أي دور بقي للمؤسسة العسكرية في الوطن العربي؟

ما يميز انقلابات الجيوش العربية في مصر سنة 1952 وفي العراق سنة 1958 وفي سوريا سنتي 1961 ثم سنة 1963، وفي اليمن سنة 1962 وفي ليبيا سنة 1969، هو قياداتها الشابة المنحدرة عادة من طبقات متوسطة طمحت إلي الاستيلاء علي السلطة وطرد أنظمة تقليدية ملكية أعاقت تطور هذه الطبقة ونزعاتها التحديثية. لكن الفرق بين هؤلاء الضباط وضباط الجيش الجزائري فرق جلي. حيث يجد الاختلاف جذوره في تاريخ المؤسسة العسكرية الجزائرية نفسها، في علاقتها بجهاز الدولة الذي أنشأته وفي علاقتها بالمجتمع. لا بد من التنبيه مبكرا إلي خصوصية الجيش الجزائري بالمقارنة مع غيره من الجيوش العربية.

الانقلابات العربية
تبقي المؤسسة العسكرية في دول العالم الثالث بشكل عام وفي دول الوطن العربي بشكل خاص المؤسسة الوحيدة، المنسجمة والهرمية، القادرة ليس فقط علي المحافظة علي الأنظمة ولكن أيضا علي تغييرها من الداخل. إن تجارب استلام العسكر للسلطة التي حدثت في العالم العربي أكبر دليل علي هذا الرأي. يمكننا التأكيد علي عدم حدوث أي تغيير ثوري بمعني سياسي اجتماعي، في هذه الرقعة من العالم دون المرور عبر المؤسسة العسكرية. يمكننا ذكر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ورفاقه الضباط الأحرار الذين بدؤوا سلسلة التغيير الاجتماعي الثوري عبر استيلاء المؤسسة العسكرية علي الحكم في 23 تموز (يوليو) 1952. منذ ذلك التاريخ، رصدنا أنه كلما تم توسيع القاعدة الاجتماعية للجيش بإدخال شباب الطبقات الفقيرة والمتوسطة إلا وحدث انقلاب قاده هؤلاء الشباب لاحقا. لقد نجحت الجيوش السورية والعراقية واليمنية والليبية في إسقاط أنظمة الحكم القائمة في سنوات الخمسين والستين. في حين فشلت جيوش أخري في بلدان مثل تونس والأردن والمغرب. أما في الدول الخليجية، فإن العائلات الحاكمة حرصت علي عدم اتساع القاعدة الاجتماعية لجيوشها وحافظت علي أعداد محدودة من الضباط والجنود وركزت علي استيراد التكنولوجيا العسكرية المتقدمة. ويبدو أنها استفادت من تجارب العسكر لدي جاراتها العربية.
يمكننا أن نستعين في تحليل ظاهرة العسكريتاريا بأطروحة فراد ريغز Fred W., Riggs، عندما لا يشاطر رأي الباحثين الذين يشتغلون في ظاهرة الانقلاب العسكري. فهو لا يعتقد، عندما يعتقد الآخرون، أن العسكر “بطبيعة تكوينهم وواجب الخضوع عندهم، نجدهم متعجرفين ومدفوعين بالطموح ليستولوا علي السلطة ويطردوا السلطة المدنية. يرفض هذه الفكرة ويشرح موقفه قائلا: حسب رأيي، اعتقد أن رؤية الأشياء بهذا الشكل هي رؤية تبسيطية وتخفي الدينامية المؤسساتية للانقلاب العسكري. بداية، ليس الجيش كمؤسسة هو الذي يستولي علي السلطة. ذلك أن الانقلابات العسكرية تنظمها مجموعات صغيرة من أعوان الدولة، بضعة ضباط فقط. وبعض أعضاء هذه المجموعات يعبئون في سبيل الانقلاب العسكري وحدات تقع تحت إمرتهم، ولكن في أغلب الأحيان يرفض ذلك الضباط الآخرون. ويتعاون بعض من الموظفين المدنيين مع الضباط بهدف الاستيلاء علي السلطة ويشتركون في إدارة البلاد عندما ينجح الانقلاب .

