هيكل أو الملف السري للذاكرة العربية 8

القسم الثاني
هـيكل سيـاسيــا
أول مرة يقابل فيها هيكل (الباكباشي) جمال عبد الناصر، تمت في (الفالوجا) سنة 1948، عندما كان عبد الناصر محاصرا من القوات الإسرائيلية. ثم جاءه مرة ثانية إلى مكتبه في (آخر ساعة) يطلب منه كتاب (إيران فوق بركان) وقابله مرة أخرى يوم حريق القاهرة في 26 يناير 1952 في الشارع…

الفصل الأول
هيكل – العهد الناصري : الارتباط
إن الحديث عن هيكل السياسي، يؤدي مباشرة إلى الحديث عن علاقة محمد حسنين هيكل الصحفي بجمال عبد الناصر قائد الثورة ثم رئيس الجمهورية.
هذه العلاقة هي التي دفعت بالصحفي إلى قمة العمل السياسي وجعلته في دائرة صانع القرار… وهي التي جعلت هيكل جزءا هاما من تاريخ المنطقة… هذه العلاقة بدأت قبل ثورة 23 يوليو 1952.

1- هيكل – عبد الناصر: بداية العلاقة
أول مرة يقابل فيها هيكل (الباكباشي) جمال عبد الناصر، تمت في (الفالوجا) سنة 1948، عندما كان عبد الناصر محاصرا من القوات الإسرائيلية. ثم جاءه مرة ثانية إلى مكتبة في “آخر ساعة” يطلب منه كتاب (إيران فوق بركان) (1)، وقابله مرة أخرى يوم حريق القاهرة في 26 يناير 1952 في الشارع. وجاءه مرة أخرى مع صلاح سالم بسبب حكاية (الهويات) التي كان الإسرائيليون يعطونها لبعض عرب سيناء.(2)
لكن أهم لقاء، حدد مستقبل العلاقة بين الضابط والصحفي، حدث مصادفة يوم 18 يوليو 1952، عندما كان هيكل في زيارة للواء محمد نجيب في بيته، وفجأة دخل جمال عبد الناصر ومعه عبد الحكيم عامر فاجتمعا به وحدهما ثم خرجا وبقى بعدهما بضع دقائق، وعند خروجه وجد الاثنين مرة أخرى وتواصل الحديث. ودار بينهم نقاش ساخن حول ما يجري في البلاد ودور الجيش فيه، وتحمس أثناء المناقشة وقال لجمال عبد الناصر ما معناه، “أن الجيش عاجز عن رد كرامته إزاء عدوان الملك عليه”، وتساءل جمال عبد الناصر عن الدور الذي يمكن أن يلعبه الجيش، وهو يعلم أن أي حركة يقوم بها، ستتدخل على إثرها بريطانيا ويكرر الملك فاروق تمثيل دور الخديوي توفيق ويعيش الجيش مأساة جديدة كتلك التي عاشها عرابي.
ورد هيكل، مستبعدا تدخل الإنجليز موضحا بأنهم لا يملكون وسائل التدخل، واهتم عبد الناصر بما قاله، وسأله عن الأسباب التي دفعته إلى هذا التحليل، وقام هيكل بشرح وجهة نظره مفصلة.
