قصة غريبة: كيف رفضت دعوة دكتاتور قطر للمناظرة مشترطا عليه إطلاق سراح الشاعر محمد بن الذيب العجمي والاعتذار له عن كل يوم سجن؟

قصة غريبة: كيف رفضت دعوة دكتاتور قطر للمناظرة مشترطا عليه إطلاق سراح الشاعر محمد بن الذيب العجمي والاعتذار له عن كل يوم سجن؟
بقلم رياض الصيداوي
حادثة غريبة حدثت لي الأيام القليلة الماضية سأرويها لكم. جاءتني مكالمة هاتفية على الجوال من رقم قطري لسيدة فرنسية جزائرية طلبت مني المشاركة في برنامج هي رئيسة تحريره اسمه “مناظرة”. http://www.munathara.com/

وطرحت علي أن اتخذ موقفا هل أنا مع: أن “داعش” تنظيم جاء لإنقاذ الأنظمة العربية أم لتهديدها وإزالتها. وذكرت لي أن البرنامج مستقل ويبث في فضائيات كثيرة مثل “البي بي سي” و”الجزيرة مباشر” وغيرها من القنوات. وأعطتني صفحة البرنامج على الأنترنت. ذهبت لأبحث في طبيعة البرنامج وبخاصة من وراءه ومن يموله لأن ذلك هام جدا بالنسبة إلي. وجدت أن مقر البرنامج هو تونس وعمان وواشنطن لكن دون أية أرقام هاتف أو فاكس أو عناوين. ويرفع البرنامج الشعار التالي:

“أهلاً بكم في مبادرة مناظرة

نحن أول منتدى نقاش عربي مفتوح للجميع
إنَ مبادرة مناظرة هو المشروع الأول والوحيد في الوطن العربي المتاح والمفتوح بالكامل أمام الجميع. تتمثل رؤيتنا بخلق منتدى نقاش مستقل، متجدد، منصف وتمثيلي بحيث تتاح الفرصة لأي شخص بالمشاركة وإبداء الرأي بغض النظر عن المركز الإجتماعي، الجنس، مستوى التعليم أو حتى مكان تواجده.”
واطلعت على بعض الفيديوهات فوجدت بعض الأشخاص أعرفهم مثل سهام بن سدرين والسلفي الوهابي المغربي الفزازي … وشخصيات أخرى لا أعرفها. لكن لا توجد أية إشارة لمن يمول أو للعنوان التفصيلي لمقر البرنامج وأرقام هاتفه.
واتصل بي هاتفيا شخص آخر من تونس ليرتب لي موعد التذكرة والفندق وهو بخمسة نجوم واسمه L a Maison Blanche وهو في قلب العاصمة. للأمانة هو تونسي طيب جدا من خلال صوته ويعرفني إعلاميا ويحترمني.
ثم جاءتني ثلاثة رسائل بريد إلكترونية من رئيسة التحرير من الدوحة باللغة العربية ومن الأخ التونسي باللغة الفرنسية ومن سيدة أجنبية باللغة الأنجليزية تريد أن تعرف موعد التذكرة الذي يناسبني. رئيسة التحرير خاطبتني أكثر من مرة بالهاتف حول الموضوع.
الشك طريق اليقين
في الأول كنت مجاملا رحبت بالمبادرة بالهاتف إلى أن أدرس الموضوع لأن شكا كبيرا امتلكني وأنا أرى أن أول مكالمة هاتفية جاءتني من قطر ومن سيدة تكلمني باللغة الفرنسية. فما دخل الدوحة وقطر في برنامج مقره عمان وتونس وواشنطن؟
وللأمانة أيضا أنا أدعى تقريبا شهريا إلى تونس من جمعيات تونسية معروفة لأعطي محاضرات عن الربيع العربي وبخاصة عن سوسيولوجيا الإرهاب وداعش. وهي دائما فرصة لي للحضور في القنوات التونسية ورؤية الأصدقاء…
وأنا العقلاني في تفكيره لكن أيضا حدسي في تعاملي مع الآخرين، أحسست أن في الأمر “إن” وغيرها… فالجميع يعرف معركتي مع الدكتاتوريات العربية الرجعية الملكية الإقطاعية المطلقة وعلى رأسها نظامي آل سعود وآل ثاني. وأنا من قلت “أن الشعب القطري لا يشاهد صناديق الانتخابات إلا في التلفزيون”. ومن كشف في ندوات علمية كثيرة وفي برامج تلفزيونية أن قناة “الجزيرة” هي قناة دكتاتور من العصر الحجري يشرف عليها ضباط وكالة المخابرات المركزية الأمريكية لتخريب الوطن العربي واستهداف الجمهوريات الوطنية. وأنا من ساهم مع آخرين في كشف حقيقة يوسف القرضاوي كمرتزق دولي تم وضعه على رأس تنظيم اسمه “الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين” صنعه وموله دكتاتور قطر كما صنع “الجزيرة” وكما استضاف قاعدة “العديد” الأمريكية الجوية مجانا بل ومولها بنسبة ستين بالمائة. ووو…
وكان يجب علي أن اتخذ القرار بسرعة لأن المناظرة ستكون يوم 3 أكتوبر 2015. وحتى أقطع الشك باليقين أرسلت رسالتين إلكترونيتين واحدة للأخ التونسي وأخرى للأخت الجزائرية في قطر وفكرت إن كنت مخطأ في تقديراتي فسيتصلان بي فورا لتصحيح سوء ظني وطمأنة حدسي وهذا نص الرسالة:

