أسد الجبارين: ياسر عرفات والابن الروحي مروان البرغوثي 4

من يمكنه خلافة أسد الجبارين ياسر عرفات غير مروان البرغوثي؟…
عندما حاصر جنود الاحتلال الصهيوني المنزل الذي يختبئ فيه مروان البرغوثي. وعندما تأكد الرجل من استحالة الإفلات. خاطب الجنود الاسرائيليين بلغة عبرية سليمة كان قد تعلمها في سجونهم “سوف استسلم، لكن لا تتعرضوا لأحد من أفراد العائلة التي كنت مختبئا عندها”. ثم أضاف “في كل الأحوال لن تأخذوا مني كلمة واحدة”. فهو في هذه اللحظات العصيبة لم يفكر في نفسه وإنما انتبه إلى ضرورة إبعاد الانتقام الإسرائيلي عن مضيفيه. وهذا الموقف تكرر كثيرا في حياة البرغوثي فأصبح أحد سمات شخصيته المتميزة. التضحية بالنفس في سبيل الفلسطينيين الآخرين. وكذلك : القائد يسبق في التضحية جنوده، يسبقهم إلى المعركة، فيكتسب احترامهم وولاءهم وطاعتهم بالعمل الكفاحي وبإعطاء المثال في المبادرة وليس من خلال الهرمية السلطوية والإكراه والأوامر. وقد حاولت إسرائيل منذ وصول شارون إلى السلطة أكثر من مرة اغتياله فلم تتمكن منه ولكنها في المقابل نجحت في اغتيال معاونيه رعد كرمي وعاطف عبيدات كما اغتالت الكثير من أنصاره ومقاتليه. اليوم يقبع في السجن في ظروف مادية ونفسية شديدة الصعوبة. فهو معزول في غرفة صغيرة لوحده ولا يستطيع النوم أكثر من ثلاث ساعات في اليوم. ويعتبر حرمانه من النوم أكبر أنواع التعذيب النفسي التي تسلط على سجين. ورغم كل هذه الظروف الصعبة، فإن معنوياته مرتفعة جدا وذلك حسب ما صرح به محاميه جواد بولس.

اعتقال واختلاف

اعتقلت إسرائيل إذن مروان البرغوثي قرب رام الله يوم الإثين 15 أبريل 2002. وهي تعتقد أنها ستستطيع بعملها هذا وضع حد لكفاح كتائب شهداء الأقصى بمجرد اعتقال مؤسسها وزعيمها الروحي. لكنها قد تجد نفسها في ورطة حقيقية. فالسجون تقوي من عزيمة الرجال ولاتضعفها. انتبه الإسرائليون إلى هذه الورطة فاختلفت مواقفهم باختلاف مواقعهم. بعضهم يرى في البرغوثي قيادة شابة ممثلة يمكنهم محاورتها لاحقا، والبعض الآخر يطالب بأقصى العقوبات ضده.

موقف أول

تذهب صحيفة إسرائيلية إلى حد القول بأن اعتقال البرغوثي سيريح بعض القيادات الفلسطينية التي كانت محيطة بالرئيس ياسر عرفات والمسماة عادة بالحرس القديم. تقول عكيفا الدار في يومية “هآرتس” في18 أبريل 2002 (ترجمة القدس العربي) وفي مقال تحت عنوان “اعتقال البرغوثي ربما تم لإعداده لقيادة الفلسطينيين في المفاوضات المقبلة” : “..ومن المعقول الافتراض بأن إبعاد البرغوثي عن الساحة لم يذرف الدموع الكثيرة من مكتب عرفات ومحيطه. فالقيادة القديمة (الحرس القديم (Old Guards، بقيادة أبو مازن، أبو علاء، محمد رشيد، ياسر عبد ربه، صائب عريقات وآخرين المقربين من الصحن، شخصت في البرغوثي وجماعته المقاتلة تهديدا على هيمنتها. وهم مستعدون لدفع ضريبة كلامية بدموع الاحتجاج الصاخب لوسائل الإعلام على اعتقال الزعيم الشعبي من السجن طول الطريق إلى الجناح في الفندق الذي سيستضيف المؤتمر الإقليمي”.
وألمح نفس المقال إلى إمكانية أن تتعامل إسرائيل مع مروان البرغوثي “فقبل ثلاثة أسابيع فقط، قال بنيامين بن اليعازر لوفد من “السلام الآن” أن مروان البرغوثي ينتمي إلى جيل القيادات الفلسطينية الذي سيرث مكان ياسر عرفات. وقال أن هؤلاء أشخاص سيتعين علينا الحديث معهم مع قدوم الوقت. وشرح وزير الدفاع بأن هؤلاء الأشخاص مكثوا لسنوات طويلة في السجون الإسرائيلية وهم يعرفوننا جيدا”. ويذكر نفس المقال القارئ الإسرائيلي بأن البرغوثي هو من نشر مقالا في صحيفة واشنطن بوست الأمريكية قائلا “اعترفنا بإسرائيل في 78 في المائة من أراضي فلسطين التاريخية، وإسرائيل هي التي ترفض الاعتراف بحق فلسطينين في الوجود في 22 في المائة المتبقية”.