وبدأ جمال عبد الناصر يسأله بإلحاح في تفاصيل ما قال وشعر أن اهتمامه به أكبر مما يحتمله حديث عابر بين صحفي وبين ضابط في الجيش وسأله هل يستطيعان أن يواصلا الحديث لأن الموضوع يهمه، واقترح عليه أن يذهبا إلى مكتبه في “أخبار اليوم” وكان تعليقه على الفور: “لا … ليس في “أخبار اليوم” … لماذا لا نذهب إلى بيتك؟”، وذهبا إلى بيت هيكل … وتحدثا طويلا … واتفقا على اللقاء مرة أخرى.(3)
هذه رواية هيكل لبداية العلاقة بينه وبين جمال عبد الناصر. أما اللواء محمد نجيب(4) فهو يروي الحادثة كالتالي: “يوم 18 يوليو، أي قبل الحركة بخمسة أيام، كنا نعيش أزمة نادي الضباط واستدعاني وزير الداخلية محمد هاشم باشا زوج ابنة حسين سري رئيس الوزراء، فتوجهت إلى بيته حيث سألني عن سبب التذمر. وهذه الواقعة أشرت إليها في المذكرات، وكان هيكل يومها مخبرا في مجلة “آخر ساعة”، وجاء يسألني ما دار في المقابلة وكان عندي الباكباشي محمد جلال ندى وبالصدفة جاء عبد الناصر فأخبره جلال ندى أنه رفع قضية ضد الحكومة بسبب إقفالها نادي الضباط، وأنه دفع رسوم الدعوة فأجابه عبد الناصر لماذا تدفع وحدك الرسوم، نحن جميعا متكفلون بها، ومد يده في جيبه ليخرج محفظته فقال له (الباكباشي) ندى “الحكاية لا تستحق، كل الرسوم لم تتجاوز الجنيه”. ويبدو أن هيكل بحاسته الصحفية أدرك أن عبد الناصر إحدى الشخصيات الهامة بين الضباط، وكنت أعلم حب هيكل للتعرف على الضباط، فلما طلب مني أن أعرفه بعبد الناصر قدمته إليه وكان ذلك أول لقاء بينهما”.(5)
في حين تختلف رواية عبد اللطيف بغدادي (عضو مجلس قيادة الثورة) الذي يقول في مذكراته: “ذهب عبد الناصر وعبد الحكيم عامر إليه (محمد نجيب) في منزله… ولكنهما لم يجدا فرصة للتحدث إليه أو مفاتحته في الأمر لأنهما كانا قد وجدا عنده بالمنزل بعض الضيوف ومنهم (محمد حسنين هيكل)، المحرر بدار “أخبار اليوم”… وقد دار الحديث أثناء الزيارة حول قرار مجلس إدارة نادي الضباط. واستفهم هيكل منهما عن مدى رد فعل هذا القرار داخل الجيش، وما هو التصرف الذي ينوي ضباط الجيش القيام به ردا على هذا التصرف من الملك، ولكنهما أوضحا له أنهما لا يعطيان مثل هذه الأمور أهمية، وأنهما سينصرفان للذهاب إلى السينما، وانصرفا دون التمكن من مفاتحة محمد نجيب في الموضوع”.(6)
وفي كل الحالات، فإن هيكل التقى حقيقة بعبد الناصر في يوم 18 يوليو 1952، ببيت محمد نجيب، وساعده هذا اللقاء في أن يلعب دورا خاصا في يوم 23 يوليو، عندما اندلعت ثورة الجيش، حيث اهتم به عبد الناصر وقربه منه لحاجته إلى معلوماته وعلاقته الكثيرة.
ويروي هيكل ما حدث له يوم الثورة قائلا: “في الساعة الثانية والنصف من صباح يوم الأربعاء 23 يوليو كنت في مقر هيئة أركان حرب الجيش وكان قد أصبح مقر القيادة لحركة جديدة قامت بها مجموعة من الضباط الشبان للاستيلاء على السلطة فيه. وباستيلائهم على السلطة فيه فإنهم استولوا على السلطة في الوطن كله. بدؤوا تحركهم في منتصف الليل، وبعد ساعتين اثنتين كانوا قد حققوا ما أرادوه. وبعد دقائق كنت في وسطهم”.(7)
بعد ذلك، اتصل هيكل هاتفيا بـ”أخبار اليوم” وقال له عامل التلفون، أن مصطفى أمين صاحب الدار يبحث عنك في كل مكان… فهل تريد أن أوصلك به، ولم ينتظر منه ردا، وسمع صوت مصطفى أمين معه على الخط، يسأله “أين أنت؟”، فقال له “لا يهم الآن” فقال له مصطفى أمين “هل تعرف أن ضباطا في الجيش تحركوا من ثكناتهم ونزلوا إلى الشارع؟” وأجاب هيكل “إنني أعرف”، فسأله “كيف؟” فرد ببساطة “لأني هنا في مقر قيادتهم”، وساد صمت على الناحية الأخرى من الخط ثم تمالك مصطفى أمين نفسه وراح يسأله أسئلة كثيرة تتسابق على الأسلاك، فقال له هيكل “إنني مع الأسف لا أستطيع ولا أملك أن أرد على سؤال منها، وسأله عن رقم التليفون الذي يتكلم منه حتى يستطيع أن يتصل به مباشرة لأن الظرف بالغ الخطورة، ثم أضاف أنه سيذهب به أيضا إلى الهلالي (باشا) (رئيس الوزراء) الذي يهمه في هذه اللحظة أن يسمع منه.
