سوسيولوجيا الجهاد والعنف في الجزائر: خطابا وممارسة 8

3- الجبهة الإسلامية للإنقاذ ومفهوم الجهاد
عندما أوقفت المؤسسة العسكرية الجزائرية الدور الثاني من الانتخابات الجزائرية وأجبرت الرئيس الشاذلي بن جديد على الاستقالة في بداية سنة 1992، اتسعت دائرة المنادين باستخدام العنف لدى أعضاء وأنصار الجبهة الإسلامية للإنقاذ. تعزز موقف علي بن حاج الراديكالي بانتماء أعضاء جدد كثيرين لدعوته للجهاد أي حمل السلاح والخروج على الدولة. لقد عبر في أكثر من مناسبة عن دعمه وتشجيعه لحمل السلاح والقتال ضد الدولة الجزائرية. قال مباشرة أمام المحكمة “اعترف بصدق أيتها المحكمة العليا، أنني لو خرجت من السجن فسأصبح فورا مجرد جندي تحت إمرة أخي المجاهد عبد القادر شبوطي…وأضيف ، أنه حتى في غياب شبوطي، سأضع نفسي تحت أوامر أي رجل فاضل ومصلح يعارض هذا النظام الذي يرفض كل الحلول السياسية السلمية، الذي تحدى الشريعة المقدسة والقانون والاتفاقيات الدولية” .
قامت صحيفة “القضية” La Cause ، حتى تشرع للعنف السياسي الذي يقوم به الإسلاميون بالتفريق بين مفهوم الجهاد ومفهوم الإرهاب. يكتب عبد الحميد جبار مقالا عنوانه “الجهاد والإرهاب” يقدم فيه في البداية الجبهة الإسلامية للإنقاذ على أساس أنها حزبا سياسيا “يوقع لأول مرة في العالم دخول حزبا إسلاميا يطالب رسميا بحقه في السلطة، قابلا حكم صناديق الاقتراع” . فهو يحمل النظام الجزائري مسؤولية الأزمة الواقعة. “من الطبيعي أن لا توجد أية حدود يمكنها أن تصد الجنون القاتل لمجموعة المتوحشين القابعين في السلطة. لقد أدرك الشعب الجزائري ذلك جيدا وفهمه” . ثم يبرر في خطابه رد الفعل الإسلاميين واستخدامهم العنف المسلح ليضعوا حدا “لإرهاب السلطة” فيكتب “بعد ثلاثة عقود من غياب العدالة ومن تراكم التجاوزات التى قام بها المستبدون ضد الشعب، قرر هذا الأخير أن يرد ويعارض كل عمليات الإرهاب التى لحقت به وكان ضحية لها” . ثم سرعان ما يعرض الجهاد كبديل شرعي وواجب لمواجهة عدوان السلطة. فيقول “إنه الجهاد، لجوء العادل إلى المقاومة النشطة، بما تبقى له من وسائل، عندما يتعرض للاعتداء في شخصه، في كرامته، في حياته، في قيمه، عندما تنغلق في وجهه كل الأبواب، وعندما تنغلق سبل الحوار وتنتفي الحريات” .
في نفس المعني والاتجاه، ينشر سعيد لهلالي، النائب السابق في البرلمان الجزائري، مقالا عنوانه “من يتحدث عن الكراهية؟” (Qui parle de la haine ?) شرع فيه العنف المسلح الذي يقوم به الإسلاميون ويبرؤهم من أية مشاعر حقد أو كراهية. يكتب “الكراهية بالنسبة إلينا نحن المسلمون غريبة عنا. فلا وجود لها لا في قلوبنا، ولا في إيديولوجيتنا، ولا في المجتمع الذي نزمع تكوينه” . ويبرر العنف المعارض للدولة بفكرة أن “للشعب الجزائري الحق في الدفاع عن نفسه بالوسائل المشروعة المرتبطة بالظرف الطارئ الذي يعيشه في مواجهة السلطة “. ويعترف نفس الكاتب، في مكان آخر، بأن إعلان الجهاد هو من أجل تأسيس “الدولة الإسلامية” حتى يمكن تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية : “إن القرار الذي اتخذناه لا رجعة فيه. فالمقاومة المسلحة (الجهاد) قد اندلعت ضد الطغمة الحاكمة في الجزائر وحلفائها حتى تشكيل الدولة الإسلامية في الجزائر. هذه الدولة توفر ميدانا لتطبيق المشروع الإسلامي الحضاري. مشروع يعتمد على الإنصاف والإيمان، على العلم والمعرفة، على العدالة والخير” . تعكس هذه الأطروحات ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي آلان توران Alain Touraine بمبدإ “الكلية” (la totalité) وهو مبدأ مرتبط بكل المشاريع “الثورية”. ونفس الأطروحات يمكنها ان تلخص الصورة العملياتية le schéma actionnaliste التى عرضها توران. فهو يميز بين ثلاثة مبادئ تشكل ما يطلق عليه بنظام العمل système d’action . تتمثل هذه المبادئ في: “المعارضة/الهوية/الكلية” (Opposition/Identité/Totalité) وهي مبادئ ترتبط الواحدة منها بالأخرى ارتباطا عضويا. يقول توران : “لا يمكننا أن نتحدث عن عمل تاريخي، عن حركات اجتماعية محسوسة إلا إذا تعايشت هذه المبادئ الثلاثة وارتبط الواحد بالأخر” .
يتفق مصطفى حمزة رئيس تحرير “القضية” مع سابقيه. فهو يرى أن العنف السياسي الذي تقوم به الجبهة الإسلامية للإنقاذ أو الجماعة الإسلامية المسلحة هو بمثابة حرب تحرير وليست حربا أهلية كما تصورها بعض وسائل الإعلام الأجنبية. يعتقد أنه “عمى سياسي أو أكثر من ذلك خيانة أن ننعت مقاومة شعب ضد الطغمة العسكرية بحرب أهلية” . ويعرف طبيعة العنف في الجزائر كحرب “بين الشعب وطليعته المجاهدة ضد طغمة عسكرية ووسائلها في الإبادة، وسائلها الدعائية ووسائلها المستخدمة في الاستعباد والإكراه” .
ويتمادى حمزة في تبريره للعنف بعيدا حينما يبرره من خلال أحداث تاريخية قديمة مشابهة. فالجبهة الإسلامية للإنقاذ حسب رأيه ليست إلا امتدادا لفعل ماضي بعيد يريد أن يمتد نحو الحاضر. إن الجهاد تواصل مع هذا الماضي وليس قطيعة معه. بل هو ليس بدعة كما يظن. يكتب مصطفى حمزة “إن العمل السياسي للحركات الإسلامية المعاصرة أو حتى مفهوم الإسلام السياسي ليس ببدعة ولا بانحراف، ولكنه يشكل بحق امتدادا تاريخيا لعمل أصحاب الحسين الشهداء…إنه امتداد للجهاد الطويل المتواصل الذي قام به كل من الأئمة مالك، ابن حنبل، أبو حنيفة، سعيد بن جبير، ابن تيمية، ابن القيم، ومائات آخرين” .
عكس هذا الخطاب واقعا دمويا انفردت به الجزائر من بين كل الدول العربية منذ سنة 1992. فالجهاد كفكرة نظرية امتحن نفسه على أرض الواقع كفعل منهجي مستمر.

المصدر:الحوار المتمدن