العلاقة مع الإسرائيايين

صحيح أن مروان البرغوثي يعد بمعايير الثورة والكفاح رجل راديكالي غير مستعد للتسليم بالحقوق المشروعة أو التفريط في الثوابت الوطنية. فهو قد عارض مثلا اتفاقيات أوسلو التى وقعها الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين وعلق عليها لاحقا “ماتت اتفاقيات أوسلو باغتيال أحد صانعيها” أي رابين. لكن في المقابل نجد أن الرجل قد نجح في ربط علاقات كثيرة مع اليسار الإسرائيلي وبخاصة مع قيادات في حزب العمل، وحركتي “ميرتس” و”راكاح” اليساريتين. فقد ساعده ماضيه الشيوعي على تكسير الحاجز النفسي عندما يتعلق الأمر بالاتصال باليسار الإسرائيلي…وهو ما يفسر دائما وجود أصوات لدى المثقفين الإسرائيليين اليساريين تنادي بضرورة التعامل مع البرغوثي كقائد محتمل للشعب الفلسطيني يخلف عرفات. فقد هاجم وزير البيئة الإسرائيلي السابق يوسي ساريد زعيم حزب ميرتس عملية اعتقال البرغوثي وطالب بضرورة إطلاق سراحه فورا وإلا فستتضرر إسرائيل كثيرا وستدفع ثمن اعتقاله باهضا.
فالبرغوثي على عكس أغلب القادة الفلسطينيين الآخرين لحركة “فتح” يتمتع بشعبية حقيقية وكبيرة لدى الشارع الفلسطيني. بل أن صوره أصبحت ترفع في المظاهرات والمسيرات التي تجول مدن الضفة الغربية وقطاع غزة منذ اعتقاله. لكن في المقابل نجد اليمين الإسرائيلي بكافة فروعه يكن له حقدا دفينا.

موقف انتقامي

أما البعض الإسرائلي الآخر فيطالب بإنزال أشد العقوبات ضد البرغوثي لجعله عبرة لباقي القادة الفلسطينيين. لقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت مقالا متطرفا ضد البرغوثي أمضاه غيء باخور بتاريخ 18 أبريل 2002 (ترجمة القدس العربي) وهو معاكس تماما في محتواه وحدة لهجته لمقال هآرتس، فتحت عنوان “تجب محاكمته ومعاقبته بمنتهى الشدة كظاهرة وكشخص” كتب صاحب المقال “تقديم البرغوثي للمحاكمة سيكون رسالة واضحة للعرب أن إسرائيل هي جوهر وليست نقاشا. إرهابي تجب محاكمته أم سياسي جدير بنوع من الحصانة لذلك يجب إبعاده؟ الجواب على هذه المعضلة التي تواجه قادة الدولة بكل ما يتعلق بالبرغوثي هو جواب بسيط : تجب محاكمته ومعاقبته بمنتهى الشدة، كظاهرة وكشخص”. ويضيف صاحب المقال “يعتبر البرغوثي، الذي كان في السابق من نشيطي “فتح”، من قادة الانتفاضة الحالية وافترض أن المجتمع الإسرائيلي سيستسلم بسرعة أمام العنف. لقد قاد ناشطين من أكثر الإرهابيين وحشية وقسوة في العالم : القوة التي تدعي كتائب الأقصى، والمسؤولة عن سلسلة طويلة جدا من العمليات الانتحارية داخل إسرائيل. وفي مقابلات صحفية عديدة وعد الجمهور العربي بأن هذا يحدث تدريجيا وأن إسرائيل تتراجع. هذا لم يحدث، لقد خسر لأن إسرائيل لم تتنازل عن شيئ نتيجة لهذه الانتفاضة. بالعكس، لقد ألمت بالفلسطينيين مأساة جديدة”. ويطالب كاتب المقال بضرورة الحكم المؤبد ضد البرغوثي بعد أن يذكرنا بالاتفاقيات السابقة مع الفلسطينيين “في أيلول (سبتمبر 1993)، تعهد ياسر عرفات خطيا باسم منظمة التحرير الفلسطينية بأنه من الآن فصاعدا ستتم تسوية النزاعات بين الطرفين بطرق سلمية وليس بالعنف. هذا المبدأ انتهك بصورة بارزة في الانتفاضة الحالية وتقديم البرغوثي للمحاكمة سينفث فيه الحياة من جديد. إن الحكم عليه بالسجن المؤبد واعتباره كإرهابي يوضح من هو السياسي الذي يجب النقاش معه بشرف ومن هو الذي لا يجب الحوار معه. وإذا لم يتم توضيح هذا المبدأ من جديد فإن إسرائيل ستواجه انتفاضة أخرى في المستقبل”.
فلسفة إسرائيلية

