقة الأمر هو انعكاس لدعم القيادة العسكرية. فالمعروف عن جبهة التحرير الوطني، بعد إزاحة أمينها العام السابق عبد الحميد مهري، أنها أصبحت شديدة القرب من قيادة أركان الجيش الجزائري. أما التجمع الوطني الديموقراطي الذي شكل لدعم الرئيس زروال، فمن المعروف عنه أنه حزب الإدارة التابع للسلطة الفعلية أي الجيش، وقد تأكد ذلك مؤخرا بعد أن تم تصفية أنصار زروال (محمد بتشين والطاهر بن بعبيبش) وعينت له قيادة جديدة على رأسها أحمد أويحي الذي يبدو أنه غير تحالفاته جذريا وتحول الى تكتل قيادة الأركان/بوتفليقة. كما ساندت بوتفليقة حركة النهضة التى تخلصت من تيار عبد الـله جاب الـله. وقدمت “حمس” (حركة مجتمع السلم) ولاءها المطلق لبوتفليقة في آخر لحظة بعد أن أزيح زعيمها التاريخي محفوظ نحناح من سباق الرئاسيات بتعلة عدم مشاركته في الثورة . إضافة إلى أحزاب سياسية صغيرة كثيرة، لكن أغلبها ليس له وزن انتخابي، ويعتبرها بعض المراقبين من صنع المخابرات العسكرية لدعم اتجاهات الجيش لدى الطبقة السياسية المدنية. لكن لا بد من إدراك أن دعم قيادات هذه الأحزاب لبوتفليقة لن يعني بالضرورة دعم القواعد العريضة له بنفس الحماس والالتزام . لقد سبق أن اشتدت هذه الانقسامات في الأحزاب الكبيرة واخترقت كل من التجمع الوطني الديموقراطي، جبهة التحرير الوطني، وحركة النهضة.

رابعا: والأخطر من ذلك، يجد بوتفليقة نفسه الآن دون أي سند من منطقة القبايل سواء في تيزي وزو أو بجاية. فمشاركتهم في الانتخابات لم تتجاوز 6% باعتراف النتائج الرسمية نفسها. فمن الواضح أن سكان هاتين الولايتين التزموا بتعاليم زعيميهما التقليديين: حسين آيت أحمد والدكتور سعيد سعدي بمقاطعة الانتخابات. ومن ثمة من الممكن أن يواجه انتفاضات أو على الأقل احتجاجات كبيرة من قبل هذه الفئة النشطة من سكان الجزائر. من الممكن أن يطفو خطر الصراع بين التحالف العربي الشاوي من جهة والقبايل من جهة أخرى على السطح.

خامسا: بوتفليقة الذي يرمز للبومدينية سيجد نفسه مضطرا لانتهاج سياسة مضادة لبومدين على الأقل في المجال الاقتصادي. لن يستطيع أن يطبق برامج اشتراكية قد تجذب إليها الطبقات الفقيرة. سيجد نفسه في مواجهة صندوق النقد الدولي وطبقة الأثرياء الجدد الذين يسيطرون على مقاليد البلد الاقتصادية. أما خارجيا، فلا يمكنه استعادة خطاب بومدين العالم ثالثي المعادي للإمبريالية الأمريكية، فانتهاء الحرب الباردة تجعل من مثل هذا الخطاب نمطا من اللاواقعية السياسية التى لن تجلب إلا الحصار.
تبقى الحقيقة السوسيولوجية الوحيدة القائمة في الجزائر تتمثل في هيمنة المؤسسة العسكرية على المجتمع والدولة وإدارتها بشكل خفي ومن وراء الستار للحياة السياسية. فالجيش اعتاد على إدارة البلد مستخدما “حجاب” المدنيين على حد تعبير الباحث الجزائري عبد القادر يفصح .
ومن المفيد الاستنتاج أن الجيش منع النخبة السياسية العسكرية الحاكمة من التفكك. كما يمكننا أن نقسم انقسام النخبة المدنية الحاكمة بين سنة 1988 وسنة 1999 إلى فترتين متميزتين.
تمتد الفترة الأولى من سنة 1988 إلى سنة 1994، وشهدت فيها هذه النخبة تفككا حادا. حدث تفكك في التحالف الثلاثي التاريخي بين الرئاسة/الجيش/الحزب. وصل الأمر بالجيش إلى الانسحاب من الحزب (جبهة التحرير الوطني) ثم إلى إجبار الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة. وجدت النخبة العسكرية نفسها في هذه الفترة منعزلة، تعرضت إلى انتقادات عنيفة من كافة التيارات السياسية في الداخل ومن القوى الكبرى في الخارج. لكنها سرعان ما أوجدت تحالفات جديدة ووسعت من جبهة أنصارها. بدأت التحولات تعمل لصالحها منذ سنة 1994. لقد نجحت في صياغة علاقة تعاون وثيقة مع جبهة التحرير الوطني بعد إحداث تغيير في قيادتها الراديكالية الممثلة في عبد الحميد مهري والإتيان بقيادة جديدة موالية لها على رأسها بوعلام بن حمودة. كما أنشأت حزبا جديدا بالتعاون مع الرئاسة سمته التجمع الوطني الديموقراطي حشدت فيه تجمعا هائلا من موظفي الإدارة والقيادات السياسية التى انسحبت من جبهة التحرير. أما أهم إنجازاتها على الإطلاق فتتمثل في حمايتها للنظام ككل من خطر التفكك والتلاشي. نجحت في وضع آلية دقيقة تسمح بالاختلاف وبالصراع الداخلي لكنها لا تسمح بخيانة النظام نفسه والانضمام إلى العدو المشترك المتمثل في الجبهة الإسلامية للإنقاذ وتنظيماتها الموالية. يعود هذا النجاح في أحد أسبابه إلى كون أن القيادة العسكرية لم يصبها تغيير كبير بين سنة 1992 وسنة 1999. فقد شهدت الجزائر في هذه الفترة 5 رؤساء و6 رؤساء حكومة، لكنها لم تشهد إلا تغييران كبيران. واحد في قيادة الدرك الوطني حينما استبدل اللواء عباس غزيل باللواء الطيب الدراجي بسبب المرض. وتغيير ثاني في قيادة جيش البر حينما استبدل اللواء محمد تواتي باللواء احمد قايد صالح. يبين الجدول التالي مدى تغير المدنيين واستقرار العسكريين:

جدول رقم ( 18) تغير المدنيين وثبات العسكريين من بداية 1993 إلى 1999
رئيس الدولة رئيس الحكومة قائد الأركان قائد جيش البر قائد المخابرات قائد الدرك الوطني
الشاذلي بن جديد سيد أحمد غزالي محمد العماري محمد التواتي محمد مدين عباس غزيل
محمد بوضياف رضا مالك – – – –
علي الكافي بلعيد عبد السلام – – – –
اليمين زروال مقداد سيفي – – – الطيب الدراجي
– أحمد أويحي – أحمد قايد صالح – –
عبد العزيز بوتفليقة إسماعيل حمداني – – – –

حافظت المؤسسة العسكرية على توازناتها الداخلية، حيث لم تحدث فيها تغييرات كبيرة في القيادة على عكس المؤسسات المدنية التي شهدت تقلبات كثيرة واستبدلت وجوها عديدة في قيادتها. ومن هنا جاء نجاحها في التحكم في صيرورة الأحداث لصالحها وفي فرض استقرار نسبي في الحالة الأمنية.

المصدر:الحوار المتمدن