قصة أسد الجبارين: ياسر عرفات 2

لما كان محاصرا من قبل دبابات شارون حيث لا توجد إلا مسافة بضعة أمتار بينه وبين فوهة أول مدفع موجه نحوه، لم تفت أبو عمار فرصة وضع مسدسه فوق الطاولة جنبا إلى جنب مع هاتفه النقال. فالأول هو البندقية التي هدد بها لما ألقى كلمته لأول مرة على منبر الأمم المتحدة في نيويورك. والثاني، أي الهاتف النقال هو غصن الزيتون الذي لوح به ذات يوم على نفس المنبر، ووظيفته هي العمل الدبلوماسي والاتصالات السياسية. تلك هي ثنائية الكفاح والتفاوض عند ياسر عرفات التي لازمته منذ تأسيس حركة “فتح” إلى يومنا هذا. فالكفاح السياسي بدون سياسة ودبلوماسية وأهداف واضحة هو انتحار. وكذلك السياسة بدون قتال ونضال هي ترف لن يحرر فلسطين ولا أي شبر منها. ربما لأجل هذه الثنائية اتهم أبو عمار تارة ب”الإرهابي” من قبل الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني وتارة أخرى ب”الانهزامي” و”المسالم” ورجل “الفنادق بدل الخنادق” من قبل بعض التنظيمات الفلسطينية الصغيرة أو من قبل بعض الأنظمة العربية المدعية لثورية خطابية سرعان ما تختفي عن ساحة الفعل حينما يحين الجد، حيث تلتجئ بسرعة إلى تهدئة الوضع والتفاوض مع إسرائيل سرا. أبو عمار أدرك منذ سنة 1948 كل هذه المناورات وعرف الفرق بين الخطاب والممارسة. وفهم أن تحرير فلسطين لن يتم بالخطب ولا بالمزايدات الثورية الشعارتية الخالية من أي برنامج حقيقي للتحرير.
هذا الشبل من ذاك الأسد. ينطبق هذا المثل على كتائب شهداء الأقصى. هذا التنظيم السري المحكم الذي أثار الخوف والبلبلة في نفوس الإسرائيليين بعملياته الجريئة وشجاعة مناضليه وقادته..لم يأت من فراغ. لقد خرج من أحضان التنظيم الأم أي حركة “فتح”. ول”فتح” قصة مع التاريخ في الكفاح المسلح أولا وفي الدبلوماسية ثانيا. وكلمة “فتح” هي اختصار لاسم التنظيم : حركة التحرير الفلسطيني. وقد اضطر الفلسطينيون لاختصار الاسم بالمقلوب فعوض أن تكون “حتف” (وهو ما يعني الموت في اللغة العربية) فقد استعملت كلمة “فتح” لما لهذا التعبير من دلالة ومغزى لدى العرب والمسلمين.

الرحيل إلى الكويت

من الممكن القول أن قدر حركة “فتح” ارتبط بقدر الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات نفسه. وحينما نتحدث عن الصدف وتعدد الاختيارات لدى البشر..فإن التاريخ كثيرا ما يكون غير عقلاني. فتأسيس حركة “فتح” ارتبط بسلسلة أحداث مترابطة تارة ومتقطعة متنافرة تارة أخرى. ولعل بداية الخيط كانت بعد زيارة المناضل الشاب عرفات إلى العراق والتقاؤه بالضباط الأحرار العراقيين وعلى رأسهم عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف، الذين كانوا بصدد إعداد ثورة للإطاحة بالملكية العراقية وبنوري السعيد وتباحثه معهم في أمر فلسطين والعراق وشؤون العرب عامة. فعند عودته إلى القاهرة، استدعته المخابرات المصرية وحققت معه كما ضيقت عليه أجهزة الأمن المصرية الحصار ورصدت حركاته وسكناته بالإضافة إلى طرده من عمله في مصر. ووصل الشاب المتحمس إلى ضرورة الخروج من مصر والاتجاه إلى دول الخليج حيث قبل أول عرض عمل جاءه من الكويت. وقبل ذلك سبقه صديقه خليل الوزير بأن وقع عقد عمل كمدرس في المملكة العربية السعودية والذي سرعان ما غير وجهته هو أيضا ملتحقا بصديقه في الكويت.