ويحاول الكاتب الإسرائيلي تبرير الانتفاضة بوجود صراع داخلي على السلطة عند الفلسطينيين فيقول “في ظل غياب الأدوات الديموقراطية، يتنافس الفلسطينيون فيما بينهم على المواقع القيادية بواسطة قتل اليهود. من يقتل إسرائيليين أكثر يحظى بمكانة أعلى. والانتفاضة الحالية كانت بمثابة دعوة تحد للتنظيم والبرغوثي لقيادة عرفات القديمة عشية اليوم الذي يلي عرفات. إن الحوار الداخلي – الفلسطيني المشوه هذا الذي دفع الإسرائليون ثمنه وقطفت شخصيلت فلسطينية ثماره، يجب أن يتوقف الآن. والطريقة ليست بالتصفيات، التي لا تزال مرفوضة، بل بالمحاكمة. وهكذا يرد في حسبان كل مخطط عمليات ضد إسرائيل التفكير بأن يومه سيأتي وأن العدالة ستقتص منه ومن تاريخه السياسي. ولكن البرغوثي ليس الشعب الفلسطيني وعلى إسرائيل أن تفصل بين طريقه الدامي وبين الشعب الفلسطيني الذي نريد أن نتوصل معه إلى تسوية. في نفس الوقت مع تقديم البرغوثي للمحاكمة على إسرائيل أن تبدأ بمبادرة سياسية حقيقية لأنه يجب أن تطرح أطروحة مضادة لتكتيك الإرهاب الذي يمارسه البرغوثي: العنف. الإرهابي نلتقيه في قاعة المحكمة. والقيادة الفلسطينية السياسية – في قاعة المؤتمرات”.

صراع الداخل والخارج

إن ما يميز مروان البرغوثي عن أغلب القادة الفلسطينيين الآخرين هو كونه زعيم فلسطيني شاب جاء من داخل فلسطين وليس من خارجها مثل أغلب قادة الثورة الفلسطينية. كما يتميز برؤيته المتعددة الأبعاد لعملية كفاح الشعب الفلسطيني التي يجب أن تكون على أكثر من جبهة. فالنضال ضد إسرائيل يندرج عنده في إطار حرب التحرير الوطني، أي الحرب من أجل التحرر من الاستيطان الإسرائيلي وفي سبيل استقلال الشعب الفلسطيني. أما المعركة الثانية التي يجب خوضها بوضوح وبدون مجاملة فهي ضد الفساد المنتشر لدى بعض قادة السلطة الفلسطينية الذين عادوا إلى فلسطين بعد اتفاقيات أوسلو. أو ما يسميهم الفلسطينيون تندرا “جماعة تونس” والمقصود هو بعض قادة “فتح” الذي عاشوا بعيدا عن الجبهة الداخلية و”ناضلوا” نضالا سياسيا انطلاقا من تونس دون أن تكون لهم مشاركة فعلية في الانتفاضة الأولى. وهم عادة قادة مرفهون ماديا ولهم علاقات خارجية كثيرة واعتادوا إبرام الصفقات التجارية وتحقيق الأرباح الشخصية على حساب الثورة الفلسطينية. كان البرغوثي شديد القسوة علىهذه الجماعات فكثيرا ما يوجه إليها الانتقادات العلنية متهما إياها بنقل الفساد إلى فلسطين. حيث لا يمكن بناء دولة عصرية بهذه الجماعات. أكسبته هذه المواقف حب الجماهير وتعاطفها معه. لكن يجب إدراك أن البرغوثي لم يكن في حالة قطيعة مع الرئيس ياسر عرفات، بل على العكس يبدو أن أبا عمار كان يستعمل البرغوثي ورفاقه من القيادات الشابة لإحلال توازن داخل السلطة الفلسطينية حتى لا ينفرد الحرس القديم بالمناصب والقرارات وتميل الكفة إلى صالحه. لذلك يقول كثير من المراقبين أن أبا عمار شجع البرغوثي وأمده بالمال والسلاح.

