هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 7

الفصل الخامس
هيكل المؤرخ
هذا الفصل يطرح إشكالية، هل أن محمد حسنين هيكل مؤرخ العهد الناصري؟ هل تتوفر فيه شروط المؤرخ؟ خاصة وأن كثيراً من قرائه والمعجبين بما يكتب لا يتورعون في التأكيد عن أهليته كمؤرخ، وربما أضافت كتبه الأخيرة التي صدرت تحت عنوان (حرب الثلاثين سنة) وتتضمن إلى حد الآن كتب (قصة السويس)، (سنوات الغليان)، و(الانفجار) بعداً جدياً في مدى تأريخية هيكل للأحداث… حيث تميزت هذه الكتب، بجمعها مستوى أكاديمياً محترماً، ومستوى صحفياً شيقاً مبدعاً… وربما ذلك من الأسباب التي دفعت بأحد الجامعات الغربية إلى منحه درجة الدكتوراه الفخرية في التاريخ المعاصر…
1 – المؤرخ
تعني كلمة التاريخ العربية لغة تحديد الزمن، من مادة (أرخ يؤرخ) التي ترجع في أصلها إلى كلمة (أرخ) أو (ورخ) التي تعني الشهير في اللغات العربية القديمة (السامية) ومنها اللغة الأكدية (البابلية والأشورية في حضارة وادي الرافدين) وعرف الإله القمر في جنوبي الجزيرة العربية باسم (ورخ).
وفي اللغات الأوروبية يطلق على التاريخ كلمة (أرخ يؤرخ) التي كان على ما يرجح أول من أطلقها على التاريخ المؤرخ اليوناني الشهير (هيرودوتس) وقصد منها التحري والبحث في أحداث الماضي وتسجيلها.
أما ابن خلدون فقد عرف التاريخ في مقدمته الشهيرة على أنه بحث ونظر وتدقيق وتمحيص، أي تقريباً بالمعنى الذي استعمله فيه (هيرودوتس).(1)
وقد وضعت جملة تعاريف ومفاهيم للتاريخ أقدمها الذي ظل في الاستعمال إلى أواخر القرن الثامن عشر، أن التاريخ سجل الماضي أو سجل الأحداث الماضية. على أن مفهوم التاريخ في ضوء نظريات التطور وعلم الاجتماع الحديث اتسع من بعد ذلك، مكتسباً مدلولات حضارية وتطويرية بحيث أصبح في مفهومه الحديث دراسة أحوال المجتمعات الماضية، أي دراسة تطور الإنسان وما أنتجه من منجزات حضارية وما تركته هذه المنجزات من تأثيرات في تطور الحضارة المعاصرة.(2)
أما المعنى الإصلاحي، فهو فرع من فروع المعارف البشرية قوامه التحري والتحقيق أي تحري الحقائق الماضية التي يصل إليها الباحث التاريخي وفق منهج بحث خاص هو منهج البحث التاريخي.(3)
ولعل أحسن ما يوصف به التاريخ بصفته علماً أنه من العلوم الوثائقية (Documentary Sciences)، أي العلوم التي تعتمد على الوثائق التي خلفها الماضي سواء كانت بقايا مادية أم مدونات تاريخية وهذه هي مصادره ومادته الأولى.(4)
إننا نحاول، من خلال هذه التعريفات للتاريخ، أن نقوم بمقارنة لمدى تأريخية كتابات هيكل.
ويبدو أن فكرة كتابة (تاريخ العهد الناصري) كانت قديمة عند هيكل، فهو يقول لعبد الناصر ذات مرة “ونحن نعيش أزمة من الأزمات الكبرى التي كان يعبرها واحدة بعد واحدة”:
ـ هل ستتاح لنا الفرصة يوماً لكي نجلس ونكتب معاً قصة ما حدث وحقيقته… ربما عندما تصل إلى سن الشيخوخة ولا تعود هناك مهام أو مشاكل، ستتاح لنا هذه الفرصة، نجلس معاً لنكتب القصة كلها.