واستشار هيكل عبد الحكيم عامر في إعطاء رقم الهاتف، ولكنه رفض بعنف، في حين تحرك جمال عبد الناصر وقال “لم لا؟ … أعطه الرقم”. وقال جمال عبد الناصر “أتصور أنهم يريدون أن يعرفوا كيف نفكر نحن هنا… ولكننا من خلال أسئلتهم سوف نعرف كيف يفكرون هم هناك”.
ويعترف هيكل، أنه أعجب بسرعة بديهة جمال عبد الناصر وقدرته على التصرف والحسم في طرفة البصر.(8)
ومرة أخرى، تتعلق الحكومة والقصر بهيكل، باعتباره همزة وصل بينهم وبين (قيادة مجلس الثورة) فيتصل نجيب الهلالي (باشا) على نفس الرقم ويقول لهيكل:
“هيكل… أنا أعرف أنك في وضع صعب وربما كنا نحملك أكثر مما تحتمل، ولكن بما أن الظروف قضت بأن تكون حيث أنت الآن في هذه اللحظة فليس أمامنا ولا أمامك إلا أن نتحمل مسؤولياتنا. وأنا أكلمك من أجل (البلد) وأرجو أن يكون ذلك واضحا (للجماعة) عندك.
واستطرد الهلالي (باشا) يسأله: “ماذا يريد الجماعة عندك، إنني أريد منك أن تسأل من تعتقد أنه يستطيع الرد منهم، ولن أسالك من هو؟ …” وأضاف بأنه مستعد لتقديم استقالة الوزارة(9)، وفوجئ هيكل عندما طلب منه عبد الناصر أن يقول للهلالي (باشا) “عليك بتقديم استقالة الوزارة”. فقال لعبد الناصر “ولكنه رجل وطني وأمين”. فرد عبد الناصر “ليس هذا هو المهم الآن… قل له أن يستقيل”. ونقل هيكل الطلب، ووافق الهلالي بسرعة. ووقف، بعد انتهاء المكالمة مع جمال عبد الناصر لحظات يستوضحه في بعض ما دار وقال له عبد الناصر: “لم يكن موضوع تغيير الوزارة قد خطر على بالي، ولكن عندما اقترحه صاحبك طلبته على الفور لأن حدوثه إشارة واضحة إلى أن قيام وسقوط الوزارة في مصر لم يعد في يد الملك”.
ورأى هيكل أن “فيما قاله تلك اللحظات لمحات ملفتة للنظر في قدرته على التصور والتصرف”.(10)
ومنذ بداية العلاقة، حرص هيكل على أن تكون هذه العلاقة شخصية وبخاصة مع عبد الناصر دون غيره. فمجدي حسنين، أمين صندوق الضباط الأحرار، ومدير مكتب محمد نجيب ثم مدير مكتب عبد الناصر، يقول عن طبيعة علاقة هيكل بعبد الناصر في الأيام الأولى للثورة: “كان هيكل مراهنا على عبد الناصر كقائد للثورة، فهو رجل ذكي جدا، وكان عبد الناصر يحبه، يأخذ منه المعلومات ويعطيها له أيضا… ولم يحاول هيكل أن يتقرب إلى محمد نجيب، كما لم تكن له علاقة خاصة مع أي من بقية الضباط الأحرار، لقد اقتصر في علاقته على عبد الناصر، ولم يرد أن يحشر نفسه في صراعات، فلم يتدخل في سير الإدارة أو أجهزة الدولة …”.(‍‍11)
لقد شهدت العلاقة بين هيكل وعبد الناصر بعدا شخصيا متميزا.