تطبيق علي الحالة الجزائرية
تطبق هذه المقولة بشكل واضح علي الجيش الجزائري. إن خصوصية هذا الجيش تكمن في كونه قد خلق الدولة الجزائرية وليس العكس، أي أن الدولة الجزائرية هي التي أنشأت جيشها. تؤكد هذه الفكرة الباحثة الفرنسية ميراي دوتاي عندما تقول بصفة عامة، أراد الجيش في الجزائر أن يكون مالكا للدولة التي صنعها. فهو الشرعية وهو السلطة . كما يعتقد الباحث الجزائري عبد القادر يفصح بأن الجيش الجزائري قد فضل دائما الظلام علي الضوء. وعمليا، هو الذي فرض وضمن الاختيارات السياسية والاقتصادية الأساسية في البلاد. كذلك، هو الذي فرض كل رؤساء الجزائر المتعاقبين الذين عرفتهم منذ الاستقلال. ويقول فؤاد الخوري في مجال آخر إن الجيش العقائدي معد لا لأداء دوره علي الحدود فحسب وإنما للمساهمة في بناء المجتمع وتطويره.
لقد أبرز هذا الجيش مدي تضامنه الداخلي في مواجهة تهديدات الإنقاذ والجماعات الإسلامية المسلحة. لم يعد سيناريو إيران، حينما تفكك الجيش وقبل بالإمام الخميني زعيما جديدا للبلاد بدلا من الشاه دون أن يبدي مقاومة حقيقية تذكر للقادم الجديد.
تميز موقف الجيش الجزائري في مواجهته للجبهة الإسلامية للإنقاذ بالصلابة والشدة رغم صراعاته الداخلية المتعددة التي اخترقته منذ تأسيسه في أول نوفمبر 1954. حافظ علي وحدته الداخلية وتضامنه العسكري وانضباطه الهرمي رغم تسجيل بعض حالات الفرار منه، خاصة بين سنتي 1992 وسنة 1994. لقد عاش مفارقة صعبة، تكاد تكون مستحيلة لو تعلق الأمر بغيره من الجيوش، وهي كيف يدير صراعاته الداخلية وتناقضات ضباطه دون المساس بوحدته المقدسة في مواجهة عدوه المشترك، أي الجبهة الإسلامية للإنقاذ. حدثت ثنائية وحدة/صراع بشكل مدهش واستمرت منذ أزمة 1992 إلي اليوم.

مرحلة حرب التحرير
يتميز الجيش الجزائري عن كل جيوش العالم بلحظة تأسيسه. فعندما أسس ثوار شباب حزبا سموه جبهة التحرير الوطني، أسسوا معه جيشا سموه جيش التحرير الوطني حيث اختلط العسكري بالسياسي. فالمقاتل عضو في الحزب وكذلك قائده. والمسؤوليات تتراوح بين سياسية وعسكرية حسب الحاجة. نشأت ظاهرة السياسي ــ العسكري الذي فسخ كل مسافة بين مسؤولية السياسي ومسؤولية العسكري. لقد حاول عبان رمضان في مؤتمر الصومام في 20 أغسطس 1956 فرض مفهومه لطبيعة الكفاح الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي. فأكد مبدأين. أولا : ضرورة تفوق السياسي علي العسكري وخضوع الثاني للأول. ثانيا: تفوق الداخل علي الخارج، أي أن الأولوية لمن يناضلون داخل التراب الجزائري المحتل وليس خارجه في تونس أو المغرب أو مصر. فشلت محاولة عبان هذه باغتياله من طرف رفاقه في لجنة التنسيق والتنفيذ (CCE) في مراكش في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1957 وانتهت أطروحة تفضيل السياسي علي العسكري بانتصار الجناح العسكري انتصارا نهائيا تواصل إلي اليوم. كما حدثت محاولة ثانية هدفت إلي السيطرة علي الجيش من قبل السياسيين المدنيين في مؤتمر طرابلس سنة 1962 عندما أزاح قادة الحكومة الجزائرية المؤقتة قائد هيئة أركان الجيش هواري بومدين وعزلوه بقرار رسمي من منصبه. لكن ضباط الجيش ومساعدي بومدين رفضوا هذا القرار وتشبثوا بقائدهم وأعلنوا تضامنهم الداخلي وارتباطهم بزعيمهم الكاريزمي. مثل هذا الحدث منعرجا حاسما في مسيرة الجزائر السياسية حيث أثبت مدي هيمنة المؤسسة العسكرية علي القرار السياسي ومدي تضامنها الداخلي في مواجهة تدخل المدنيين.
إن محاولة فهم سلوك الجيش في هذا البلد تدفعنا إلي البحث والحفر في خصائصه التي تميز بها طيلة سنوات 1954 حتي سنة 1962. تتمثل أهم خصائصه في:
أولا: الأصول السياسية العسكرية لقادته. فهؤلاء لم يتخرجوا من أكاديميات عسكرية ولم يتحصلوا علي تكوين احترافي في المجال العسكري. لقد كانوا قبل كل شيئ مناضلين سياسيين صعدوا إلي الجبال لتنظيم ثورة وإدارتها مستخدمين أسلوب حرب العصابات. إن أول جيل أسس جيش التحرير الوطني جاء من المنظمة الخاصة (l Organisation Spژciale) أما الجيل الثاني فقد وقع انتدابه لدي أوساط الطلبة والتلاميذ. نذكر من بينهم هواري بومدين ثم عبد العزيز بوتفليقة، أحمد مدغري، أحمد شريف..وتميز بصغر سنه الكبير. وفي كلتا الحالتين كان إيمانهما عميقا بأولية من يقاتل علي من يفاوض، أي أفضلية العسكري علي السياسي. ويمكن تفسير هذا الموقف من خلال عامل مواجهتهم اليومية مع المستعمر وقسوة المعارك التي خاضوها إضافة إلي قسوة الطبيعة نفسها ونقص التموين والأسلحة. كما يفسر هذا الموقف بعامل ثان يكمن في طبيعة الثورة الجزائرية نفسها التي اندلعت علي إثر قطيعة تاريخية مع المنهج السلمي وتبن كامل للمنهج العنيف في معركة التحرير حيث اشتدت قناعة مؤسسي جبهة التحرير الوطني وجيشها بأن الاستقلال لن يتحقق إلا عبر الكفاح المسلح، من هنا حدث تثمين لكل ماهو عسكري وتحقير لكل ما هو سياسي.
ثانيا: اندلاع صراع مفتوح بين السياسيين والعسكريين في مؤتمر الصومام سنة 1956. وفشل محاولة عبان رمضان في إخضاع العسكر لسلطة المدنيين بعد اغتياله من قبل رفاقه.