الابتعاد عن دول المواجهة

هذا الانتقال المكاني في تاريخ الشاب الثوري عرفات شكل منعرجا حاسما في تاريخه الشخصي بشكل خاص وفي تاريخ الثورة الفلسطينية بشكل عام. فمصر دولة مواجهة مع إسرائيل وهي مرتبطة معها باتفاقية هدنة عسكرية ويوجد وقف حقيقي لإطلاق النار بين الدولتين. ومن ثمة لن تسمح دولة مصر لأي نشطاء فلسطينيين بالعمل من خلال الأراضي المصرية. وهي قاعدة ستتكرر دوما مع كل الدول العربية المواجهة. فسوريا لم تسمح للمقاومة الفلسطينية بالانطلاق من ترابها لأنها غير مستعدة لتلقي ضربات الانتقام الصهيونية. وكذلك الأمر بالنسبة لدولة الأردن الذى وصل فيها الوضع مع الفلسطينيين إلى حد التقاتل في أيلول 1970 وحدوث مجزرة رهيبة في حقهم. وحتى لبنان لم يعد يسمح بأن تكون أراضيه قاعدة انطلاق الكفاح الفلسطيني المسلح منذ خروج أبو عمار من بيروت سنة 1982 على اثر الاجتياح الإسرائيلي.
أدرك أبو عمار مبكرا أن دولة عربية بعيدة غير مواجهة مباشرة لإسرائيل هي أفضل بكثير للفلسطينيين من دول المواجهة. فهي ستعطيهم الوقت الكافي للتنظيم دون الخوف من التدخل الاستخباراتي للدولة العربية المضيفة من جهة أو الخوف من عمليات الانتقام العسكرية للكيان الصهيوني من جهة أخرى. لهذه الأسباب مجتمعة شكلت الكويت قاعدة جيدة لانطلاق المقاومة. كما استعاد أبو عمار لاحقا هذا الاختيار عندما اختار الانتقال إلى تونس بدل دولة عربية من دول المواجهة عندما أخرج من بيروت، آخر معاقله القوية على أرض عربية متاخمة لإسرائيل.

المال والثورة

في الكويت، اشتغل عرفات لبعض الوقت في وزارة الأشغال العامة، حيث غادرها ليؤسس شركة خاصة به. نجحت الشركة وحققت أرباحا كثيرة. لقد انتبه أبو عمار مبكرا لأهمية المال في النضال السياسي والعمل الدعائي. وخلفيته العائلية كابن تاجر ناجح جعلته لا يجد حرجا أبدا في إدارة أعماله واستثمار أمواله، التي أصبحت أموال الثورة الفلسطينية، بشكل محترف وذكي جنبا إلى جنب مع قيادة الكفاح المسلح والعمل الدبلوماسي. وهي من النقاط التي حاول منافسوه اليساريون في الثورة الفلسطينية التركيز عليها لإضعافه أمام الرأي العام الفلسطيني والعربي. لكن أبو عمار قلب المعادلة ونجح بهذه الأموال في تأسيس مؤسسات الثورة الفلسطينية التي أثبتت نجاعتها وكانت نواة حقيقية لأي دولة فلسطينية قادمة. وحقيقة تبدو شخصية أبو عمار المثيرة لكثير من التساؤلات محل حيرة لبعض المتتبعين لمسيرته. فالرجل يبدو في بعض الأحيان وكأنه رجل أعمال كبير وناجح. وتقول بعض التقارير المنشورة أن أمواله طائلة، وأن استثماراته في جميع أرجاء العالم كبيرة وبخاصة في أروبا. هذه النقطة الحساسة أثارت انتباه جهاز المخابرات الصهيوني “الموساد” الذي أراد استغلالها لتحطيم صورة ياسر عرفات لدى الرأي العام الفلسطيني والعربي والعالمي. يعترف عميل الموساد الإسرائيلي فيكتور أوستروفسكي في كتابه (الموساد : عميل الأجهزة السرية الإسرائيلية يتحدث) الذي أثار ضجة كبيرة عند صدوره باللغة الإنجليزية في أمريكا سنة 1990، بمحاولة الموساد تشويه ياسر عرفات فيقول (صفحة 232، الطبعة الفرنسية) “لقد استخدم الموساد ضد بعض القادة العرب تهمة العيش الرغيد والمرفه الذي يعيشونه منتفعين من النظام القائم. غير أن الأمر مع ياسر عرفات يختلف، فهو دائم الالتصاق بشعبه يعيش معه بكل تواضع. وعند حصار بيروت، كان بإمكانه أكثر من مرة الهرب والنفاذ بجلده لكنه لا يفعل ذلك إلا بعد أن يبعد الفلسطينيين الآخرين عن الخطر. فالموساد لا يستطيع إذن اتهامه بكونه لا يفكر إلا في مصالحه الخاصة”. هذه الشهادة الموثقة، يعترف فيها الموساد بعجزه التام عن تشويه صورة الزعيم الفلسطيني.

