في أسباب تعثر مشروع اتحاد المغرب العربي

ليس مبالغة القول أن مشروع اتحاد المغرب العربي لم يحقق أي نجاح يذكر على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية العسكرية. لقد بقي في أدراج المسؤولين منذ ظهر دون أن يتحول إلى واقع كما تم التخطيط له. لم يصل إلى مستوى مشروع مجلس التعاون الخليجي الذي أثبت بعض النجاحات على الأرض. ولهذا الفشل عدة أسباب موضوعية يتعلق بعضها بطبيعة الاقتصاد لكل بلد، وبعضها الآخر بالأيديولوجيا والثقافة وبعضها الآخر بالتاريخ. إننا نجد دول المغرب العربي مختلفة سياسيا واقتصاديا وحتى إيديولوجيا وثقافيا.
فدول المغرب العربي الخمس، يمكن تقسيمها إلى دول نفطية وأخرى غير نفطية. فالجزائر وليبيا تشتركان في اعتماد اقتصادهما على تصدير المحروقات من نفط وغاز الذي تتجاوز نسبته من التصدير الإجمالي التسعين في المائة. أما المغرب وتونس وموريتانيا فيعتمدون أساسا على قطاعات الفلاحة، الصناعة وبخاصة الخدمات التي ترتكز على السياحة. وتعيش هذه البلدان، تونس والمغرب بالأساس، تنافسا شديدا فيما بينها. فهي تعتمد في مبادلاتها التجارية على السوق الأوروبية. حيث نجد تنافسا كبيرا بين المغرب وتونس في قطاع السياحة وتصدير الفسفاط والمنتوج الفلاحي والأنسجة. والغريب أن دول المغرب العربي فاوضت السوق الأوروبية فرادى وليس ككتلة سياسية وجغرافية واحدة. ففي حين كان الآخر موحدا، كانت هي متفرقة بل متنافسة في أغلب الأحيان وهو ما أضعف موقفها التفاوضي. اقتصاديا لا يوجد تماثل بين دول المغرب العربي، بل توجد اختلافات جوهرية. وإن حدثت وحدة بينهم فسترتكز على التكامل وهو يشكل عامل خوف وحذر بالنسبة إلى السياسي، لأنه لن يجد نفسه حرا في حالة خلاف سياسي شديد (مثل حالة الجزائر والمغرب) في التنصل من التزاماته الاقتصادية عندما تكون مرتكزة على التكامل وليس على التماثل.
هذا المشهد الاقتصادي مختلف عن مشهد دول مجلس التعاون الخليجي التي تعيش اقتصادياتها تشابها كبيرا إن لم تقل تطابقا كليا حيث تعتمد على تصدير المحروقات بكافة أنواعها.
وحقيقة، كانت المحاولات الأولى في تأسيس المغرب العربي تتجه نحو الاقتصاد وذلك لاستحالة إحداث تقارب سياسي كبير بين دول مختلفة جذريا من الناحية السياسية والأيديولوجية وحتى من ناحية التحالفات الدولية. ففي شهر أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1964 وفي مدينة تونس اجتمع ثلاث وزراء اقتصاد يمثلون دولهم وهي المغرب، الجزائر وتونس واتفقوا على تأسيس اللجنة الاستشارية الدائمة للمغرب العربي. واجتمعوا ثانية في يوم 26 و27 نوفمبر (تشرين الثاني) 1964 في مدينة طنجة المغربية حتى يؤسسوا اللجنة عمليا. والتحقت بهم ليبيا. لكن سرعان ما دب الخلاف بينهم. ففي شهر يوليو 1970 اختلفت وجهات نظرهم حول كيفية البناء الاقتصادي للمغرب العربي. فالجزائر وليبيا كانتا من أنصار التجربة الاشتراكية وهيمنة الدولة على كافة الأنشطة الاقتصادية متأثرتان بالنموذج السوفيتي وبتجربة أروبا الشيوعية حيث ارتبطتا معهم باتفاقيات تعاون اقتصادي وعسكري. أما المغرب وتونس فقد أعربا عن عزمهما انتهاج الاقتصاد الليبرالي ودعم الرأسمالية الناشئة في وطنيهما منحازين بذلك إلى تجربة الغرب الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ومبرمين اتفاقيات تعاون اقتصادي وعسكري معه. هذا الخلاف أدى إلى انسحاب الجزائر وليبيا من اللجنة التي لم تبق فيها إلا تونس والمغرب.