طبيعة العسكر
ثالثا: بروز مفارقة تقليدية في التمييز بين خصائص العسكريين والمدنيين. فالعسكر بطبيعة تكوينهم، رغم خصوصية جيش التحرير الوطني الجزائري كجيش تخترقه الجدالات والاختيارات، ينزعون إلي الانضباط أمام أوامر قيادتهم وعلاقاتهم هرمية وليست أفقية. أما السياسيون فقد كانوا في صراع دائم فيما بينهم. تتناقض تحالفاتهم وتتغير حسب تبدل الوضع. كما أن مصالحهم كانت متباينة. في حين كان العسكر، وخاصة قيادة هيئة الأركان، متحدين تنظيميا، يؤمنون نسبيا بالسلطة الهرمية، منضبطين ومطيعين لقائدهم الكاريزمي هواري بومدين. هذا الاختلاف في الخصائص أدي إلي انتصار العسكر علي السياسيين. يقول هيغ روبارتس Hugh Roberts في هذا الشأن كان الجيش هو المنتصر الحقيقي في الصراع علي السلطة الذي تم داخل جبهة التحرير الوطني في صيف 1962. لقد خسر سياسيون الحكومة المؤقتة المعركة لصالح قائد هيئة أركان الجيش العقيد هواري بومدين. ولم يتمكن الرئيس بن بلا من ترأس الجزائر المستقلة إلا بفضل دعم العسكر . تميزت هذه النخبة العسكرية القائدة دوما بمعاداتها الشديدة للمفاوضات المشروطة مع الإدارة الاستعمارية الفرنسية، بسعيها المستمر لفرض رؤيتها الخاصة للصراع، وبتأكيد أهمية استخدام السلاح في مواجهة المستعمر وتحرير البلاد. ولقد وصلت إلي السلطة لأنها مثلت المؤسسة الوحيدة في الثورة الجزائرية التي تمتعت بدقة التنظيم وحسن الانضباط وتجربة الإدارة وحتي استخدام تكنولوجيات الاتصال أو الهندسة أو الإدارة المالية. كانت ببساطة الجهاز البيروقراطي الوحيد القائم في الميدان والقادر علي استلام بلد تركته فرنسا في حالة فراغ إداري شامل. أما علي المستوي الطبقي، فقد قدمت هذه النخبة نفسها علي أساس أنها ممثلة طبقة الفلاحين. واتخذت شعارا لها الإصلاح الزراعي، تصنيع البلاد والتوزيع العادل للمنتوجات وللثروات.

المصدر:الحوار المتمدن