2 – هيكل – عبد الناصر:
العلاقة في أبعادها الشخصية
يعتقد أحمد حمروش(12) أنه “عندما قامت ثورة 23 يوليو لم يكن محمد حسنين هيكل هو أقرب الصحفيين إلى جمال عبد الناصر. فقد كان هناك صحفيون آخرون أقرب مثل إحسان عبد القدوس ومصطفى أمين وحسين فهمي وأحمد عبد الفتوح وحلمي سلام. وكلهم كانوا أصدقاء لعبد الناصر. والنقطة الثانية أن هيكل عندما تعرف على عبد الناصر لم يكن صحفيا مبتدئا أو ناشئا، بل كان رئيس تحرير “آخر ساعة”. والنقطة الثالثة أن هيكل كان أكثر الصحفيين حرصا وفهما لطبيعة المرحلة، وأيضا رغبة في الاستفادة من وجوده قريبا من زعيم هذه الثورة. فإذا كان يقال أن هيكل أثر على عبد الناصر لكي يجعل منه ( الصحفي الأوحد) فأنا أقول أن هذا مستحيل وغير ممكن لأنه ضد طبيعة عبد الناصر شخصيا، وإذا حاولت أنت مثلا عند عبد الناصر لكي تصبح (الصحفي الأوحد) فلن تنجح، ولكن إذا وجد عبد الناصر أن رغباته وأفكاره وأحلامه يتم ترجمتها جيدا من خلال قلمك فهو الذي سيقربك إليه، لأنه المحتاج إلى قلمك وفكرك. لذلك أقول أن عبد الناصر كان محتاجا لهيكل وكان يتبادل معه الأفكار والحوار، ولكن في النهاية كان هناك رأي لعبد الناصر ورأي لهيكل، وكثيرا ما اختلفوا، وظهر هذا الخلاف واضحا”.(13)
ويؤكد هذا الرأي، وزير الإعلام السابق محمد فائق، حينما يقول: “في رأيي أن هيكل هو أحسن من يفهم عبد الناصر وما يريده، وكيف يصيغ أفكاره… حقيقة كانت توجد علاقة صداقة شخصية بينه وبين الرئيس…”.(14)
كما يذهب في نفس الاتجاه، وزير الشؤون الاجتماعية وعضو اللجنة التنفيذية العليا للاتحاد الاشتراكي، ضياء الدين داوود حينما يشرح: “أنا كنت قريبا من جمال عبد الناصر بحكم وضعي في السلطة، ولا اعتقد أن هناك مبالغات من هيكل في ما يكتبه عن حجم علاقته بعبد الناصر، على عكس ما يكتبه البعض اليوم هنا وهناك… لقد ذكر لي عبد الناصر شخصيا أن أكفأ من ارتبط به في دقة التعبير عن أفكاره هو محمد حسنين هيكل”.(15)
وحاول هيكل طيلة عهد عبد الناصر أن لا يكشف للآخرين حجم ونوع هذه العلاقة. ويرى صلاح منتصر، أحد تلامذة هيكل، أن هذا الأخير “عرف ببراعة بالغة حدوده (كمدني) خارج مجموعة العسكريين الذين خرج منهم عبد الناصر وينتمي إليهم.
وبذكاء أكبر استطاع هيكل أن يضع غشاوة على تلك العلاقة أمام كثيرين… واحد غيره كان سهلا أن يعلن: عبد الناصر قال لي، وأنا قلت لعبد الناصر… ولكن هيكل تحاشى تماما طوال حكم عبد الناصر أن يشير إلى هذه العلاقة، خصوصا في كتاباته، إلى درجة حيرت بعض القراء، وأثارت لديهم الشكوك في حجم هذه العلاقة. وهكذا فبالنسبة لهيكل لم يكن هو الشخص الذي يتفاخر بصداقته للحاكم ويعلن عنها ولا الإنسان الذي له أي مطامع أو مطالب ويطلب من الحاكم تحقيقها له”.(16)
هذه الصداقة القوية بين الرجلين، كثيرا ما اعتراها الخلاف، “فحقيقة الأمر أنه كان لجمال عبد الناصر رأي… ولمحمد حسنين هيكل رأي آخر… وهما ـ أحيانا ـ لا يتطابقان… وليس صدقا ما كان يدعيه البعض من أن مقالات هيكل كانت “بالونات اختبار” يطلقها عبد الناصر ليتعرف على خبايا الرأي العام.
ومحمد حسنين هيكل لم يكن يوحي له في التعبير عن رأيه… جميع الكتاب لم يكن يوحي لهم… والرقابة لم تعرف طريقها للصحف إلا بعد عدوان إسرائيل عام 1967.
القضية كانت… أن محمد حسنين هيكل اكتسب ثقة جمال عبد الناصر”.(17)
أما هيكل، وهو الطرف المعني في هذه العلاقة فيقول: “وأحسن ما كان في علاقتي بعبد الناصر هو ما كان فيها من تلقائية بمعنى أنني لم أكن أقصد ولا هو كان يقصد… الصداقات لا تنشأ بتصميم سابق ولا بقصد سابق.