اليوم، تتفق كل دول المنطقة تقريبا، باستثناء تردد ليبيا، على ضرورة انتهاج تجربة الاقتصاد الليبرالي. وهو ما يمكنه توحيد أسواقهم ومفاهيمهم في التعامل الاقتصادي وفي التبادل التجاري.
من الناحية الثقافية، يمكن تقسيم دول المغرب العربي إلى كتلتين. الأولى تجمع أربع دول (المغرب، الجزائر، موريتانيا وتونس) والثانية تجمع ليبيا منفردة. فالقاسم المشترك للدول الأربعة الأولى هي الحضور القوي للثقافة واللغة الفرنسية في أوطانها. فالفرنسية، لغة شديدة الانتشار في هذه الدول، ولها مناصرون في الإدارة وفي الجامعات وقطاع التعليم وحتى عند السياسيين. فالرئيس عبد العزيز بوتفليقة تحدث في قمة إفريقية باللغة الفرنسية وكان على الرئيس الليبي معمر القذافي أن يلتجئ إلى الترجمة الفورية ليفهم ما يقوله نظيره الجزائري. تبدو ليبيا نشازا في المشهد الفرنكفوني للمغرب العربي. فالطلبة الليبيون مثلا لا يستطيعون دراسة كثير من العلوم في بقية البلدان الأخرى بسبب عائق اللغة. فتكوينهم أساسا هو عربي ثم أنكليزي. من هذه الناحية، تجد ليبيا نفسها أقرب ثقافيا وحتى جغرافيا إلى المشرق العربي، وبخاصة مصر، من قربها إلى بلدان المغرب العربي. كما تتميز ليبيا باستخدام أيديولوجيا بعيدة كليا عن النهج الليبرالي الذي انتهجته بقية البلدان الأربعة حيث أجمعت هذه الأخيرة على اختيار منهج التحرر الاقتصادي من جهة ومنهج التعددية الحزبية من جهة أخرى. وهي تعتمد على الانتخابات وصناديق الاقتراع (رغم كثرة علامات الاستفهام المطروحة على النتائج) في حين تعتبر ليبيا “أن التحزب خيانة”، و”أن التمثيل النيابي تدجيل”…ثم مازالت الدولة فيها تسيطر على الاقتصاد.
من الضروري التأكيد، أن العامل الأقوى في عرقلة مشروع بناء اتحاد المغرب العربي هو العامل السياسي. حيث ضعف التناقض الاقتصادي الأيديولوجي بين الاختيار الاشتراكي أو الرأسمالي. كما يمكن التغلب على العائق الثقافي بتقوية عمليات التعريب التي قطعت أشواطا كبيرة في المنطقة. أما العامل السياسي فإن حضوره شديد. بل يمكن القول أن ما أنجزه الاقتصاديون تم التخلي عنه من قبل السياسيين.
في بداية السبعينات، دخلت دول المغرب العربي في سياسة المحاور والتحالفات الثنائية بدل العمل الجماعي. والغريب هو ظهور محاور مؤقتة سرعان ما تتفكك لصالح محاور جديدة متناقضة كليا مع المحاور الأولى.
فتونس وليبيا أعلنتا في شهر يناير 1974 وحدة اندماجية بينهما سرعان ما تنصلت منها تونس في نفس السنة. وهو ما أدى لاحقا إلى ما يشبه الحرب الباردة بين البلدين حيث تنتعش العلاقة تارة وتتوتر تارة أخرى.