وقال هو ببساطة:
ـ سوف تكتبها وحدك… فما أظن أن العمر سيصل بي إلى مرحلة الشيخوخة.‍
وقلت له ـ لماذا تقول ذلك؟
وكان رده:
ـ لنكن عمليين… الذي يعيش نوع الحياة التي أعيشها ليس له أن ينتظر الشيخوخة وإلا كان (يخرف)”.(5)
كان هذا منطلق هيكل في عملية التأريخ، أو ما سماه (قصة ما حدث) ويحاول هيكل أن يضيف مسحة من المصداقية والعلمية على عمله فيقول: “إذا أردت أن أكتب فلا ينبغي أن يكون ما أكتبه في مجال الدفاع عن جمال عبد الناصر، فهو لا يحتاج مني – أو من غيري – إلى دفاع عنه، ثم إنني أريد، إذا كتبت أن أضع أمام الناس صورة متكاملة للتجربة كلها، الضوء والظل، النجاح والفشل، الأصيل والدخيل في كل ما جرى وكان”.(6)
وفي مكان آخر، يؤكد مرة أخرى على حرصه الدائم على توثيق عمله، وجمع أقصى ما يمكن من الوثائق له، “ولعل مشكلتي مع بعض الناس أو مشكلة بعض الناس معي إنني لا اعتمد على الذاكرة ولا أغطي مساحة الفراغات فيها بما ينسجه الخيال أو التمني، فأنا أعرف كم هي ضعيفة ذاكرة البشر أمام الأيام وأمام الأهواء، وهكذا فإنني كنت طول عمري أسجل وأكتب واحتفظ بكل ورقة أشعر أن ملف التاريخ الذي عشته قد يحتاجها في يوم من الأيام”.(7)
والمشاع (لدى العامة) في الوسط الصحفي والسياسي المصري، أن هيكل هو المؤرخ الأساسي للعهد الناصري، وهذه بعض الأمثلة من الشهادات التي تؤكد هذا المعنى.
فمحمد فائق، وزير الإعلام ووزير الخارجية في عهد عبد الناصر وبداية عهد السادات(8) يقول “بكل تأكيد، هو أحسن من يكتب عن فكر عبد الناصر، لأنه كان قريباً من هذا الفكر ومخلصاً له، ومن ثمة، أحسن من يمكن أن يؤرخ للفترة الناصرية”.
أما مجدي حسنين أمين صندوق الضباط الأحرار، ومدير مكتب محمد نجيب، ثم مدير مكتب عبد الناصر، فيقول: “هي كتب علمية ممتازة. وهو أحسن من كتب عن عبد الناصر. لقد تفرغ لكتابتها، فخرجت كتباً محترمة مصرياً وعالمياً… نعم هو مؤرخ الناصرية، وبذل مجهوداً كبيراً من أجل ذلك”.(9)
ويوافقهما، ضياء الدين داوود، وزير الشؤون الاجتماعية وعضو اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي في عهد عبد الناصر، حينما يقول: “طبعاً، لا أحد يمكنه الاختلاف عن أن هيكل هو مؤرخ للعهد الناصري. فكفاءة هيكل الصحفية، كفاءة نادرة، فهو قارئ جيد ومستوعب متميز وباحث عميق، يعمل بعملية كبيرة جداً في تحضير مقالاته وكتابة آرائه.
كذلك له موهبة حفظ الوثائق، وبدأ يجهز لذلك مبكراً. والأهم من هذا، هو أن شغله الشاغل يتمثل في الصحافة. فحياته هي الصحافة والكتابة، وبالتالي يعطيه هذا التركيز كفاءة يتفوق بها على الآخرين من الناحية التوثيقية واللغة والتحرير والحجة والتزامه فيها بتوجهاته الفكرية”.(10)
إن هذه الشهادات تؤكد جميعاً على تأريخية كتب محمد حسنين هيكل، لكننا نعلم أن خطاب (العامة) يختلف عن خطاب (الخاصة) فالمستوى العلمي الأكاديمي يحدد منهجية واضحة في العمل التاريخي.

2 – نفي المؤرخ
يتألف منهج البحث التاريخي من خطوات أو مراحل تتبع أحدهما الأخرى في تسلسل منطقي تحتمه طبيعة هذا المنهج، كما أنها تتداخل بعضها ببعض.
ـ المرحلة الأولى: جمع الأصول.
… وهي بحكم منطق البحث التاريخي تتصدر المراحل والخطوات الأخرى لأن التاريخ من العلوم الوثائقية، والوثائق هي المادة الأساسية التي يبني عليها الباحث التاريخي بحثه، وخير ما يوجز ذلك المقولة الشهيرة “لا تاريخ بلا وثائق”.(11)
ـ المرحلة الثانية: النقد التاريخي.