الصداقات تنشأ بصلات إنسانية يشعر بها الناس وتتوثق لحظة بعد لحظة ويوما بعد يوم…
الذي حدث أن هذا الرجل كان لديه استعداد تاريخي خارق وأنا كصحفي أعرف المنطقة بشكل أو بآخر، وأسوأ شيء تفعله لأي إنسان في السلطة أن تحاول أن تتقرب إليه أو تفرض نفسك عليه… لأنه بطبيعته يشك… ليس فقط عبد الناصر وإنما كل إنسان في موقع السلطة… ولو أنني حاولت بناء على تصميم مسبق لأثرت الشكوك… لكن علاقتنا نمت… إننا دون أن نلتقي كنا نتكلم في آراء واحدة… ثم بعد ذلك الصداقات تأتي عندما يجد اثنان نفسيهما منجذبين سواء بحكم تلاقيهما الفكري أو بحكم عناصر الكيمياء الإنسانية… لا هو هيأ ولا أنا هيأت… ولكن العلاقة نشأت كما تنشأ أي صداقة بطريقة طبيعية…”.(18)
هذه العلاقات المتميزة شكلت درعا يحمي هيكل من خصومه المتربصين به. وهي الخط الحديدي الذي تتحطم عليه كل أمواج الرافضين لدور هيكل الصحفي السياسي. وقام الرئيس عبد الناصر في أكثر من مرة بدور الحامي المباشر لهيكل عندما يقع في مأزق. فهو مثلا عندما وفر غطاء أو حماية كبيرين لصديقيه مصطفى وعلي أمين، وبعد أن اكتشفت أجهزة الأمن عمالتهما للمخابرات الأمريكية، شعر هيكل بمأزق كبير، خفف من حدته عبد الناصر عندما قال له: “ليس هنالك ما يدعوك إلى أن تفكر على هذا النحو، صحيح أنك توسطت لهما عندي أكثر من مرة لكن أنا الذي استجبت لك ولم يكن في استطاعتك أن تفرض علي شيئا لولا قبولي به. فإذا كانت هناك مسؤولية فأنا المسئول، لا داعي الآن لفرط الحساسية وأنا أطلب إليك من الآن أن تمسك أعصابك لأني أعرف أن هناك من هم على استعداد لاستغلال ما حدث ضدك، ولا يصح لك أن تعطي أحدا وسيلة النيل منك دون وجه حق”.(19)
وتكررت عملية الحماية مرة أخرى، وفي نفس القضية، عندما دفعت دار “أخبار اليوم” بقرار من هيكل تكاليف الدفاع عن مصطفى أمين، فقد سأله عبد الناصر عن حقيقة الأمر فكان رده: “إنني تصرفت على نحو أثق أنك كنت ستتصرف به لو أنك مكاني”.
فعلق عبد الناصر قائلا: “إنني أستطيع أن أفهمك لكن ما أخشاه أن لا يفهمك غيري”، فرد هيكل “إنه يهمني أن يفهمني هو، وأما الآخرون ممن لا يفهمون فأمرهم لا يعنيني”.(20)
إجابة هيكل تلخص حقيقة وطبيعة علاقته بعهد كامل. فالرجل لم ينزلق في لعبة السلطة والتحالفات والصراعات، واكتفي بمد الجسور مع عبد الناصر وحاول أن تكون هذه العلاقة شخصية- إنسانية، لا يعلم حجمها وعمقها أحد غيرهما. وهذه العلاقة جعلت هيكل يرفض أكثر من مرة منصب الوزارة أو أي موقع سياسي آخر. فقط كان يعتمد على موقعه في “الأهرام” وهو عمله الصحفي، وموقعه في (قلب) عبد الناصر، وهي العلاقة الشخصية التي حرص طوال الوقت على تواصلها ونموها وحمايتها من الدخلاء.
