صراعات النخب السياسية والعسكرية في الجزائر: الحزب، الجيش، الدولة 22

ج- خيانة الجيش أو حياده

لتحدث “نتيجة ثورية” لا بد من خيانة الجيش للدولة أو على الأقل بقائه محايدا. إن هذا العامل يعد حاسما في نجاح او إخفاق الثورات. وهو العامل الذي أنقذ النظام الجزائري من السقوط وجعل من مهمة الإسلاميين مهمة مستحيلة. حافظ الجيش الجزائري على وحدته وتمكن من خلق عصبية داخله تعمل عقائديا ضد العنف الأصولي. يجب رصد ظاهرة أن عدد الجنود والضباط الذي فروا والتحقوا بالحركة الإسلامية محدود للغاية. بقي الجيش متماسكا، منضبطا متميزا بولاء جنوده وضباطه لقيادته العليا. إن المؤسسة العسكرية الجزائرية مؤسسة فريدة من نوعها في الوطن العربي وحتى في العالم.
لقد تمكن الجيش الجزائري من المحافظة على وحدته. وأثبت من خلال تجربة صراعه مع الحركة الاسلامية أنه مؤسسة مستقلة بذاتها، فهو باستثناء بومدين لا يخضع الي أي فرد ولا الي أي ضابط معين. إنه أزاح مثلا زروال وأعاده فيما بعد علي رأس الدولة. كما أبعد البعض ورقي البعض الاخر، وفي كل الأحوال بقي مؤسسة متماسكة لم تعد سيناريو الجيش الامبراطوري الإيراني الذي انفرط عقده بمجرد ابتعاد الشاه عنه. لا بد من التنبيه أن قيادة هذا الجيش تتميز بكونها قيادة جماعية (collegial commandment)لا تخضع لمزاج أو سلطة أي فرد.
وهو اليوم جيش تخترقه ثلاثة أجيال مختلفة الأصول، متباينة التطلعات.
– الجيل الاول يمثله ضباط جيش التحرير، الذين يكاد وجودهم ينعدم بفعل الإبعاد والتقاعد. يعد الرئيس اليمين زروال أبرز هؤلاء الي جانب مساعده الجنرال محمد بتشين…
– الجيل الثاني يمثله ضباط “الجيش الفرنسي”، وهم الأكثر حماسا من أجل القضاء على الإسلاميين عسكريا، لكنهم سيفقدون مواقعهم علي اقصي تقدير بعد خمس سنوات بفعل السن والتقاعد.
– الجيل الثالث يتكون من الضباط الشباب الذين لم يعتمدوا في ارتقائهم علي شرعية المشاركة في حرب التحرير، ولم يعملوا داخل الجيش الفرنسي، وإنما أثبتوا جدارتهم من خلال كفاءتهم العلمية وعملهم الدؤوب، وتعلموا وتدربوا في الأكاديميات العسكرية الجزائرية.
يعتبر الجيش الجزائري نفسه امتدادا للثورة رغم أن قيادته الحالية تمثل الجيل الثاني. لنذكر مرة أخرى أن الجيل القيادي الأول هو الذي أنجز الثورة وتميز بأصوله الفلاحية، بتسيسه الكبير، بشرعيته الثورية كمحرر للبلاد ومؤسس دولة الجزائر الحديثة. مثل الرئيس الراحل هواري بومدين هذا الجيل أحسن تمثيل، فهو الذي أوصله لرئاسة الدولة في انقلاب 19 حزيران /يونيه 1965. وهو الذي أزاح من تبقى من سياسيين كانوا يحكمون ظاهريا البلاد. بومدين، الرجل الوحيد الذي جمع بين السلطة السياسية والسلطة العسكرية في يد واحدة. قام تدريجيا بإزاحة رفاقه في السلاح وتعويضهم بفئة جديدة من الضباط هي ما يعرف اليوم ب”ضباط الجيش الفرنسي”. برر بومدين سياسته على أساس أن أغلب ضباط جيش التحرير الوطني كانوا من أشباه الأميين وفي أحسن الأحوال لم يكن في مقدورهم استيعاب التقنيات العسكرية الحديثة. فالعقيد الذي خاض أشرس الحروب في الجبال والمغاوير ضد القوات الاستعمارية الفرنسية منتهجا أسلوب حرب العصابات لا يمكنه الآن، مثلا، إدارة قاعدة جوية أو حرب إليكترونية في إطار جيش حديث تقليدي. كان لا بد من تعويض هؤلاء الضباط بآخرين. واستقر الأمر على اختيار الضباط الجزائريين الذين عملوا في الجيش الفرنسي والتحقوا بالثورة في آخر أيامها أو لم يلتحقوا بها أبدا. وأعلن بومدين أن دورهم لن يتجاوز المسائل التقنية أما القيادة السياسية للجيش فستبقى في أيدي من تبقى من ضباط الثورة. اختلف الأمر مع الشاذلي بن جديد، حيث أوكل إليهم الكثير من المناصب القيادية التى خولت لهم التحكم في الجيش. والغريب في الأمر أن هؤلاء الضباط هم أنفسهم الذين انقلبوا عليه وأجبروه على الاستقالة.
سوسيولوجيا، من الضروري التنبيه إلى أن التعيين المكثف لهؤلاء الضباط في المناصب القيادية بعد إزاحة ضباط الثورة يخفي في واقع الأمر دوافع أخرى لم يذكرها بومدين أو بن جديد. كلاهما هدف إلى البحث عن ضباط لا يتمتعون بالشرعية الثورية التي يمكنها أن تشجعهم على العصيان أو التمرد. حدث ذلك مثلا مع بومدين أثناء المحاولة الانقلابية لقائد أركان الجيش الطاهر زبيري سنة 1967 أو المواجهات التي حدثت بين بن جديد والعقيد عبد الـله بلهوشات أو قاصدي مرباح …اعتقد الرئيسان أن هذه الفئة الضعيفة من “الضباط” ستكون طاعتها عمياء وولاءها مطلقا واستعدادها لتنفيذ الأوامر بلا حدود، فهي التي ستخلصهم من النزعة التمردية أو حتى الجدالية التي تميز أسلافهم. مثل هؤلاء الضباط كل من الجنرال خالد نزار، العربي بلخير، محمد العماري، محمد التواتي، محمد مدين…أدارت مجموعة الضباط هذه “الأزمة الجزائرية” منذ سنة 1992 إلى اليوم. لكنها مضطرة في كل الأحوال إلى ترك مواقعها للجيل الثالث.