تأسيس “فتح”

وفي الكويت أيضا، نشط الشاب عرفات مع خليل الوزير في تجميع الفلسطينيين والربط بينهم، وكانت السلطات الكويتية تغض النظر على أنشطتهم رغم كونها مازلت تحت الاحتلال البريطاني. كما وصلت هذه النواة الأولى إلى نتيجة ستكون محددة لمسار الثورة الفلسطينية وهي أن لا حل بدون كفاح مسلح. ومن ثمة يجب إذن تركيز كل الجهد على تنظيم المقاومة العسكرية حيث حددت أهدافها الإستراتيجية : أولا تذكير العالم بمأساة فلسطين وأن هناك أرضا اغتصبت بدون وجه حق وشعبا تم تشريده ظلما في الخارج أو تم اضطهاده قهرا في الداخل. ثانيا، تأكيد هوية فلسطينية مستقلة عن غيرها من الهويات العربية والإسلامية. ثالثا، حق هذا الشعب في وطن ودولة خاصة به. والغريب في الأمر أن عرفات ورفاقه كانوا يمثلون أقلية في هذا المشهد. فأغلب الفلسطينيين سلموا أمرهم لحركة القومية العربية الصاعدة في ذلك الوقت بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. حيث كانت الآمال معقودة عليها في تحرير فلسطين وتوحيد الأمة العربية. ولم ير أغلب الفلسطينيون ضرورة لتشكيل تنظيم مستقل عن هذه الحركة أو مواز لها. وحقيقة، وكلت أغلب الجماهير الفلسطينية والعربية في هذه المرحلة مسؤولية تحرير فلسطين إلى عبد الناصر.

تأسيس الخلية الأولى

وذات مساء، وفي منزل الشاب المناضل ياسر عرفات اجتمع خمسة شبان وقرروا تأسيس الخلية الأولى لحركة “فتح” التي اعتمدت السرية أسلوبا والكفاح المسلح منهجا وتحرير فلسطين غاية. لم يكن جميعهم مستعدا نفسيا ولا جسديا لتحمل هذا العبء الثقيل. فليسوا جميعا أبا عمار. ففي اليوم الموالي قدم عضو استقالته لعدم قدرته على تحمل ضغوط الحياة الجديدة. أما العضوان الآخران فقد استقالا بعد بضعة سنين. واحد منهم يعمل اليوم كأستاذ رياضيات في الكويت والثاني يمتلك محلا تجاريا في نفس البلد. لم تحافظ خلية “فتح” الأولى إلا على اثنين فقط من أعضائها وهما ياسر عرفات ورفيق دربه خليل الوزير.