وهي نقد المصادر التي تم جمعها… ويمكن تأكيد القول أن مرحلة النقد التاريخي هي الأساس العلمي الذي يقوم عليه التاريخ العلمي الصحيح…
وينقسم النقد إلى:
أولاً: النقد الخارجي ويدور بالدرجة الأول على التوثق من صحة المصادر والوثائق التي جمعت بتحميصها والتأكد من أصالتها…
ثانياً: النقد الباطني وهو يدور على فهم نصوص الوثائق التاريخية منها… وتقسم هذه المرحلة بدورها إلى خطوتين:
النقد الباطني الإيجابي: ويدور بالدرجة الأولى على فهم لغة الوثائق ومعانيها وأساليبها ومصطلحاتها والوقوف على المعاني الحقيقية التي أرادها مؤلف الوثيقة…
النقد الباطني السلبي: وينتقل الباحث من فهم المعاني اللغوية للنص إلى تدقيق وتمحيص صحة المعلومات الواردة فيها(12)…
ـ المرحلة الثالثة والأخيرة: مرحلة التركيب والتأليف.
بعد أن يطبق الباحث القواعد المقررة في النقد الخارجي من بعد جمع مصادره حيث تتجمع لديه حقائق موثوقة بقدر استطاعته وحسب اجتهاده عن الموضوع التاريخي الذي يريد أن يكتب عنه …
فيؤلف أو يركب من تلك الحقائق والمعلومات المتفرقة المبعثرة موضوع بحث متجانس ومفهوم”.(13)

هذه المراحل الثلاث، لو طبقناها على كتابات هيكل فسنلاحظ:
أولاً: وجود ثغرة كبيرة في المرحلة الأولى، مرحلة جمع المصادر، حيث يتجاهل هيكل عمداً بعض المصادر والحقائق ولا يوردها في كتبه، مثلما حدث مع (خريف الغضب) عندما يقول: “ومع ذلك فإن هذا الكتاب ـ اعترف بأمانة – لا يروي صورة الحقيقة كاملة عن هذا العهد، وأمانة أيضاً فإني لا أرى أن الظروف تسمح حتى الآن برواية الحقيقة كلها، وإن كان ذلك ضرورياً ذات يوم، إن ذلك العهد أحدث على مستوى الأمة كلها آثاراً سوف تتكشف عواقبها يوماً بعد يوم”.(14)
وتزداد هذه الصراحة وضوحاً، عندما يعلق على كتابه (سنوات الغليان) قائلاً: “… لأنك لابد أن تلاحظ أنني حاولت أن أجعل الكتاب يقرأ عربياً، ذلك لأنني استطيع أن أقول كل الحقيقة ثم لا ينشر الكتاب في أي مكان، ولذا قفزت على أشياء، ولم أقل كل شيء، ولو لم أفعل لكانت النتيجة هي منع الكتاب في الوطن العربي كله، ولعلي ألفت الانتباه إلى أن ثلثي الكتاب تقريباً قد نشر في الأردن كما دخل الكتاب السعودية على الأقل في “القبس” (صحيفة كويتية) التي كانت تبيع حوالي 35 ألف نسخة في السعودية، وفيما بعد منع الكتاب ككتاب في عدد كبير من البلدان العربية، وإن كان يدخل إليها مهرباً بكميات كبيرة للغاية، لكنه رسمياً ممنوع، إذاً، هناك جزء من الموضوع لم ألجأ إلى التفصيل فيه، بمعنى أنني لم أر أنه من المفيد أن أكتب كل شيء ثم لا يصل الكتاب إلى أحد”.(15)
ومن هنا، يمكن أن نؤكد أنه ليس هناك مؤرخ (يتجاهل حقائق) حتى يضمن لكتابه الرواج، وتفادي الرقابة.
ويمكن أن نضيف، رأي سامي شرف، مدير مكتب عبد الناصر للمعلومات ووزير شؤون الرئاسة، الذي قال: “بعد أن قرأت كتب هيكل، فأني ألاحظ أن هناك أشياء غض عنها الطرف، وأخرى تجاوزها، وأخرى غير من حقيقتها، إضافة إلى أشياء صحيحة ذكرها… وفي حواراتي مع هيكل حول بعض المسائل، اتضح أن بعض الأحداث لا يعرف خلفياتها فيجتهد من عنده دون معرفتها”.(16)
كما ينفي سامي شرف ـ على عكس الآخرين ـ أن يكون هيكل مؤرخ الناصرية.(17)
ثانياً: وجود ثغرة أخرى لا تقل أهمية في مرحلة النقد التاريخي، بفرعيه النقد الخارجي والداخلي معا. فمشكلة محمد حسنين هيكل هنا، أنه يواجه (عائق ابستيمولوجي)، يتمثل في انعدام مسافة موضوعية بين الأنا ـ الباحث، والآخر ـ موضوع البحث، فهيكل يتعرض كثيراً لمواقفه، ولدوره في الأحداث السياسية التي جرت، ومهما بلغ تجرد الإنسان من عواطفه، وادعائه الحياد والموضوعية، فإن (وعيه)، أو حتى (لاوعيه)، سيساهم بشكل أو بآخر في تقديم صورة إيجابية حول ذاته، وسلبية حول خصومه، وهو ما دفع الدكتور فؤاد زكريا إلى القول: “إنه استثنى نفسه تماماً من اللوم، صب اتهاماته على الغير، وكأنه كان طوال الوقت مشاهداً محايداً، أو ناصحاً أميناً لا يستمع إليه أحد.