“سيدي / سيدتي
بعد بحثي وتأكدي أن برنامج مناظرات هو من تمويل دكتاتورية قطر… لا يمكنني المشاركة في إعلام دولة تضع شاعر الربيع العربي محمد بن الذيب العجمي في غياهب السجون بسبب قصيدة “كلنا تونس الياسمين”. إن لي التزاما أخلاقيا مع عائلته وبخاصة أبنائه الأربعة. فالمطلوب أولا هو إطلاق سراحه والاعتذار له عن كل يوم سجن وفيما بعد يمكن أن أقبل المناظرات والحوارات. هذا هو شرطي. إطلاق سراح محمد بن الذيب العجمي فورا والاعتذار له عن كل يوم سجن.
رياض الصيداوي / رئيس اللجنة الدولية لإطلاق سراح الشاعر محمد بن الذيب العجمي من زنازين دكتاتور الدوحة”.
تاريخ الرسالة هو 21 سبتمبر 2015. ولم أشأ أن أدخل السيدة الأجنبية في صراعات العرب فلم أجبها.

لم يعد شكا بل أصبح يقينا

انتظرت وانتظرت ولا من مجيب. لا عبر البريد الالكتروني ولا عبر المكالمات الهاتفية وما أكثرها قبل رسالتي. صمت مطلق كصمت القبور. لا شيئ. لا حياة لمن تنادي…
يشهد الله أنني متعاطف مع الأخ التونسي والأخت الجزائرية فالمثل التونسي ينطبق عليهما “الخبزة مرة”. لكن ماذا يريد مني دكتاتور قطر؟ فقد دعاني كثيرا قبل ذلك ورفضت دعواته منذ انطلاق ربيع الخراب الوهابي القطري.

طلبني فيصل القاسم منذ أشهر لأشارك في برنامج في لندن وليس في الدوحة لأدافع عن الجيش العربي السوري. ورفضت. سوريا لا تحتاج لقناة دكتاتور قطر للدفاع عنها.
طلبتني صحافية تونسية من قناة “الجزيرة” ذكرتني بأنها درست في معهد الصحافة وعلوم الإخبار في تونس لأشارك في حوار فقلت لها بالحرف الواحد أنني أقاطع الجزيرة وأخواتها وأرفض رفضا قاطعا الظهور في الإعلام الإسرائيلي والسعودي والقطري وأبلغي كل مسؤولي القناة ورؤساء تحريرها بذلك.
ورغم ذلك تمكنوا دون علمي من نقل مباشر لمحاضرتي كاملة باللغة الفرنسية عن “الربيع العربي” في مبنى الأمم المتحدة بجنيف على قناة “الجزيرة مباشر”. وترجموها فوريا للعربية. كانت مجموعة من المصورين يغطون المحاضرة ولم أر “لوغو” الجزيرة.
ماذا يريد مني دكتاتور قطر؟ هل أتخلى عن محمد بن الذيب العجمي وأبنائه الأربعة وأهله الذين اتصلوا بي؟ هل أتخلى عن شاعر الربيع العربي الحقيقي لأذهب إلى الإعلام المزيف، إعلام الدكتاتوريات والقواعد العسكرية الأجنبية؟
لماذا كل هذا الإلحاح وهذا اللف والدوران؟ اعتقد: إن سقطت مرة واحدة فقد سقطت إلى الأبد.
هل تشترى الحرية والديموقراطية؟

صحيح أن آل ثاني اشتروا الكثير من العباد عربا وعجما. اشتروا نادي “باريس سانت جارمان” لكرة القدم واشتروا تنظيم كأس العالم من رئيس الفيفا سيب بلاتر وهو الآن في التحقيق القضائي بسبب رشاوي دكتاتور قطر وغيرها.
واشتروا شيوخا وكهنة على رأسهم يوسف القرضاوي الذي افتى فتوى شرعية للحلف الأطلسي بقصف طرابلس ودمشق.