الأب والزعيم الشاب

هذه العلاقةالتي كانت قائمة بين الزعيم الأب والزعيم الشاب قد تصل في بعض الأحيان إلى توتر شديد بين الرجلين. فعلى إثر اغتيال جميل الطريفي في رام الله، اندفع البرغوثي متهما الأجهزة الأمنية الفلسطينية بتدبيرها العملية وشن عليها حملة انتقادات واسعة متهما إياها بالانحراف عن مسيرة الثورة ودعا في أحد خطبه الحماسية إلى محاسبة هذه الأجهزة ومحاكمة الضباط المنحرفين فيها. لقد رفع البرغوثي شعار أولوية المناضل السياسي على الضابط العسكري الأمني وضرورة مراقبة الأول للثاني وليس العكس. أما أبو عمار فقد كان يحاول دائما إحداث التوازن داخل حركة “فتح” فقام بعد انتشار الانتفاضة بتشكيل لجنة طوارئ لإدارة الحركة ووضع على رأسها حكم بلعاوي وضمت خصوم البرغوثي.
فعرفات لا يريد التخلي عنه وفي الآن نفسه لا يمكنه إعطاءه دفة القيادة لكل السفينة. كما أن أبا عمار اعتاد على لعبة التوازنات الداخلية لدى الفلسطينيين والإقليمية مع العرب والدولية بين القوى الكبرى..وحذق هذه السياسة وتميز فيها…ورغم لحظات الغضب التي كانت تنداب عرفات تجاه البرغوثي من حين لآخر، فإن أبا عمار كان يدرك تمام الإدراك أنه لولا نشاط مروان وقدرته على تعبئة الفلسطينيين واكتساب احترامهم كمناضل من حركة “فتح” لاكتسح الإسلاميون الشارع الفلسطيني ولسيطروا على كل المواقع فيزيحون بذلك “فتح” من خارطة الفعالايات الشعبية…فقط البرغوثي ورفاقه أعادوا للحركة مصداقيتها لدى المواطن الفلسطيني من خلال سلوكهم اليومي المتميز بالانضباط الأخلاقي والاقتراب من قضايا المواطنين.

الولادة والنشأة

سنة 1960، وفي قرية كوير شمال غرب مدينة رام الله، ولد مروان البرغوثي في أسرة كبيرة العدد. تميزت أسرته باحتضانها للفكر الشيوعي وانضمام الكثير من أفرادها إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني. وكانت مسألة طبيعية أن يعتنق مروان الفكر الماركسي اللينيني منذ بداية شبابه. غير أن تحولا كبيرا حدث في حياته أثناء تجربة السجن الإسرائيلي الذي دخله وعمره لم يتجاوز 19 سنة. فالشاب اقتنع بضرورة الانضمام إلى حركة “فتح” والانسحاب من الحزب الشيوعي. هل غير مروان قناعاته السياسية والأيديولوجية كلية؟ ولماذا لصالح “فتح” خاصة وأن هذه الحركة هي في الأصل حركة تحرر وطني أكثر منها حزبا يحمل أفكارا في المجتمع والاقتصاد؟ أسئلة كثيرة قد تطرح ولا أحد يمكنه الإجابة عليها إجابة كافية وشاملة غير المعني بالأمر، أي مروان البرغوثي نفسه. لكن من الممكن تصور أن البرغوثي قد فهم أن أفكار الحزب الشيوعي ستصبح، لصعوبتها وتعارضها مع الهوية القومية والدينية للشعب الفلسطينيي، حائلا بينه وبين الجماهير فاختار التنظيم الأكبر والأشمل رغم التناقض الفكري والأيديولوجي للتيارات التي تتعايش فيه. كما أن برنامج حركة “فتح” هو أكثر البرامج الفلسطينية واقعية وإمكانية للتحقيق على الأرض. وبما أن البرغوثي يعتبر نفسه رجل ميدان أكثر منه رجل تنظير.. فقد حدث الانقلاب الكبير الذي سيغير مجرى حياته. ذلك أنه سيصبح منذ سنوات قليلة مضت أكبر رموز وقادة حركة “فتح” المرشحين حتى لخلافة أبي عمار.