صحيفة “فلسطيننا”

اعتقد عرفات مبكرا، وكان اعتقاده صحيحا، في ضرورة إسماع صوت فلسطين إلى العرب ثم العالم عبر الصحافة. إن كل حركات التحرر الكبرى في العالم وكذلك الثورات بدأت دائما بصحيفة وبمجموعة مقالات متحمسة. فالصحيفة مثلت دوما نقطة الانطلاق لاندلاع ثورة. وهو ما فعله الشاب عرفات حينما وظف أرباحه التى حصل عليها من مشروعه التجاري في إنشاء جريدة سماها “فلسطيننا”. وصدر العدد الأول في شهر فبراير 1959. وكانت افتتاحياتها تمضى باسم “فتح” واعتقد بعض القراء أن هذا الاسم هو اسم رجل يشغل منصب رئيس تحرير الصحيفة أو مديرها. فكان بعضهم يبعث برسائله “إلى السيد المحترم فتح…”. وكانت الصحيفة تطبع في بيروت، لكنها تحرر في الكويت، حيث انشغل عرفات بكتابة المقالات أو جمعها في حين انشغل خليل الوزير بتجميع الصور. وركزت “فلسطيننا” توزيعها على المخيمات الفلسطينية في سوريا. وكانت الصحيفة مصدر خطر لمن يوزعها أو لمن يقرؤها. وكان خليل الوزير يخاطر بحياته نفسها كل مرة يعبر الحدود اللبنانية السورية بسيارة مليئة بنسخ “فلسطيننا”. سيستفيد أبو عمار لاحقا وباستمرار من هذه التجربة، حيث سيركز على الدعاية الإعلامية للقضية الفلسطينية بشكل عام وعلى موهبته الفذة بشكل خاص في الوقوف أمام عدسات الكاميرات العالمية. سيصبح الإعلام عنده سلاح فعال لا يقل أهمية عن سلاح المقاتلين إن لم يفوقه في بعض الأحيان.

نجاح التجربة

لقد نجحت التجربة وجاءت ثمارها بسرعة. فقد اعتقدت مجموعات شباب فلسطينية كثيرة أن حركة “فتح” هي تنظيم قوي بعدد رجاله وبميزانيته الكبيرة وهو ما يفسر حسب رأيهم قدرته على إصدار منتظم لصحيفة وتوزيعها بشكل جيد. وبدأت هذه المجموعات في الاتصال بعرفات وخليل الوزير حتى تلعب دورها في عملية الكفاح من أجل تحرير فلسطين. وقد توصلت عبقرية خليل الوزير إلى ضرورة تنظيم هؤلاء الشباب بأسلوب غير كلاسيكي هرمي وإنما عبر خلايا صغيرة مستقلة الواحدة عن الأخرى وكل خلية مسئولة على تدبير حالها من ناحية التمويل أو انتداب مزيد من المناضلين..كل ذلك تفاديا لأجهزة المخابرات العربية التي انتبهت مبكرا للنشاط الفلسطيني محاولة اختراقه أو تعطيله أو احتوائه. هذا الأسلوب التنظيمي اتبعته “فتح” إلى يومنا هذا وقد أثبت نجاعته أثناء الانتفاضتين الأولى والثانية.
ولمزيد من السرية التي يجب أن تحيط بقادة ومناضلي “فتح” تم استخدام الألقاب العربية التقليدية التي يسمى الرجل فيها باسم ولده البكر. فخليل الوزير أصبح معروفا باسم أبو جهاد، وصلاح خلف اشتهر باسم أبو إياد، وخالد الحسن أصبح أبو سعيد وفاروق القدومي صار أبو اللطف..أما عرفات الذي قال أنه تزوج فلسطين فقد اختار اسم أبو عمار تيمنا بعمار الرجل الذي ناصر النبي محمد صلى الله عليه وسلم وهو ضعيفا وتحمل في سبيل نصرته الأهوال والعذاب الكثير..