واشتروا محمد هنيد الذي تنتابه موجة هيستيريا كلما جاء دوره للدفاع عن المعجزة القطرية ووصل به الأمر إلى شتم الشعب التونسي واتهام ابن بلده الذي كان محتجزا في قطر محمود بوناب بأنه لص…
واشتروا أبو يعرب المرزوقي الفيلسوف التونسي التجمعي سابقا ثم حليف النهضة ثم شاتما لها لأنها لم تمكنه من وزارة ثم حليفا للمنصف المرزوقي ثم معاديا له في الدور الثاني من الانتخابات بعد أن تأكد أن حظوظه ضعيفة… وهو الآن يدافع باستمات عن ابن تيمية والوهابية ويدعو الشباب للجهاد في سوريا في سبيل إسرائيل وآل ثاني وآل سعود والعديد والسيلية… وكله بثمنه. والله أعلم ماذا فعلوا مع الرئيس المنصف المرزوقي هل “سحروه” في فندق شيراتون الدوحة ليهدد شعبه بالويل والثبور لأنه يتجرأ على التطاول على دكتاتور قطر بينما محمد بن الذيب العجمي شاعر الثورة التونسية يئن في زنزانة غير بعيدة عن الفنادق الفخمة جدا في الدوحة…
لكن هل يمكن شراء الحرية والديموقراطية؟ هذه قيم ومثل عليا وليست “كبسة”، أكلة خليجية شهيرة وهي خليط من الرز واللحم تطبخ وتأكل؟ لا يمكن شراء القيم والمثل كما لا يمكن شراء إلا الرخيص من البشر مهما اشتهر وعلا شأنه. فقط الرخيص يبع نفسه للدكتاتوريات.

“الماريشال عمار”

دكتاتور قطر يذكرني بالشخصية المسرحية التونسية الشهيرة “الماريشال عمار”. لغير التونسيين: “الماريشال عمار” كان جنديا بسيطا فقيرا أميا وجد كنزا أثناء الحرب فأحاط به منافقون كثيرون وزينوا له أشياء كثيرة لم تكن فيه. لكن أيضا خاتمة الماريشال كانت سعيدة لأنه استعاد وعيه واستفاق من غيبوبته وعاد إلى ضيعته الفلاحية. أما دكتاتور قطر فيبدو أن “الشيزوفرينيا”، أي ازدواجية الشخصية، تمكنت منه بعد أن اشترى الكثير ولم يبقى له إلا القلة القليلة…
من يجرأ يقول لحاكم قطر أنه دكتاتور من القرون الوسطى لا يمتلك برلمانا ولا انتخابات ولا حتى “تزوير انتخابات” ولا تعددية حزبية ولا نقابية ولا حرية تعبير ولا حرية مناظرة وإن كل ما يملكه هو قاعدة “العديد” الأمريكية التي تحمي عرشه وتقصف العواصم العربية والإسلامية وفتاوي يوسف القرضاوي التي أصبحت تشريعا برلمانيا يستند عليه…
فقط محمد بن الذيب العجمي تجرأ في قصيدته الشهيرة وقال بيته الشعري الخالد “وآه عقبال البلد الي جاهل حاكمها ويحسب أن العز بالقوات الأمريكية”. فكان مصيره السجن المؤبد وتحت الضغط الدولي الكبير الذي قمنا به تكرم سموه فأصبحت 15 سجنا محروما من لقاء أبنائه الأربعة وزوجته وأهله وأصدقائه”.
عزيزي الدكتاتور تميم بن حمد آل ثاني: أطلق سراح شاعر الثورة التونسية فورا واعتذر له عن كل يوم سجن. ومقابل ذلك سأقبل مضطرا وكارها المشاركة لمرة واحدة فقط في أحد برامجك لنشر الحرية والديموقراطية في الوطن العربي ثمنا لتحرير محمد بن الذيب العجمي لا غير…

طرائف مع “الجزيرة”

من طرائفي مع قناة الجزيرة أن من بين مؤسسيها وما زال يعمل فيها إلى الآن من راسلني وشجعني على كشفها وكشف دكتاتور قطر ومرضه النفسي “الشيزوفريني”: دكتاتور مطلق ينشر في الحرية والديموقراطية. وقالوا لي أن شخصي المتواضع وما أقوله وما أنشره هو الحديث المفضل بينهم وأن صفحتي على “الفايسبوك” متابعة جدا من جماعة الدكتاتور الذي ينشر الحرية… حينما يأتي الوقت المناسب وبإذن من أصحاب هذه الرسائل طبعا سأنشر هذه المراسلات. لأن الحديث أمانات. وكم قدرت فيهم روح الوطنية وكم تفهمت مقولة “أن الخبزة مرة”.
والجزيرة الآن بعد أن أفلست نهائيا ولم يعد يشاهدها إلا من في نفوسهم مرض بدأت في طرد عشرين بالمائة من صحافييها وربما تغلق مستقبلا. وكثيرون من المطرودين بدؤوا يروون شهاداتهم عن “عصر الجزيرة” و”حرية حمد وتميم وموزة للتصدير خارج أسوار زنازين قطر”… ومنهم هويدا طه… والبقية آتية.
شيء هام لا يفهمه دكتاتور قطر: ما يسميه بيار بورديو بالرأسمال الرمزي لا يباع ولا يشترى:

Le capitale symbolique

المصدر:الحوار المتمدن