كان هيكل متفطنا إلى طبيعة شخصية (صديقه) فهي شخصية (كارزماتية) لها إشعاع محلي وعربي وعالمي هائل وهذا النوع من الشخصيات عادة ما يتجاوز بنفوذه وسلطاته الكارزمتية حدود صلاحياته الدستورية والمؤسسات التي يعمل من خلالها، حيث تصبح (للكاريزما) سحر خاص يخاطب الجماهير رأسا بدون المرور بأجهزة الحكم. وهذا النوع من الشخصيات نادر عبر التاريخ فالقرن العشرين مثلا لم يعرف إلا مجموعة محدودة من شخصيات (الكاريزما) مثل ماوتسي تونغ، لينين، تيتو، ديغول، وعبد الناصر…(21)
هيكل استوعب منذ البداية هذه النوعية الخاصة من الزعامات وتكيف معها منذ انطلاق الثورة… وتواصلت علاقتهما إنسانية عميقة حتى وفاة جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970، عندها لم يبك هيكل على (صديقه)، وتمالك أعصابه حتى تمر الأزمة وجاء يوم الجنازة وبكى… وصف ذلك قائلا: “أنا أذكر جيدا يوم الجنازة وكان تحرك الجنازة من مجلس قيادة الثورة القديم على النيل (قرب فندق شيراتون الجزيرة الجديد) فلقد بدأنا الجنازة صفوفا متماسكة ولكن ما أن شاهدت النعش وبدت لي حقيقة أنه في داخل هذا الصندوق يوجد جمال عبد الناصر، فإنني لم أستطع أن أسيطر على نفسي… خلاص… وبكيت… وابتعدت خارج الصفوف رغم أنني كنت يومها مرافقا رسميا لـ”كوسيجين” حتى لا يراني أحد… ولكن في وقت الأزمات مهما كانت أحزانك فهذا ليس وقت البكاء…”(22)
ورغم هذه العلاقة الإنسانية التي ربطت الزعيم بالصحفي، فإن هذا الأخير حذر مبكرا من خطر الانحراف وتأليه عبد الناصر. كتب هيكل مقالا أثار ضجة كبيرة لدى القيادات الناصرية سماه “عبد الناصر ليس أسطورة” ونشره في ركن بصراحة في الأهرام في 6 نوفمبر 1970 قال فيه “إن اليوم يوافق ذكرى الأربعين بعد رحيله… ويخطر ببالي أن هناك أشياء يجب أن تقال في هذه المناسبة، بعضها موصول بذكراه نفسها، وجلالها، وكمالها، والبعض الآخر موصول بما بعد الذكرى من ضرورات وضمانات.
وأبدأ الآن بالنصف الأول مما يجب أن يقال، وما هو موصول بالذكرى نفسها، وجلالتها، وكمالها، على أن يجيء في حديث آخر، ما هو موصول بما بعد الذكرى من ضرورات وضمانات.
وأريد أن أقول الآن ما يلي:
– أولاً: إنه ليس من حق أحد بيننا، أن تراوده- على نحو أو آخر، بقصد أو بغير قصد- فكرة تحويل جمال عبد الناصر إلى أسطورة…
إن الحب الزائد له، والحزن الزائد عليه- وكلاهما في موضعه- يمكن لهما أن يدفعا بالذكرى دون أن نشعر إلى صلب الأساطير.
كما إن بعضنا قد يتصور لأسباب شتى أن ذلك متطلب أو مطلوب…
والحقيقة أن هذا كله مهما كانت دوافعه يضع جمال عبد الناصر في غير مكانه الصحيح.
إن الأسطورة تشتمل على إيحاء غيبي، كما إنها تحمل لمسة مما وراء الطبيعة، وليس من ذلك كله أثر في جمال عبد الناصر.
ولقد كان أعظم شيء في جمال عبد الناصر، أنه كان حياة إنسانية زاخرة، عاشت على الأرض، وبين الناس، وتحت أشعة شمس مصر الباهرة.
وكان أكثر ما ينفر منه جمال عبد الناصر في حياته، هو عبادة الفرد، ولهذا فإنه ليس من حق أحد بعد الرحيل أن يجعل منه إلهاً معبوداً في هرم آخر على أرض مصر.
إن جمال عبد الناصر لا يسعده أبداً أن يجد نفسه تمثالاً شاهقاً من الحجر، وإنما يسعده أن يظل دائماً مثالاً نابضاً للإنسان…
لحم ودم… إرادة وأمل… عقل وعاطفة… قرارات فيها الصواب وفيها الخطأ، وأحسب أن جمال عبد الناصر هو واحد من القلائل الكبار في عالمنا وعصرنا الذين واتتهم الشجاعة لكي يقفوا أمام الملايين يتحدثون بأمانة ورجولة عن التجربة والخطأ.
ولو أردت أن أستعمل أسلوب المجاز، لقلت:
“لا يجب أن تصبح ذكرى جمال عبد الناصر جداراً نقف أمامه في خشوع ورهبة، وإنما يجب أن تصبح ذكرى جمال عبد الناصر أجمل المروج الخضراء في حياتنا، نذهب إليها بالحنين والمحبة، ونحس فيها بالصفاء الروحي والذهني، شاعرين أننا في جوها النظيف والطاهر على صلة وجدانية بالضمير الوطني والقومي لشعبنا وأمتنا”.