بعد عزل الجيل الثوري وتعويضه بالجيل “الفرنسي” لأسباب تقنية في ظاهرها سياسية في باطنها، تجد المؤسسة العسكرية نفسها اليوم مضطرة للتخلص من هؤلاء الآخرين لأسباب تقنية أيضا تتلخص في السن. فالعمل العسكري وظيفة، وكل وظيفة محدودة بسن للتقاعد وللانسحاب لترك المكان للجيل الشاب. فالقيادة الحالية لا يمكنها أن تستمر لأكثر من خمس سنوات على أقصى تقدير. فهي مضطرة للانسحاب، وقد سبق ان انسحب منها، أو أخرجت من صفوفها على الأصح، بعض الضباط النافذين وكان على رأسهم اللواء خالد نزار، العربي بلخير، غنايزية، محمد التواتي، عباس غزيل…جميعهم خرج بسبب الإحالة على التقاعد.
من هو الجيل الجديد الذي سيقود المؤسسة العسكرية الجزائرية؟ ماهي خصائصه وماهي مواصفاته؟
تكون هذا الجيل عسكريا في أكاديميات شرشال والجزائر وقام بتربصات في القاهرة، بغداد، وموسكو ثم منذ الثمانينات في فرنسا. لم يشارك في الثورة، لأن ضباطه كانوا أطفالا حينما استقلت الجزائر. لا يعتمد في ارتقائه العسكري على شرف الشرعية الثورية ولا على شرف الأقدمية وإنما يعتمد على كفاءته المهنية ومدى استيعابه للعلوم العسكرية وتفوقه فيها. هو جيل رياضي، غير مسيس، فالسياسة لا تهمه كثيرا ويعتبر أن وظيفته تكمن في الدفاع عن البلاد. لم يتورط في فساد الثمانينات الذي مس كبار القادة الذين احتكروا امتيازات التوريد، مصدر الثراء السريع. هذا الجيل أرهقته الحرب الدائرة ولا يستبعد أن يكون وراء محاولات الحوار والمصالحة حيث من الممكن أن يكون ضغط على القيادة الحالية في هذا الاتجاه، خصوصا أن قيادة الجيش الجزائري قيادة أفقية غير هرمية يشارك في اتخاذ قراراتها مجموعة كبيرة من الضباط وصل عددها ،على سبيل المثال، إلى 180 ضابطا حينما قرروا إرغام الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد على الاستقالة.
يلخص الشكل البياني التالي تطور قيادة الجيش من الثورة إلى اليوم:

اقتراب موعد تركه للقيادة لصالح الجيل الثالث

ضباط الجيش الفرنسي (من بداية الاستقلال إلى اليوم)

