الأولى بالرّئيس المرزوقي أن يركّز على السعودية وقطر وهما أكثر الدّول العربية تخلّفا من الناحية الديموقراطية

ذكر الكاتب والباحث في العلوم السياسية، مدير مركز الوطن العربي للأبحاث والنشر في جنيف، التونسي « رياض الصيداوي »، في حوار خصّ به « نوميديانيوز »، أن النظام العربي القديم وصل إلى طريق مسدود وهو في مأزق حقيقي، ولا بد –حسبه- من تجسيد نظام جديد يستوعب طموحات الشّعوب العربية. وحذّر الصّيداوي -في المقابل- من التدخلات الأجنبية على مستوى هذه الدول، لا سيّما من قبل واشنطن، التي ذكر أنها توجّه مسار هذه الثورات كما تريد، مشيرًا أيضا إلى تناقض مواقف عدّة دول في شأن الثورات العربية، حيث ذكر مثلاً أن ساركوزي كان ضدّ الثورة في تونس، وقد كانت مستعدة لإرسال قوّات للتدخل، مندّدا -في ذات السياق- بسياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها هذه الدول. حيث يتم التركيز إعلاميا على ثورات دول معيّنة دون أخرى، « ولماذا غضّت هذه الدول الطّرف عن الاحتجاجات الشعبية التي شهدتها دول الخليج مثلا؟ ».

وأضاف رياض الصيداوي، أن نجاح الثورات العربية يتطلب توفّر ثلاثة شروط أساسية، أوّلا: راديكالية المعارضة وتحوّلها من إصلاحية إلى جذرية، أي ذهاب النظام نفسه بدلا من إصلاحه وهو شرط متوفر الآن في معظم المناطق العربية، أين رفض الثّائرون أيّة إصلاحات مقترحة من قبل الرؤساء. ثانيا: تفكّك النّخب الحاكمة وانقسامها على نفسها، كما حدث في مصر وتونس وثالثا: حياد الجيش أو خيانته لرأس الدولة، وهو العامل المحدد لفشل أو نجاح أية ثورة.

وفي حديثه عن هذا العامل، أشار إلى الثورة السورية التي تُراوح مكانها منذ عدة أشهر، مؤكّدا أن السّبب الرئيسي في عدم تطوّر الأمور لحدّ الآن، يعود إلى عدم تفكّك النّخب الحاكمة وانشقاقها وإلى مساندة الجيش الذي تلقى تكوينا سوفياتيا، للنظام الحاكم. وفي رأيه، فإن الثورة التونسية هي الأكثر نجاحًا رغم النّقائص العديدة التي يعيشها هذا البلد حاليا. وبخصوص الثورة التي شهدتها ليبيا، ذكر أن الأمر تحوّل فيها إلى ما يشبه « الحرب الأهلية »، لأن الموالين للقذافي حسبه كثيرون، بالنّظر إلى الانتماءات القبلية، وبالتالي فإنّ الكلمة الأخيرة عادت للسلاح.. « وقد كان القذافي قريبا من حسم الأمور، لولا القرار الدولي 1973 الذي غيّر المشهد تماما ».

وفي سؤال « لنوميديا نيوز » حول تأثيرات العودة القوية للإسلاميين إلى السّاحة السياسية العربية، ذكر الصّيداوي، أنه مع إشراك هذه الحركات، باختلاف مشاربها، في الحكم حتى يتجلّى للرأي العامّ أنها خالية من المثالية، مُلحًا على عدم الحكم على هذه الحركات الإسلامية من منظور واحد.

وأشار إلى أن « الحركات الإسلامية العربية منذ نكسة 5 جوان عام 1967، حاولت أن ترث كلية حركة القومية العربية التي كان يجسّدها الرئيس المصري جمال عبد الناصر وحزب البعث العربي الاشتراكي، وأرادت أن تكسب الشارع العربي لصالحها نهائيا من أجل تهديم الدول القائمة وإقامة ما تسميه دولة إسلامية، وتحالفت في سبيل ذلك مع دوائر الرأسمالية العالمية ووجدت في واشنطن سندا قويا لها. حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية منشغلة بمحاربة كل ما هو « يسار »، سواء أكان شيوعيا أمميا أم قوميا عربيا أم حتى وطنيا محليا. هذه الحركات عاشت مجدها في سنوات الثمانينيات بانتصار الثورة الإيرانية سنة 1979، وبانتصار المجاهدين الأفغان ضد الاحتلال السوفييتي، لكنها اليوم، بدأت تتقهقر وتخسر في جميع المجالات، حيث أصبحت هدف الدول الغربية بعد أن كانت حليفة لها.

والأهم من ذلك، أن الحركات الإسلامية قامت بتأخير التجربة الديمقراطية في الوطن العربي لخوف الحكومات القائمة منها، فكانت النتيجة أن تضاعفت قوّة أجهزة الأمن لمجابهة الخطر الأصولي، كما تضاعف حذر هذه الحكومات من ما تسمّيه بـالمغامرة المتسرّعة للديمقراطية ».

ولم نفوّت فرصة حديثنا مع الدكتور الصّيداوي دون أن نسأله عن آخر إصدارات الرئيس التونسي المؤقت منصف المرزوقي، التي ذكر فيها « أن بومدين وبوتفليقة ديكتاتوران »، فردّ علينا، أنه لا يمكن علينا أن نحكم على حقبة زمنية معيّنة، انطلاقا من حقبة أخرى، فالجزائر خلال حكم بومدين كانت لاتزال تعاني من آثار الاستعمار، ولم يكن لبومدين –آنذاك- أن يطبّق عليها نظام الحكم الفرنسي، بحكم العلاقة التي طبعت البلد في السنوات السابقة.

وفي المقابل، يرى « أن نجاح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في الانتخابات لعهدات متتاليات، مثّل استثناء كبيرا جدا لقاعدة سياسية ذهبية تكرّرت لحوالي عقد من الزّمن، ومفادها أن الجزائر لم تعرف أي رئيس دولة أكمل عهدته الرّئاسية وبدأ عهدة جديدة.

لقد نجح « بوتفليقة » في تعديل الدّستور وحشد حوله أحزابا كثيرة، وساعده في ذلك عائدات نفطية هائلة لم تكن متوقّعة وصل فيها سعر برميل النّفط إلى 147 دولار ».

وختم حديثه أنه « كان من الأولى بالرّئيس المرزوقي أن يركّز على أكثر الدّول العربية تخلّفا من الناحية الديموقراطية وهما السعودية وقطر، حيث لم يشهد هذان البلدان بعدُ حتّى مرحلة تزوير الانتخابات، لأنهما لا يعرفان شكل صندوق الاقتراع ولا تعددية حزبية ولا البرلمانات، وإنما يديران بلديهما عبر سلطة ملكية مطلقة، تستخدم فتاوى الشيوخ كما هو الحال في القرون الوسطى ».
حاورته: نسرين. زيان

المصدر:الحوار المتمدن