أقصد أن ذكرى جمال عبد الناصر لا يجب أن تتحول إلى تراث- أو إرث- نعيش عليه، ولكنها يجب أن تبقى قيمة نعيش معها…
قيمة لا نقف أمامها بالصمت ولكن ندخل معها في حوار مستمر… لا نصلى لها، ولكن نفكر فيها.
وأعتقد مخلصاً أن جمال عبد الناصر كان يقول بذلك، لو كان قد أتيح له أن يبدي رأيه فيه.
كان – كما قلت – ينفر من عبادة الفرد، أو على الأقل لا يستسيغ المنطق الذي تستند إليه، مهما كانت مبرراته، وأذكر في ذلك وقائع كثيرة، تشير كلها إلى ذلك اليقين لديه.
كانت هناك تجارب يقدرها حق قدرها، ويعجب بما حققت أشد الإعجاب، لكنه كان يصل إلى نقطة تقديس الزعيم فيها، ويقول :
– لا أعرف لماذا تورطوا في مثل ذلك، إنه ليس خطأ في فهم دور الفرد فحسب، ولكنه يمكن أن يشكل عقبة أمام التطور أيضاً، لأنه يعطى للأموات وصاية على الأحياء… وليس ذلك إنصافاً، لا للأموات، ولا للأحياء”.
وفي الذكرى السنوية الأولى لوفاة عبد الناصر تصدى هيكل لكل من حاول النيل من الزعيم الراحل وكتب مقاله بصراحة تحت عنوان (عبد الناصر الرجل… والرمز) ونشره في الأهرام في عدد 28 سبتمبر 1972 وقال فيه :
‏”لا أعتقد أن هناك شيئاً يشهد لجمال عبد الناصر ولدوره التاريخي، بمثل ما تشهد به هذه الحملة عليه وعلى فكره وعلى عمله – وهى حملة ما تزال عنيفة، وما تزال ضارية، وما تزال مستمرة !
…الرجل هناك في رحاب الله منذ عامين، ومع ذلك فهو ما يزال حتى هذه اللحظة – وإلى زمان طويل – رأياً في كل حادث، وموقفاً في كل قضية، والتزاماً حيال أي مبدأ.
ومن هنا الحملة عليه.
هو الغائب الحاضر، هو البعيد ولكن ظله يملأ الساحة كلها، وهذا هو سره، كما هو سر غيره من الذين تجاوزت حياتهم حدود أشخاصهم؛ فإذا هم يصبحون تعبيراً تاريخياً عن شعوب وأمم، وفترات بعينها ومراحل على مسيرة التقدم الوطني والقومي والإنساني العام.
مثل هؤلاء تصبح حياتهم في التاريخ ومضات صدق لا يخبو ولا يشحب ضوؤها، ويصبح اسم أي واحد فيهم – مجرد اسمه – رمزاً يشير إلى كثير، بعضه محقق وظاهر وبعضه مستتر في الضمائر، بعضه خرج إلى الوجود، وبعضه يبحث عن طريق للخروج.
مزيج غريب من الأحلام والرؤى، والمنجزات والمعجزات، والآمال التي تجيش في الصدور وتحرك الهمم وتفجر الطاقات.
وهكذا فإن الحملة على واحد من هؤلاء لا تتوقف مع توقف دقات قلبه، وإنما هي تستمر بعد ذلك ولا تسكت؛ لأنها تطارد ما هو أكبر من فرد باسمه…
تطارد الرمز.
القيمة الكبرى لجمال عبد الناصر – والتفسير الحقيقي لحجم الحملة الضارية عليه بعد رحيله – أنه كان واحداً من هؤلاء.
كانت حياته تعبيراً عن صدق هذه الأمة العربية مع نفسها، ومع تاريخها، مع عالمها المعاصر، ومع التطور الإنساني العام.
لذلك أصبح في حياته دوراً، وتحول بعد رحيله إلى رمز، وفي الحالتين – الحياة والرحيل – كان خطراً لابد من وقفه ولا بد من رده، ولا بد من حصره تمهيداً لتصفيته.
وهذه هي المحاولة التي نراها على الأرض العربية الآن، ومنذ 28 سبتمبر سنة 1970 وحتى اليوم” !.