النشاط السياسي والكفاح المسلح

تخرج مروان البرغوثي من جامعة بيرزيت. وكان أحد إطارات حركة “فتح” المشهود لهم بالنشاط والانضباط الخلقي والتنظيمي.
سجنته إسرائيل لمدة ست سنوات، استغلها في تعلم اللغة العبرية قراءة وكتابة وحديثا. غادر فلسطين نحو الأردن سنة 1987 ليعيش مؤقتا في منفاه الاختياري الجديد. وعمل هناك على دعم حركة “فتح” بالكوادر الشابة وتنظيمها حتى تحين ساعة المقاومة. ولم تلبث السلطات الأردنية أن أعلنت انزعاجها من كثرة نشاطاته وطلبت منه العودة إلى الضفة الغربية لكنه انتقل إلى تونس. لقد انتبه القيادي الفلسطيني الراحل أبو إياد إلى الطاقة التنظيمية الكامنة في الشاب مروان البرغوثي. وسرعان ما أعجب به فتبناه وساعده على الوصول إلى المراتب القيادية في “فتح” ووافق عرفات على صعوده بل تبناه بدوره.
وفي سنة 1988، أصبح البرغوثي عضوا في المجلس الثوري لحركة “فتح” وعاد إلى الضفة سنة 1994 مع بقية القادة الفلسطينيين على إثر اتفاقيات أوسلو ليتم انتخابه أمينا لسر الحركة في الضفة الغربية ثم عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني سنة 1996. لقد نجح البرغوثي في الفوز في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، لكنه في المقابل فشل في الحصول على ما يلزم من أصوات ليشغل منصب الأمين العام لحركة “فتح”.

معرفة الداخل

لقد كان من القادة القليلين الذين يعرفون الداخل الفلسطيني وتركيبة مشهده السياسي والنضالي. فهو تعامل عن قرب مع المناضلين والكوادر المحليين الذين بقوا في فلسطين. كما أدرك طبيعة الاحتلال الإسرائيلي وإمكانياته ومناوراته. أما البقية فكانوا غرباء عن المشهد الداخلي للضفة الغربية وقطاع غزة. بل كثير منهم لم يولد أصلا في فلسطين ولم يرها في حياته إلا سنة 1994. لقد وصفه ضابط إسرائيلي قائلا “البرغوثي ليس بمنظر أيديولوجي. فشرعيته أخذها من معرفته العميقة بالجيل الفلسطيني الذي ولد بعد حرب 1967”.
ورغم أن البرغوثي لم يشهد اندلاع الانتفاضة الأولى، فهو قد هيأ نفسه كما هيأ رفاقه للعمل بأقصى نشاط في الانتفاضة الثانية التي اندلعت منذ شهر أيلول (سبتمبر) 2000 على إثر الزيارة الاستفزازية لشارون إلى حرم المسجد الأقصى.
أما أخطر عمل قام به منذ بداية حياته السياسية والنضالية فتمثل قي تأسيسه لكتائب شهداء الأقصى في شهر أكتوبر (تشرين الأول) سنة 2001. وحسب بعض المصادر الإسرائيلية، فإن هذا التنظيم قام مع الفرقة 17 (الحرس الخاص بالرئيس الفلسطيني) بالقيام ب50 بالمائة من العمليات الفدائية.

رفض الصدام مع الفلسطينيين

وعلى عكس قادة الأجهزة الأمنية (جبريل الرجوب، محمد دحلان..)، فإن البرغوثي رفض الدخول في صراع أو صدام مع الحركات الإسلامية الفلسطينية وبخاصة حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” بل على العكس اختار التحالف معهما إلى جانب التحالف مع الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وتنسيق أعمالهم العسكرية اليومية ضد الكيان الصهيوني وشكلوا معا ما أصبح يعرف بالقوات الإسلامية الشعبية. أصبح البرغوثي من خلال هذه المواقف رجل الوحدة الوطنية حيث يلتف حوله الفلسطينيون باختلاف مشاربهم الأيديولوجية والفكرية والسياسية من اليمين إلى اليسار ومن العلماني إلى الديني.
وهو ما يفسر الحقد الإسرائيلي حول شخصه. فوزارة العدل الإسرائيلية كانت قد طلبت رسميا من ياسر عرفات في شهر أيلول (سبتمبر) سنة 2001، نفي البرغوثي خارج الضفة الغربية.
لكن في المقابل، نجد جزء من الحكومة الإسرائيلية يعتقد بضرورة إطلاق سراح مروان البرغوثي. ويعنقدون أن اعتقاله سوف يكون الصاعق الذي سيفجر انتفاضة جديدة وثالثة في فلسطين. فصقور كتائب الأقصى لن يسكتوا طويلا على سجن أبيهم الروحي.المصدر:الحوار المتمدن