ولقد بحثت طوال الصفحات التي قاربت الستمائة في كتاب هيكل “خريف الغضب”، عن سطر واحد من النقد الذاتي فلم أجده ..”(18)
ويعلق سامي شرف أيضا بقوله “إن التاريخ لا يكتب في حياة الأشخاص، وإنما يكتبه بعد نهاية الأحداث آخرون محايدون”.(19)
وهذه ثغرة أساسية في المرحلة الثانية من منهجية البحث التاريخي.
ثالثا: مرحلة التركيب والتأليف ستصبح ملغاة مع إمكانية هيكل المؤرخ، ذلك أن ضعف المرحلة السابقة وعدم وصولها إلى المستوى الأكاديمي العلمي يلغي آليا هذه المرحلة.
وإذا كان الأكاديميون يقولون: “إن أحسن تاريخ يكتب للناس هو ذلك التاريخ الذي اعتمد على الطرق العلمية من البحث التاريخي في جمع مادته وعلى الأدب والفن في عرض تلك المادة”(20)، فإن هذا القول ينطبق خاصة في جزئه الثاني بشكل كبير على كتابات هيكل الأخيرة (قصة السويس، سنوات الغليان، والانفجار). حيث تميزت هذه الكتابات بدقة التوثيق والمعلومات وبجمال اللغة والعرض.
إن محمد حسنين هيكل كان ذكياً في هذه المسألة، حيث تفطن لها مبكراً عندما نفى عن نفسه قطعياً صفة المؤرخ، وقال عن نفسه: “أبعد الأشياء عن مقاصدي أن أجعل من هذا الكتاب “سنوات الغليان” محاولة لـ”كتابة التاريخ” والحقيقة أنه محاولة لـ(قراءته). وهذا معنى كررته كثيرا في وصف ما أكتبه، ومازلت متمسكا به.
وليس من باب التواضع أن أقول أن “كتابة التاريخ” ليست صناعتي ولا أنا مدعيها، وليس من باب التفاخر أن أقول أن “قراءة التاريخ” حقي لأنها حق كل مهتم بالشؤون العامة.
ولعلي لا أتزيد إذا قلت أن “قراءة التاريخ” كانت أصعب بالنسبة لي لأني عشت وقائعه وكان علي لكي أقرأه بأمانة أن أضع للاختبار كثيرا مما كنت أتوهم أنني أفهمه”.(21)
ويقول عن نفس الكتاب: “.. لأننا يجب أن نتذكر أن هذا الكتاب ليس رسالة دكتوراه حتى أناقش فيه القضايا من خلال جزئية هنا وأخرى هناك، وإنما أنا أكتب كتاباً هو عبارة عن قراءة صحافية للتاريخ من المفروض أن تصل إلى أكبر عدد من القراء، واعتقد أن الكتاب حاول تحقيق هذا الهدف، فخطابي ليس موجهاً إذاً إلى أكاديميين وإنما إلى عامة القراء”.(22)
إن كتابات هيكل، حسب اعتقاده، هي قراءة صحفية للتاريخ وليست عملية تأريخ. وهنا ينجح الرجل في الابتعاد وتجنب أي مساءلة أكاديمية تاريخية ومنهجية.
ولكن يجب أن نلاحظ أيضا، أن هذه القراءات الصحفية للتاريخ، ليست قراءات عادية، قام بمثلها زملاء له في الصحافة.
إن كتاباته متميزة إلى حد ـ لا نبالغ فيه كثيراً إذا قلنا ـ أنها مدرسة خاصة في كتابة التاريخ والصحافة معا.
وهي تأصيل من نوع جديد لا يرتقي إلى المستوى الأكاديمي البحت، ولا ينزل مطلقاً إلى المستوى الصحفي العادي…
إن كتب هيكل قد تتحول ذات يوم إلى وثائق تاريخية، يعالجها مؤرخون (محايدون) ولكنهم سيصطدمون في هذه الرحلة بوثائق متكاملة، موثقة وجاهزة، قد لا يجدون فيها ثغرات كبيرة للنقد الداخلي أو الخارجي معا.