(الجيل الثاني)
الجيل الشاب من الضباط غير مسيس ولا يمتلك الشرعية التاريخية ولا الأقدمية
بدأ مؤخرا في شغل بعض المواقع الحساسة وهو الذي سيقود الجيش في العشرية القادمة
(الجيل الثالث)
ضباط جيش التحرير من الثورة إلى أواخر عهد بن جديد
ترك الجيش بفعل التقاعد أو الإبعاد لأسباب سياسية أو تقنية
(الجيل الأول)

كيف تتخذ القرارات المصيرية؟
يلتقي الضباط الكبار يتناقشون ويتخاصمون ويعرضون وجهات نظرهم المختلفة وينهون اجتماعاتهم بالتصويت على أن يلتزموا بما تم الاختيار عليه. لا يوجد ضابط واحد قاد الجيش الجزائري قيادة هرمية مطلقة. فهذا الجيش، لأسباب تاريخية، لم يتخلص بعد من القيادة الأفقية التى تحكم خياراته الكبرى. وهو ما يفسر غياب الانقلابات العسكرية. فقيادته غير منسجمة وتعكس توازنات جهوية، إثنية وثقافية والأهم من ذلك اختلاف وجهات النظر. خالد نزار(أصبح يطلق عليه في الجزائر لقب الجنرال المواطن أو الجنرال الصحفي) اعترف مرة في مقال له يرد فيه على بيان الرئيس اليمين زروال التحذيري بأنه لم يخرج من القيادة العسكرية بسبب المرض كما روج وإنما لأسباب سياسية سيرويها لاحقا حينما تسنح الفرصة. هذه حجة على أنه لم يكن قائد الجيش القوي كما اعتقد. نفس الشىء بالنسبة إلى قائد الأركان الحالي الجنرال محمد العماري الذي يبدو أن وجوده على القيادة يعكس التوازنات أكثر منه نفوذا حقيقيا علي الجيش. لا بد من فهم أن المؤسسة العسكرية الجزائرية مستقلة على الأفراد. وقوتها تكمن في كونها المؤسسة التي أنشأت الدولة الجزائرية ووحدت مؤسساتها وضمنت بقاءها. هذه المؤسسة، مثلها مثل المجتمع نفسه، لا تقبل بزعيم مطلق يقودها بدون منازع. فهي ليست جيشا إمبراطوريا مثل جيش شاه إيران السابق، يسقط أو يتخذ موقفا محايدا بمجرد أن يبتعد الإمبراطور عنه. إن الجيش الإمبراطوري هرمي ويتصف بولائه للإمبراطور دون استقلالية عنه. وعندما يواجه قائده الأول أزمة خانقة يمكنه أن يتخلى عنه باتخاذ موقف الحياد او حتى أن يخون الرئيس ويلتحق بالمعارضة مثلما فعل الجيش الروماني مع تشاوتشيسكو. وقبل ذلك، سبق أن انضم الجيش السوداني بقيادة عبد الرحمان سوار الذهب إلى الانتفاضة المدنية التى استهدفت خلع جعفر النميري. تكرر عبر التاريخ مشهد خيانة الجيش للرئيس أو للإمبراطور والتحاقه بالمعارضة أو التزامه الحياد وعدم الدفاع عن النظام. أما الجيش الجزائري فلم يخن نظامه ولا دولته. لأنه يعتبر نفسه، وذلك صحيح، العمود الفقري للنظام القائم. والدولة من صنعه. لنكرر مرة أخرى أن الجيش الجزائري اكتسب عصبية خاصة به منذ أيام حرب التحرير. وأن قائده الروحي هواري بومدين ما انفك ينبه رفاقه في السلاح على ضرورة أن يتكتلوا “كصفيحة من حديد”، وعلى ضرورة الحذر من “تلاعب السياسيين”، “القيام بالواجب”، “الانضباط”، وخصوصا “التضامن الداخلي”…
إن أحد أهم الأسباب التي تجعل الجيش الجزائري متضامنا اليوم، إلى جانب العصبية الداخلية التاريخية، تكمن في ما يتمتع به أفراده من امتيازات مادية وإدارية تجعلهم الفئة الأكثر حظا في المجتمع. إن بعض الأرقام تدلل على هذا الاستنتاج. فالنفقات العسكرية في هذا البلد تبلغ 36 دولارا للساكن الواحد في مقابل 28 دولارا لنظيره المغربي…ويمتلك الجيش الجزائري على مستوى المغرب العربي أكبر ميزانية دفاع، حيث بلغت 971 مليون دولار سنة 1991 في حين كانت 323 مليون دولار بالنسبة إلى تونس و730 مليون دولار للمغرب الأقصى.
ويستنتج عالم الاجتماع الجزائري لهواري عدي أن القيادة العسكرية الجزائرية لا تريد أي تغيير جذري في البلاد للنظام القائم حتى لا تفقد امتيازاتها ولا يتعرض عناصرها إلى متابعات قضائية وتصفية حسابات .