ثم قامت تونس والجزائر بتوقيع اتفاقية الأخوة والتعاون في شهر مارس (آذار) 1983 في مدينة تونس والتحقت بهما موريتانيا. وقد نظرت الرباط وطرابلس بعين الشك لهذا التحالف، حيث اعتبرتاه موجها ضديهما، فردتا الفعل وأسستا الاتحاد العربي الإفريقي في شهر أغسطس 1984 في مدينة وجدة المغربية. لكن سرعان ما تفكك هذا الاتحاد سنة 1986.
أما التجربة الجماعية الأكثر جدية في تاريخ دول المغرب العربي المعاصر فهي التي بدأت مع سلسلة اجتماعات لقادة هذه الدول، أهمها اجتماع مدينة مراكش المغربية الذي انعقد في 17 فبراير 1989 وتبنى معاهدة المغرب العربي. وأنشأ رؤساء دول الغرب العربي في شهر يناير 1990 الأمانة الدائمة للاتحاد، بالإضافة إلى أكاديمية العلوم وجامعة مغاربية في شهر يوليو 1990 كما أنشئوا مصرف استثمار وتجارة خارجية في شهر مارس (آذار) 1991. في هذه الفترة انتعش اتحاد المغرب العربي قليلا، لكن سرعان ما تدهورت أوضاعه لعدة أسباب.
فليبيا، استاءت من عدم تضامن دول المغرب العربي معها في مواجهة الحصار الدولي الذي تعرضت إليه بسبب قضية لوكربي. و”اكتشف” زعيمها أن إفريقيا السوداء أقرب إليه من العرب ومن دول المغرب العربي فأعلن خطابا معاديا للعرب والعروبة. أما علاقة المغرب والجزائر فقد وصلت إلى شبه قطيعة. حيث تتهم الجزائر بشكل مباشر أو غير مباشر المغرب بمساعدته للجماعات الإسلامية المسلحة في حربها ضد دولتها. ونشر اللواء المتقاعد خالد نزار مقاله الشهير في يومية “الوطن” الجزائرية متهما فيه بصريح العبارة الاستخبارات المغربية بمساعدتها للإسلاميين المسلحين. أما المغرب، فقد اتهم بدوره الجزائر بكون مخابراتها العسكرية كانت مسئولة على تفجير فندق مراكش في أغسطس 1994، وفرض التأشيرة على الرعايا الجزائريين وردت الجزائر الفعل بأن أغلقت حدودها رسميا مع المغرب. في هذه الفترة، استخدم تعبير تجميد اتحاد دول المغرب العربي. وبدا كأن الاتحاد قد انتهى كلية وتلاشى نصا وواقعا. بل حل الصراع بدل الاتحاد.
وعاد بعض الأمل لهذا الاتحاد بعد اجتماع لجنة المتابعة في الجزائر يومي 17 و18 مايو أيار 1999. وذلك بغاية إنعاشه من جديد بعدما أوشك على الوفاة الطبيعية. كما التقى وزراء خارجية بلدان المغرب العربي في 19 و20 مارس (آذار) 2001 من أجل التحضير للقاء قمة. غير أنه فشل في ذلك لسنة 2001، فتكررت المحاولة في يومي 16 و17 يناير 2002 ليحصل أخيرا اتفاق على اجتماع قادة دول المغرب العربي يومي 21 و22 حزيران 2002 لكن هذا الاتفاق لم يدم طويلا حيث أعلن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة عن تأجيل القمة لأجل غير محدد.
متى ستنعقد هذه القمة؟ الإجابة تقول عندما تتوفر شروط نجاحها وحتى تنجح هذه القمة السابعة وتعيد الأمل إلى سكان المغرب العربي، وجب الاهتمام أكثر بالجانب الاقتصادي أولا ثم الجانب الثقافي العلمي ثانيا وأخيرا يتدخل السياسي في حدود لا تعرقل الإنجازات الاقتصادية والثقافية والعلمية لأبناء هذه المنطقة.
مدونة رياض الصيداوي
http://rsidaoui.blogspot.com/
المصدر:الحوار المتمدن